Saturday, May 16, 2020

سعد الله ونوس: ذاكرة أقوى من الموت



لا نعلم سر سعد الله ونّوس الذي أفضى به إلى قلب كيمياء مسرحه كلّها خلال فترة صمته الموجزة الثانية (1990-1993) التي أنتج بعدها أعظم مسرحيّاته. وحتّى تلك المسرحيّات السّبع الأهم متباينة في ما بينها بدرجة مدهشة، ولكن لا بدّ من قاسم مشترك بينها حتمًا. ستختلف الإجابات باختلاف القراءات والتأويلات، ولكن لعل أهمّ سبب في هذه المرحلة الأخيرة الفاتنة هو أنّ ونّوس سمح لذاته بالتسلّل في دفعات متزايدة، سمح لذاكرته أن تنحت مسارًا لها داخل المسرحيّات. الجميل في الأمر هو أنّ ذات ونّوس كانت سرديّة لا مسرحيّة. تنامت جرعة السّرد بالتدريج لتحفر مسارًا تجريبيًا غاب عن أعماله الأولى، وأُلمح إليه إلماحًا طفيفًا في «الاغتصاب» (1989). تجريب فنيّ يتداخل فيه الدراميّ بالسرديّ بحيث لا تقتصر مهمّة السّرد بكونه مجرّد «جوقة» للتّعقيب والتّفسير، بل دخل السرد إلى جسد المسرحيّة نفسها: صارت الشّخوص تُعبّر عن أنفسها أكثر ببوح مونولوغيّ يصل أحيانًا إلى صفحتين أو ثلاث، وتشظّت الفصول والمشاهد التّقليديّة إلى منمنمات وتفاصيل بحيث بتنا أقرب إلى موزاييك أو مونتاج مسرحيّ لم يكن الشّكل القديم لمسرحيّاته الأولى يسمح به. اكتشفنا في التقاطاتٍ سريعةٍ ونّوس السّارد الذي كانت أعماله الأخيرة تعد بحضور أقوى للسرد، وهذا ما فعله حقًا حين فاجأنا بكتابه البديع «عن الذاكرة والموت» (1996)، وهو أحد أجمل الكتب السرديّة العربيّة.
كتاب «عن الذاكرة والموت» عصيّ على التصنيف كما هي حال مسرحيّاته الأخيرة وأكثر. يضع ونّوس على الغلاف تصنيفًا محايدًا: «نصوص»، ثم نجد الكتاب مقسومًا إلى قسمين: «نصوص قديمة ومهملة» أقرب إلى القصص القصيرة من دون أن ينطبق عليها التّعريف بدقّة؛ و«نصوص جديدة» فيها نص واضح هو مسرحيّة «بلاد أضيق من الحب»، ونصان/متاهتان قريبان من السيرة الذاتيّة وبعيدان منها في آن: «ذاكرة النبوءات» أقرب إلى اليوميات، ولكنّ نص «رحلة في مجاهل موت عابر» لا مثيل له عربيًا (ربّما نتذكّر هنا كتب حسين البرغوثي بوصفها أقرب مثال مشابه): يوميات، تأملات، پاروديا، نص ميثولوجيّ قصير، ونص دراميّ يكاد يكون مسرحيّة، أحلام، كوابيس، ونصوص قصيرة قريبة من جوّ القسم الأول من الكتاب، ولكنّها موحّدة في ثيمة واحدة: الذباب. يشير ونّوس هنا بين الهزل والجد إلى أنّه يودّ لو أدخلَ نصوص الذّباب في قسم (بعنوان «ذبابيّات») في المجلد النظريّ من أعماله الكاملة، ولكنّه فضَّلَ تركها في كتابه السرديّ، وأدخلها ببراعة بحيث نجدها حلقةً من حلقات تأمّلاته الهذيانيّة بفعل آثار الجرعة الكيميائيّة التي كادت تودي به، ولكنّها أكثر بكثير من مجرّد هذيانات.
يتكون كرّاس «ذبابيّات» من نصين/قصتين، يليه تداعيات ذاكرة وتأملات في عالم الذباب، ويختتمه بملحق عن علاقة الذباب بالإنسان، أو بالأحرى مظاهر علاقات الذباب بالإنسان وهي كثيرة حقًا. يلفتنا في النصوص الذبابيّة كلّها تكرار ونّوس لعبارة «لم أكن أعلم» التي توحي بندم لأنّه فوّت فرصة تأمّل هذا المخلوق العجيب، وتوحي من جهة أخرى بخيبته من مدى ضحالة معرفة الإنسان وضآلة وجوده. يروي ونّوس في نص «الذبابة الجائعة» قصة يوم واحد من حياة ذبابة، وكأنّه يكتب پاروديا للأعمال المسرحيّة الملتزمة بضوابط الوحدات الأرسطويّة الثلاث. يوم واحد لا يعني الكثير في حياة البشر إلا لو رواها سوفوكليس أو جويس، ولكنّه عالمٌ بأكمله بالنّسبة إلى ذبابة وحيدة جائعة تخوض مغامرتها الوجوديّة: «كانت الغرفة واسعة كالعالم. ... كان كل شيء عجيبًا ومدهشًا في الوقت نفسه. وإلى حزنها انضافت رعشة الرعب». رعب بسبب الإنسان طبعًا الذي لا يترك لها فرصةً للتأمل ويسحقها لتسقط على الأرض وينتهي وجودها من دون أن تكون قد عرفت شيئًا. هذا الجوّ الوجوديّ ليس بعيدًا من جوّ مسرحيّاته الأولى، ولكنّ النص الثاني «بعد ظهر دمشقيّ» يبدو بمثابة صلة وصل عجيبة بين العالم الوجوديّ القديم وعالم المسرحيّات الجديدة. الفارق هو أنّنا نتابع بعيني ذبابة تراقب مضاجعة رتيبة في ظهيرة رتيبة في مدينة رتيبة: «تطير الذبابة، وتحط على المصباح الكهربائيّ المتدلّي من السقف. تنظر من أعلى. ترتفع إليتا الرجل. تهويان. تشعر الذبابة بالتقزّز والحزن». تنتهي القصة فنشعر بخواء هائل، يمتزج بأسى حين يواصل ونّوس تأملاته في الفروق بين المضاجعة (التسافد؟) البشريّة وبين العمليّة الجنسيّة لذى الذّباب التي يمكن لعبارة «ممارسة الحب» الباهتة - التي نتحايل بها على الرقابة كيلا نسمّي الجنس جنسًا -  أن تنطبق على الذّباب ولكن ببعد جماليّ رهيف يقصد الحب في ذاته، لا بكونه مجازًا. يفاجئنا ونّوس باستخدام مفردات صوفيّة، وكأنّ الحب والجنس عند الذباب وَجْدٌ، لا محض ممارسة ميكانيكيّة: «حين يلتحم ذكر الذباب بأنثاه، يبدو وكأنّهما دخلا حالة من الوجد الغامض، وقررا ألا ينفصلا ما دامت فيهما قوة أو حياة. ... كان ينبغي أن أكبر، وأن أفشل في الحب مرات عديدة، كي أكتشف أنّ الإنسان يفتقر كثيرًا إلى الحساسيّة والجمال اللذين يتحابّ بهما الذّباب. وفي لحظات .. كثيرًا ما حسدتُ الذّباب على تلك القدرة على الطيران بأجنحة أربعة، وبشهوة تتدفّق في العروق متجدّدة ومديدة».
يشير ونّوس (في حواره مع ماري إلياس في مجلة «الكرمل» عام 1996) إلى أنّ هوسه بالذّباب قديم منذ أيام يفاعته في قريته حيث كان الذبابُ «الحاضرَ/الموجودَ الذي لا نعي وجوده إلا كعامل إزعاج، ولكنه في الحقيقة وجود يوازي وجودنا بشكل كامل، فلماذا لا نتبنى وجهة نظره من وقت لآخر؟». وبذا، لا تقتصر تأمّلات ونّوس على الجانب الجنسيّ من جوانب حياة الذباب، بل يواصل تداعياته ليروي لنا كيف يشهد الذباب انكسارات الإنسان، وكيف تتداخل حياته بحياة البشر في تفاصيلها كلّها. ويتكشّف له ولنا أنّنا ضئيلون حتّى بالمقارنة مع كائن نراه مقرفًا زائدًا عن الحاجة. ولكنّ قَلْب وجهات النّظر سيعني الكثير/ على الأخص حين يختم ونّوس «ذبابيّاته» بحادثة جعلته يربط الذّباب بالسياسة على الدوام، حين رأى لافتة كرتونيّة في كشك مخابرات على الحدود السوريّة-اللبنانيّة كُتب عليها: «الفم المغلق لا يدخله الذباب»، ويُجْمِل الحادثة في عبارة واحدة: «وبهذا المعنى فإنّ الصمت يجنّبنا الذّباب، ويجنّبنا أيضًا المتاعب السياسيّة». ولكنّ ونّوس لم يصمت حتّى في فترات صمته بل واصل إبداعه مسرحًا وسردًا في سباق مع العمر القصير، ونوَّع بين صراخ السبعينيّات وهدوء الثمانينيّات وهمس التسعينيّات، ليبرهن أخيرًا، في المسرحيّات وفي كتابه السرديّ على الأخص، على أنّ الذاكرة أقوى من الموت.     

Share:

Sunday, April 12, 2020

مقطع من مسرحيّة أنتوني وكليوپاترا




كليوپاترا:
هاتي ثوبي، ألبسيني تاجي.
فيَّ اشتياقاتٌ أبديّةٌ. وبعد الآن
لن تُرطّب عصارةُ عنب مصر هاتين الشّفتين.
هيّا، هيّا، إيراس الطيّبة! عجّلي! يُخيَّل أنّي أسمع
أنتوني ينادي: أراه ينتصب
ليُبجِّلَ فعلي النّبيل. أسمعه يهزأ
من نصيب قيصر، الذي تهبه الآلهةُ للرجال
كي تُبرّر غضبها اللاحق. – جئتُ يا زوجي!
لذاك الاسم شجاعتي تبرهن لقبي!
أنا نارٌ وهواء: وعنصراي الآخران
أهبهما لحياةٍ أحطّ. هل انتهيتما؟
تعاليا إذن، وخذا آخر دفءٍ من شفتيّ.
[تقبّلهما وتسقط إيراس ميتة]
وداعًا شارميان العذبة. وداعًا طويلًا يا إيراس.
هل الأفعى في شفتيّ؟ هل سقطتِ؟
إنْ كان لكِ أن تفارقي الطبيعة بهذا الرّفق،
فإنّ لدغة الموت مثل قرصة المحبوب
تُوجِعُ وتُشتهى. أتستلقين بلا حراك؟
إذْ تلاشيتِ هكذا، قولي للعالم
إنّه لا يستحق إيذانًا بالوداع.

شارميان:
تبدّدي أيّتها السّحابة الكثيفة، وأمطري، كي يسعني أن أقول
إنّ الآلهة ذاتها تبكي!

كليوپاترا:
هذا يبرهن أنّي دنيّة:
لو لاقتْ أنتوني ذي شعر الخواتم قبلي،
سيُبادرها، وسيُنْفِقُ تلك القبلة
جنّتي التي أريد. [تخاطب أفعى أخرى تضعها في صدرها] تعالي أيّتها البائسة المميتة،
بأنيابكِ الحادّة عقدةُ الحياةِ المتشابكة
ستُحَلُّ فورًا: أيّتها الحمقاء السامّة البائسة
اغضبي وأنهي عملك. آه، لو كان لكِ أن تنطقي،
كنتُ سأسمعكِ تنادين قيصر العظيم حمارًا قد غُلب.

شارميان:
يا نجمة الشّرق!

كليوپاترا:
صمتًا، صمتًا!
ألا ترين طفلتي على صدري
ترضع كي تُنيم المرضعة؟

شارميان:
انكسر يا قلب! انكسر!

كليوپاترا:
حلوٌ كالبلسم، عذبٌ كالهواء، رقيقٌ مثل ..
آه أنتوني! – [تخاطب أفعى أخرى] لا، سآخذكِ أنتِ أيضًا.
لمَ ينبغي لي أن أبقى ...

شارميان:
في هذا العالم الوحشي؟ إذن، وداعًا.
والآن تبجّحْ، يا موت، فلديكَ الآن
فتاةٌ لا مثيل لها. – يا نوافذ [العينين] أغلقي
ولن تُرى فيبي الذهبيّة [ الشمس] بعد اليوم
بعينين لهما هذا الجلال الملكيّ كلّه! – تاجكِ مائلٌ.
سأسويّه، وألهو من ثمّ ...

الحارس:
أين الملكة؟

شارميان:
أخفض صوتك ولا توقظها.

الحارس:
لقد أرسلَ قيصر ...

شارميان:
رسولًا بطيئًا.








Share:

Saturday, February 15, 2020

نغوغي وا ثيونغو: عن الهويّات المُستعارة






إنْ جازَ لنا اختزال السّرد الأفريقيّ (الأسود) في القرن العشرين في ثالوث، لن نتردّد طويلاً في حسم خياراتنا: وولي شوينكا، وتشنوا أتشيبي، ونغوغي وا ثيونغو. أضلاع هذا المثلّث السرديّ أسماء لها وزنها عالمياً، وإنْ كان النّيجيريّان مهيمنَيْن على الساحة أكثر من الكينيّ وا ثيونغو لأسباب كثيرة، ليس أقلّها جائزة نوبل التي نالها شوينكا، والأضواء الساطعة المُسلّطة على أعمال تشنوا أتشيبي. ثمّة سببٌ آخر أهم: بقي أتشيبي وشوينكا يكتبان بالإنكليزيّة، بينما هجرها وا ثيونغو وعاد إلى لغته الأصليّة، الكيكويو؛ كانت رواية «تويجات الدم» (1977) آخر عمل أدبيّ له بالإنكليزيّة، وإنْ كان قد واصل كتابة المقالات بها. لم يكن خياره الجريء في الكتابة بالكيكويو محض تغيير أداة تعبير، بل كان استعادةً لصوته ولهويّته ولوجوده، واستعادة لاسمه، حين نبذ اسم جيمس نغوغي، واعتنق اسمه الأفريقيّ. أرّختْ لحظةُ هجر الإنكليزيّة والعودة إلى الجذور لمسارٍ جديدٍ في حياته كلّها، ودمغتْ أعماله اللاحقة، وكأنّه ما يزال يناضل لينزع كلَّ أثر من آثار الصوت المستعار، واللغة المستعارة، والاسم المستعار، والهويّة المستعارة.  
يمكن لنا عدّ كتاب «الكتّاب في السياسة» (1982، 1997) الذي صدرت ترجمته أخيراً عن ابن النديم للنشر ودار الروافد الثقافية (ترجمة عهود المخيني) جزءاً آخر لكتابه «تصفية استعمار العقل» (1986)، أو ربّما مرآةً أخرى له. يقدّم لنا وا ثيونغو في «الكتّاب في السياسة» أربع عشرة مقالة وملحقاً، حيث حذف ثلاث مقالات من الطبعة الأولى، وأضاف أربعاً ضاعف فيها جرعة السياسة. ليس هذا مستغرباً من كاتب يرى أنّ «الكتّاب والمفكّرين حيوانات سياسيّة حتّى وإنْ احتجّوا أنّهم يقبعون في ملكوت الأفكار النقيّة». يرى وا ثيونغو أنّ كلَّ كاتبٍ هو كاتبٌ في السياسة بالضّرورة، وهنا يتقاطع رأيه مع رأي الراحل عبد الرحمن منيف وعبارته الدقيقة: «حتّى اللاسياسة هي سياسة»، بمعنى أنّ السياسة عنصرٌ جوهريٌّ لدى الكاتب حتّى لو تظاهر بنبذها، لأنّ هذا النّبذ موقف سياسيٌّ بحدّ ذاته. سنجد تقاطعات كثيرة بين الكاتبين، على الأخص سعيهما لإبداع أدب أصيل لا يستعير أصابع الآخرين، وإنْ كان هذا يحتاج إلى بحثٍ مستقل نقارن فيه بين كتاب وا ثيونغو وبين كتاب منيف «بين الثقافة والسياسة» (1998).
تتركّز السياسة في القسم الثاني من الكتاب: «الكلمات والسُّلطات»، حيث يشدّد وا ثيونغو على حريّة التّعبير في أفريقيا النيوكولونياليّة التي عملت سُلطاتها بمنهجيّةٍ على وأد الثقافة المحليّة بغية إلحاقها بثقافة أوروبا الكولونياليّة، إلى درجة أنّ الكتّاب الأفارقة صاروا يميّزون أنفسهم تبعاً لتصنيفات اللغة الأوروبيّة التي يكتبون بها، وبحيث يكون مصيُر أيّة محاولة للإفلات من قبضة اللغة الأجنبيّة المهيمنة التّضييقَ أو الاعتقالَ. اعتُقل وا ثيونغو نهاية عام 1977 إلى نهاية عام 1978 بسبب كتابته وإنتاجه لمسرحيّة «سأتزوّج حين أشاء»، واضطرّ بعدها إلى العيش في المنفى. لم يكن موضوع المسرحيّة، الذي يصوّر الصراع على الأرض والوجود بين الفلاحين الكينيّين وبين الكولونياليّة العسكريّة والدينيّة، السببَ الأساسيّ للاعتقال، بل لأنّ تلك المسرحيّة كُتبت بالكيكويو، اللغة المحليّة التي يفهمها الناس، بحيث انتقلوا أخيراً من كونهم مجرّد شخوص في أعمال مكتوبة باللغة الكولونياليّة إلى فاعلين أساسيّين في خلق العمل المكتوب باللغة المحليّة. من هنا ندرك ذكاء السُّلطة التي كانت ستغضّ الطّرف عن المسرحيّة لو كُتبت بالإنكليزيّة، أو ربّما ستكتفي برقابة بسيطة، لا أن تُسارع إلى إلغائها واعتقال كاتبيها في سجنٍ مشدَّد. ولكنّ هذا الذّكاء ينحدر إلى غباءٍ هزليّ بعد تسع سنوات حين يصدر أمرٌ عام 1986 بإلقاء القبض على ماتيغاري، الشخصيّة الرئيسة في رواية وا ثيونغو. وحين اكتشفت السُّلطة أنّ ماتيغاري شخصيّة متخيّلة، منعت تداول الكتاب. وبذا يومئ وا ثيونغو إلى أنّ قَدَر الكاتب الأفريقيّ مُعلَّقٌ بلحظات الذكاء والغباء التي تنوس السُّلطة بينهما؛ مصير الكاتب والكتابة مرهونٌ بمزاجيّة سُلطة تسعى جاهدةً إلى إبقاء آثار الكولونياليّة حتّى بعد خروج الاحتلال المباشر، بل ربّما تضاعفها درجات حين يصبح الصراع صراعَ سلطةٍ وشعب، لا صراع احتلال ومقاومة. تريد الكتابة كما يحلو لك؟ اكتب بلغة أجنبيّة لا يفهمها الناس، وإلا سنسحقك. هذا هو خطاب السُّلطات في أفريقيا (ودول كثيرة في آسيا وأميركا الجنوبيّة)، لأنّها تخشى من شيء واحد فقط: وعي الناس لهويّتهم وكينونتهم. أن تكتب بلغتك المحليّة يعني بالضرورة تشجيع الناس على إدراك ذواتهم، وهنا مكمن الخطر.
راديكاليّة أفكار وا ثيونغو ليست محض سياسيّة، إذ يشدّد على نقطة يتناساها معظم المناضلين: المناهج الدراسيّة في المدارس والجامعات. يرى وا ثيونغو أنّ تدريس الأدب ليس عمليّة بريئة، لأنّ حصر التدريس بلغةٍ أجنبيّة وبأعمال أجنبيّة (أوروبيّة على الأخص) يُضاعف اغتراب الأفارقة عن واقعهم ووجودهم. لنا أن نتخيّل أنّ الطفل الأفريقيّ يتعرّف إلى الثّلج قبل أن يعرف نباتات بيئته، ويتحدّث الإنكليزيّة أو الفرنسيّة أو البرتغاليّة بطلاقة ولا يعرف لغته المحليّة، لندرك أنّ مفهوم الاغتراب لا يقتصر على المجالين السياسيّ والاقتصاديّ، بل لعلّ الاغتراب الأخطر هو الاغتراب التعليميّ والثقافيّ. ومن هنا يركّز وا ثيونغو على وجوب رَدْكَلة التّعليم بحيث تكون الأولويّة للأدب المحليّ والأفريقيّ (في القارة وفي المهجر)، ومن ثمّ أدب آسيا وأميركا اللاتينيّة، ومن ثمّ آداب أوروبا وباقي العالم، إذ «على المرء أن يعرف مكان وقوفه حتّى يعرف الاتّجاهات التي عليه خوضها». لنا بالطبع أن نختلف مع وا ثيونغو في تعميمه المجحف أحياناً لكلّ ما هو أجنبيّ، ولتأويلاته الخاصة للآداب الأوروبيّة، ولكن تلك نقاط قابلة للنّقاش ولا تغيّر من جوهر أهميّة طروحاته الجريئة.
تبقى نقطة أخيرة لا بدّ من إيضاحها، حين يشير وا ثيونغو إلى أنّ مقالات الكتاب «يمكن جمعها في سؤال: ما جدوى الأدب في الحياة؟»، وإلى وجوب أن «يعكس الأدب الذي ندرّسه ... ماضي كينيا العظيم الحافل بالصراعات البطوليّة ضد الهيمنة الأجنبيّة». نفهم قصد وا ثيونغو، وقصد منيف، حين يشيران إلى أهميّة أن يكون الأدب «ملتزماً»، ولا تعارض بين كلامهما وبين وجوب التّشديد على جماليّات الأدب. أعمالهما مكتوبة بجمال وبراعة قبل أن تكون ملتزمة، لأنّهما يدركان حتماً أنّ الأفكار وحدها لا تؤسّس لأدبٍ أصيل، إذ سنضيف إلى اغترابنا اغتراباً آخر حين نحوّل الأدب إلى شعارات صرفة. الفكرتان متضافرتان، وإنْ لم يوضحهما وا ثيونغو صراحةً.    



Share:

Friday, January 31, 2020

جوزيف كامبل: عن أساطيرنا وأساطيرهم






في مصادفة جميلة، نشهد استعادةً عربيّة هذا العام لأعمال الباحث الأميركيّ في الميثولوجيا جوزيف كامبل. صدرتْ بالتّزامن تقريباً ترجماتٌ لثلاثة كتب له: «البطل بألف وجه» (منشورات تكوين، ترجمة محمد جمال)، «سُبُل النّعيم» (دار نينوى، ترجمة نور الحريري)، و«أساطير نحيا بها» (دار فواصل، ترجمة أحمد م. أحمد). ستقتصر هذه المراجعة على الكتاب الأخير الذي يعدّه قرّاء كثيرون أفضل مدخل إلى أعمال هذا الباحث الذي كان اسمه (وما يزال) مهيمناً بدرجة كبيرة في حقل باحثي الميثولوجيا منذ خمسينيّات القرن الماضي. لعلّه الأشهر بينهم، ولكنّه ليس الأفضل بالضّرورة، على الأخص في ميثولوجيا حضارات الشّرق التي اعتمد بدرجةٍ كبيرةٍ في التّنظير فيها على أعمال باحثين هنود وصينيّين ويابانيّين لم تُكتَب لهم شهرته. ولكن هذا بحثٌ آخر ليس هذا مكان التفصيل فيه، وإنْ تبدّى لنا شيءٌ منه في كتاب «أساطير نحيا بها».
من بين قرابة خمس وعشرين محاضرة ألقاها كامبل في برنامج «محاضرات منتدى جمعيّة كوبر» الأميركيّ بين عامي 1958 و1971، انتقى الباحث «دزّينة خبّاز» منها، كما يقول الإنكليز: أي ثلاث عشرة محاضرة، دمج اثنتين منها في محاضرة واحدة، ونشر الكتاب عام 1972. العنوان الذي اختاره كامبل فضفاض بعض الشيء، لأنّه لا يُحدّد مُراد الباحث بدقّة، إذ نجد عناوين عديدة يكاد لا يربط بينها رابط باستثناء إيراد بعض الأمثلة الميثولوجيّة فيها. تتناول المحاضرات موضوعات كثيرة: من الدين والأسطورة والعلاقة بينهما، إلى بحثٍ تفصيليّ بعض الشيء في الفروق بين الشرق والغرب، إلى الفن والرسم، وفلسفة الزن، وميثولوجيات الحب والحرب، وصولاً إلى الفصام وغزو الفضاء.
يبدو كامبل في أقصى درجات ثقته وعلمه حين يتحدّث عن الأساطير والملاحم الغربيّة وعن الأعمال الأدبيّة الحديثة التي استُمدّت منها، أكانت «كوميديا» دانتي أو روايات جيمس جويس أو توماس مان. ونتحسّر أحياناً حين لا يُسهب في التّحليل وفي تبيان العلاقة بين تلك الأعمال وبين سياقها الاجتماعيّ والسياسيّ والأخلاقيّ في العالم الغربيّ من الثلاثينيّات إلى الستّينيّات. ولكنّ ذلك الألق يبهت كلّما دنا كامبل من الشرق، إذ يقع في فخّ التّنميط الغربيّ للشّرق، وفي مأزق الانتقاء الاعتباطيّ للأساطير كي تلائم الفكرة التي يودّ معالجتها. ينزع كامبل سياق الميثولوجيات الشرقيّة فيُجرّدها من معناها أو يُغيّره أحياناً، فيما يُبقي سياق الأساطير الغربيّة، على الأخص حين يعقد مقارنات غريبة بين نصوص قديمة وحديثة، ويُعمّم نتائجه لتشمل حضارة أو حضارات بأكملها، كما فعل حينما قارَنَ بين نصوص الأوبنشاد الهنديّة وبين «الكوميديا الإلهيّة» والروايات الغربيّة، كي يصل إلى نتيجة مفادها أنّ الغرب منح الفرد تفرّداً شخصيّاً، بينما الشرق (كلُّ الشرق) لا يتعامل مع الفرد إلا بكونه جزءاً من جماعة، متناسياً أنّ الفاصل الزمنيّ بين طرفي المقارنة يصل إلى 1500 عام أحياناً، ومتجاهلاً أنّ معنى الفرد ومقوّماته وتفرّداته لا تُعطي المعنى ذاته شرقاً وغرباً. ولكنّ هذا كلّه لن يُشكّل فارقاً حين تكون الخُلاصة التي يودّ كامبل الوصول إليها هي أنّ «[حقوق الفرد وحريّته] هي «الشيء الجديد» العظيم حقاً الذي نُمثّله للعالم وذلك ما يُشكّل جهرنا الغربيّ بالمثال الأعلى الإنسانيّ الروحيّ على أكمل وجه، الصحيح إلى أقصى إمكانيّة جنسنا البشريّ». وحينما تنتأ مشكلة تُخرِّب على كامبل نتيجته التّعميميّة فإنّه يلجأ إلى فبركة تقسيم اعتباطيّ للشرق والغرب كي يمنح تناغماً زائفاً لطروحاته. فالخط الفاصل بين الشرق وبين الغرب يشقّ إيران بحيث يكون يمينها شرقاً (الهند والشرق الأقصى)، ويسارها شرقاً آخر ولكنّه بات غرباً (المشرق وأوروبا). وبذا نزع كامبل من حضارات حوض المتوسط شرقيّتها ودمجها بغربٍ مُتخيَّل هو أوروبا التي لم تكن قد ولدت أصلاً حين قامت الحضارات القديمة.
يغفل كامبل عن تقسيمه الاعتباطيّ هذا حين يتورّط بمقارنة بين «سِفْر أيوب» ومسرحيّة «برومثيوس مغلولاً» المنسوبة إلى أسخولوس. بحسب تقسيمه السابق، نحن أمام نصّين متزامنين من ثقافتين «غربيّتين» (مع أنّ اليونان لم تُحسَم غربيّتها أصلاً، عدا عن أنّ «العهد القديم» ليس غربياً)، ولكنّه يُقلِّل من قيمة أيّوب الخانع أمام قوّة يهوه، ويُعلي من شأن برومثيوس الذي تمرّد على زيوس، مشيراً في عبارةٍ هازئة: «واليوم نُسلّم بذلك في قلوبنا، ولو أنّ ألسنتنا تعلّمت أن تلهج سعيدةً بذكر أيّوب». ليس هذا مجال البحث في مدى صحّة تأويل «سِفر أيّوب»، ولكنّ كامبل يتناسى أنّ برومثيوس ليس متمرّداً إلى هذه الدرجة، وأنّ صراعه مع زيوس محضُ نزاع بين آلهة وأنصاف آلهة، لا معنى لمقارنته مع «نزاع» بين آلهة وبشر. ولكنّنا سنفهم هذه التحيّزات الكامبليّة لأنّ كامبل (وهذا يدعو للصّدمة من باحث في الميثولوجيا) يتعامل مع الميثولوجيا بوصفها خرافات، لا بوصفها محاولات لعقلنة اللاعقلانيّ؛ عدا عن أهوائه الرافضة للدين والتي تؤثّر سلباً على فهمه للأساطير ولتأويله لها. بالمقارنة، لن نجد هذا الاستخفاف لدى الرعيل الأول من باحثي الميثولوجيا في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، مثل فردرش ماكس مولر، حيث كان انفتاحهم الدينيّ وسيلةً لفهمٍ أعمق لتلك الميثولوجيات الشرقيّة، حين كانوا يبحثون عن المشترك بين الميثولوجيات بغية استيعاب الفوارق.
وبالمقابل، وبسبب جهل كامبل باللغات الشرقيّة وبتنوّع فلسفاتها (يتحدّث كامبل عن هندوسيّة واحدة وعن بوذيّة واحدة طامساً الفروق الهائلة بين المدارس الفلسفيّة/الدينيّة الكثيرة)، سنجد أنّ أضعف فصلين من فصول الكتاب هما الفصلان المتّصلان بالشّرق اتّصالاً تاماً: «إلهام الفن الشرقيّ»، و«الزن»، وهما مجالان تخصّصيان برع فيهما خبيران شرقيّان لم ينالا شهرة كامبل لأسباب كثيرة: د. ت. سوزوكي في فلسفة الزن، وأناندا كوماراسوامي في الفنّ الهنديّ. ومن هنا بالذات، ندرك أهميّة ترجمة الأعمال التي كتبها أبناء تلك الحضارات لأنّهم أدرى بشؤون فلسفاتهم، على أهميّة طروحات مرتشيا إلياده وجوزيف كامبل وغيرهما من الخبراء الغربيّين. كتاب «أساطير نحيا بها» كتاب هام يستحق الترجمة والقراءة بلا شك، إذ يقدّم طروحات عديدة بعضها لم يُقدَّم بالعربيّة من قبل عن الأسطورة ومعناها ودورها في الحياة. ولكنّه – مثل معظم الكتب الغربيّة – لا يخلو من تحيّزات وأفكار مغلوطة عن ثقافات وحضارات لاقتْ تنميطات وتعميمات برغم تنوّعها الهائل وبرغم التّباين الشّاسع، والتّعارض أحياناً، بين فلسفاتها.

Share:

Monday, December 23, 2019

محمد شحرور: إصلاح أم تجميل ديني؟






ربما لا يمكن إنكار أنّ ظاهرة محمد شحرور كانت إحدى أهم الزلازل التي أسهمت في تحريك مياه المشاريع الفكريّة الدينيّة خلال العقدين الآخرين. ولعل السبب الأكبر في بروز هذا الزلزال هو أنّ شحرور لم يأت من البوابة الفقهيّة التقليديّة، أي من الأكاديميا الدينيّة أو حتى المنابر الفقهيّة التقليديّة. كانت الرياضيات هي النافذة التي أطل منها شحرور لتقديم تأويل جديد كلياً لأكبر قضية فقهية إشكاليّة، هي علم المواريث؛ لينتقل منها إلى تقديم مشروع إسلامي شديد البعد عن التأويلات الفقهية التراثية والتقليدية. كان هذا المشروع عصياً على التصنيف: إنّه مشروع «هدّام» بحسب منتقديه، ومشروع «متنوّر» بحسب مناصريه، ولكنه، دون أدنى شك، أحد أهم المشاريع الإسلاميّة الإشكالية المعاصرة.
ليس ثمة طرح جديد في أحدث كتب محمد شحرور «الإسلام: الأصل والصورة» (طوى للثقافة والنشر)، بل إن هذا الكتاب يبدو أشبه بتلخيص لأفكار شحرور السابقة. الكتاب مجموعة محاضرات ومقالات مستعادة تتناول مواضيع متشعّبة من فلسفة قصة الخلق والروح، إلى التمييز بين الإسلام والإيمان والرسالات، وانتهاء بالقسم المتعلق بمسألة المرأة في الإسلام في قضيتين مهمتين هما مفهوم «القوامة» و«التعددية الزوجية». تندرج جميع فصول الكتاب تحت عنوان عريض هو الإصلاح الديني، الذي يمكن لنا أن نلخص عبره أفكار شحرور المستعادة.
يؤكد الكاتب بأنّ ما نحتاجه اليوم هو الإصلاح الفكري والثقافي، ومن ضمنه الإصلاح الديني، وهو أحق بالأولوية من الإصلاح السياسي، وبأن غياب الوعي بمفاهيم الحرية والعدالة (وهو يؤكد بأن الإسلام خلا من أي تأكيد على مفهوم الحرية، إلا بما يخص مفهوم «الرق» الأقرب لمعنى العدالة لا الحرية) ووضع الدين في خدمة السياسة هو السبب الأكبر في ظهور الحركات المتطرّفة. كما يؤكد على أنّ أول ما تحتاج إليه الحركات الإسلامية هو إعادة النظر في مرجعياتها لأن الأحكام تتغير بتغيّر الأزمان، وبالتالي ينبغي التأسيس لـ «قواعد فقهية معاصرة».
ولكن، بعيداً عن اليافطة المغرية لهذا العنوان (المغرية للكتّاب «العلمانيّين» المناصرين لأفكار شحرور بشكل خاص)، لا يبدو بأنّ هذا المشروع يبتعد كثيراً عن جوهر الفكر الديني. ليس الدين هو مصدر الإشكاليّة، بل هو التطبيق والتأويل الخاطئان له. هذه هي العبارة التي يمكننا فيها إيجاز جميع الأفكار الدينيّة «الإصلاحيّة»، بما فيها مشروع محمد شحرور. بالطبع، لا يمكن لنا أن ننكر جرأة هذه الأفكار أو عقلانيتها (بخاصة ما يتعلق بقضيّة المرأة في الإسلام) ولكن يبدو بأنّ الفارق الوحيد الذي يميّزها عن الأفكار الأخرى هو أنّ شحرور يستند إلى خلفيّته المعرفية غير الدينية كمصدر قوة، تاركاً معظم منتقديه في الطرف الآخر من المعادلة بوصفهم «رجال دين»، دون أن يعلم بأنّ هذا التصنيف بذاته هو المصدر الأهم لهشاشة جميع هذه المشاريع الدينيّة؛ إذ إن اعتماد الكاتب على التقسيم الحاد بين «رجال الكهنوت» (التقليديّين التراثيين بالضرورة)، و«رجال العلم» (المتنوّرين والعقلانيّين) ليس سوى وسيلة لتقوية أطروحته الأساسية القائمة على ثنائية الأصل والصورة. ولكن، فعلياً، فإنّ أفكار شحرور بذاتها هي «صورة» أخرى لما يظنّ هو بأنه «الأصل». القضية عند شحرور، وعند جميع «الإسلاميين الإصلاحيين» هي أنّ شكلاً جديداً للإسلام سيؤدي بالضرورة إلى إدخاله ضمن آليات العصر الحالي، وبأنّ هذا الشكل هو إصلاحي لا ثوريّ؛ أي إنّ مقدار هذا «الإصلاح» لن يتعدّى التفاصيل أو الأفكار الثانوية للفقه الإسلامي وتشريعاته، ولا يجوز التشكيك بجوهر هذا الفقه أو أفكاره الأساسية.
ليس ثمة فارق بين طروحات من يصفهم شحرور نفسه بكونهم «تراثيين» وبين طروحاته بذاتها، بل هي مجرد صياغة ورتوش مختلفة للفكرة نفسها. إنّ الدين لديهم ليس مجرد مكوّن من مكوّنات الهويّة والحياة لدى سكّان هذه المنطقة التي سكنها الإسلام، بل هو «المكوّن الأساسيّ للثقافة والمحرك الأساسي للسلوك». ولهذا، يشدد شحرور على «استحالة إحداث إصلاحات يتم فيها استبعاد العامل الديني أو تحييده، كما حصل في الغرب، وأن بالإمكان إقناع الناس بأن حاجتهم إلى برلمانات وتعددية حزبية وصحافة أكبر من حاجتهم إلى مجالس للإفتاء». إذاً، لا فارق جوهرياً بين المشاريع الإسلامية «المعتدلة» أو المتطرفة، فالفكرة المحورية واحدة. وإنّ غياب المصطلحات «السلفية» (مثل «حاكمية الله» أو «الإسلام هو الحل») لا يعني عدم وجودها الفعليّ، بل هي موجودة ضمن قالب آخر يبدو أكثر «حداثة» و«معاصرة».
الإسلام هو الحل، ولكن ليس ذلك الإسلام التراثي التقليدي. هذه هي الفكرة الفعليّة لمشروع محمد شحرور، برغم تخفّيها ضمن أقنعة متعددة، بصرف النظر عن مدى جرأة الطروحات المتعلقة بتفاصيل فقهيّة محددة. إذ ما معنى التركيز الدائم على إدراج العام 1923، بوصفه «عام سقوط الخلافة»، إن لم يكن القصد من ذك الإشارة إلى مشروع دينيّ لبناء دولة أخفق أو ضل طريقه أو أخطأ في الوسائل؟ وما معنى التشديد على تفسير أوحد لقضية اختلاف الإصلاح الديني بين الغرب والشرق، إن لم يكن القصد هو الوصول إلى النتيجة القائلة إنّ مجتمعاتنا لا تحتاج فصل الدين عن الدولة (وهي نتيجة يتشارك فيها شحرور مع محمد عابد الجابري وحسن حنفي، وإن اختلفت الصياغة). وأخيراً، ما معنى الإشارة إلى وجود «حدود عليا» و«حدود دنيا» في تفسير القضية الإشكالية للحدود الإسلامية في مسائل قطع اليد والربا، إن لم يكن القصد هو التأكيد على «سماحة» الدين الذي يسمح بتفسيرات متعددة تختلف باختلاف الأزمنة؟ ولا بد من الإشارة، أخيراً، إلى أنّ القضية الأخيرة بالذات بدت بمثابة ارتداد لمحمد شحرور عن أفكاره القديمة، إذ كان في كتبه السابقة أشد صرامة في التأكيد على أن التفسير الحالي لمسائل الحدود الإسلامية خاطئ بالمطلق، بينما أعاد صياغة أفكاره في هذا الكتاب، بحيث سمح بإدراج هذه التفسيرات بوصفها اجتهادات فقهية يمكننا انتقاء الأنسب بينها.

نُشرت في جريدة «الأخبار» 1/8/2014
      


Share:

Tuesday, December 17, 2019

ترنيمة الخلق - الرگڨدا




اللاوجودُ ما كانَ ولا الوجودُ:
لا الفضاءُ كانَ، ولا السّماءُ التي فوقه.
ما الذي خفي؟ وأين؟ وبرعايةِ مَنْ؟
وهل كانت مياهٌ عميقةُ الغور؟

الموتُ ما كانَ ولا الخلودُ؛
لا أمارةَ لليلٍ أو نهار.
بقوّته الكامنة نفخ الأحدُ بلا ريحٍ:
ما كان شيءٌ موجودًا إلّاه.

في البدء كانت الظُّلمةُ مسجّاةً بظُلمةٍ؛
بلا أماراتٍ ظاهرة، كان الكلُّ ماءً.
من العدمِ المكتنفِ ظهرَ
الأحدُ بقوّةِ الحرارةِ كان.

في البدءِ كانت الرّغبةُ في الأحدِ:
كانت البذرةَ الأولى، نتاجَ الفكرِ.
الحكماءُ بحثوا في قلوبهم بحكمةٍ
وأدركوا صلةَ الوجودِ في اللاوجود.

بصيصُهم نشرَ النُّور في الظّلمة:
ولكن هل كانَ الأحدُ أعلى أم أسفل؟
كانتْ قوّةُ الخلقِ، وقوّةُ الخصوبة:
الطّاقة في الأسفل، وفي الأعلى الحافزُ.

من يعرفُ يقينًا؟ ومَنْ سيُصرّح هنا؟
من أين نشأ الخلقُ، ومن أين كان؟
ولدَ الآلهةُ بعد خلقِ العالمِ:
فمَنْ يعلم من أين نشأ؟

لا أحد يعلم من أين الخلقُ نشأ؛
وما إذا كانَ الأحدُ قد خلقه أم لا:
ذاكَ الذي يرقُبُه من عليائه،
هو وحدهُ يعلم – ولعلّه هو أيضًا لا يعلم.
*****

* عن الترجمة الإنگليزيّة لـ آرثر أ. مكدونِلْ


Share:

Friday, December 13, 2019

سعود السنعوسي: كيف تضرب كفاً بكف!






ثمة إغراء كبير في الكتابة عن سعود السنعوسي: خمس روايات في تسع سنوات؛ أصغر الفائزين سنًا بجائزة «بوكر العربيّة»؛ أحد أكثر الكتّاب العرب رواجًا؛ تُرجمت رواياته إلى ما يقارب عشرين لغة. تلك هي «الوقائع» التي يتّفق عليها الجميع، فيما يبدأ الاختلاف في كلّ ما عدا هذا. هل يكتب السنعوسي روايات حقًا؟ هل يتوازى حضوره الجماهيريّ مع مستواه الفنيّ؟ هل ثمّة مجال أصلاً للحديث عن «تجربة» كتابيّة لديه؟ والسؤال الأهم: لماذا سعود السنعوسي؟ إجابة السؤال الأخير تُريحنا من تفاصيل كثيرة؛ السنعوسي أبرز مثال عن كتّاب الجوائز: الكتّاب الذين يكتبون ضمن وصفة محددة لا يريدون (ولا يقدرون في الغالب) تجاوزها: روايات ليست أكثر من حواديت تشبه حكايات الجدّات من دون أن تملك سحرها. الحكاية هي القصة التي تضمّ حدّوتة بسيطة تنشغل غالبًا بوجوب إيجاد «مغزى» لها بلا اكتراث لأهميّة الأسلوب أو التنويع أو تقديم ما هو أكثر من المتعة. الحكاية هي الإجابة الأمثل على سؤال «ماذا حدث؟». الحكاية قابلة للتّلخيص في عدة أسطر من دون الإخلال بأيّ جزء من أجزائها. ماذا عن الرواية؟ الرواية في مكان آخر تمامًا؛ الرواية ليست معنيّة بالحدّوتة، أو المغزى، أو المتعة حتّى (هي شرط ليس لازماً بالضرورة)؛ الرواية غير قابلة للتلخيص في أسطر أو مقالة أو كتاب؛ الرواية لا تنشغل بسؤال «ماذا حدث؟» بل بسؤال «لماذا وكيف حدث ما حدث؟». الرواية عالم بأكمله، بينما الحكاية تفصيل بسيط عابر ضمن هذا العالم؛ الرواية تعني بالضّرورة وجود أسلوب وتنويع وبصمة تميّزها عمّا غيرها. لا تحقّق أعمال السنعوسي أيّ شرط من شروط الرواية، ومع ذلك هو من الكتّاب القليلين الذين يتّفق بشأنهم معظم القرّاء والنقّاد. مرةً أخرى، السنعوسي مثال عن حالة مستعصية في المشهد الأدبيّ العربيّ لا تُبشّر بنهاية قريبة.
تنطلق أحدث روايات السنعوسي «ناقةُ صالحة» (الدار العربيّة للعلوم، منشورات ضفاف) من الحدوتة وتنتهي بها، بل إنّها أدقّ مثال – من بين أعماله – عن هذا النمط الكتابيّ. سأكسب مئتي كلمة أو أكثر لو لخّصتُ الكتاب، كما درجتْ عادة المراجعات الأدبيّة هذه الأيام. ولكن فلنستثمر الكلمات في ما هو أجدى، ويمكن لمن يريد ملخّص الحكاية (أو الحكاية كلّها فعليًا) أن يعود إلى أيّة مراجعة للكتاب في موقع «غودردز» أو أيّ منبر آخر. ولكن سأؤجّل الحديث عن الكتاب قليلًا لأناقش أصداءه لدى الكاتب وجمهوره. يرفض السنعوسي عدَّ عمله «رواية صحراويّة»، ويقول مُحقًا إنّ هذا التصنيف سيعني عدَّ الرواية التي يرد فيها البحر رواية بحريّة. ولكنّ رفضه ليس صحيحًا تمامًا لأنّنا لو استثنينا الصحراء (فضاء حكايته) لن يبقى لدينا حامل للعمل. ولكنّ السنعوسي يدرك بذكاء أنّ إدخال الصحراء في التقييم سيعني بالضرورة مقارنة عمله بأعمال كتّاب آخرين كتبوا عن الصحراء، وستكون المقارنة في غير صالحه حتمًا، سواء كان طرف المقارنة الثاني عبد الرحمن منيف أو إبراهيم الكوني أو بهاء طاهر أو صبري موسى أو عبد الله البصيص، على اختلاف رؤية كلٍّ منهم للصحراء. يتحدث السنعوسي عن «رمزيّة» في العمل وعن «نزع الأسطرة»، وهما مسألتان مهمّتان فعلًا، ولكن أين الرمزيّة التي يقصدها، إن كانت شخصيّات العمل وهواجسها وأفكارها قد انكشفت قبل نهاية النصف الأول من العمل القصير أساسًا؟ ولكنّه نجح في نزع الأسطرة، وليته لم يفعل! إذ لم يتبقّ لدينا إلا حكاية باهتة مكرورة لا يشفع لها مدى حضورها الفولكلوريّ أو مدى التاريخ الجديد الذي حاول السنعوسي تأثيث حدوتته به، أو جمال الاقتباسات من الشاعر دخيل الخليفة التي قدّم بها السنعوسي لفصول حكايته. إنْ كانت هناك رمزيّة فسنجدها في الاقتباسات الشعريّة لا في متن الحكاية. وإنْ كانت هناك جماليّات، فقد ضاعت حينما لوى السنعوسي عنق حكايته، وبقيت الجماليّات في ما لم يكتب. لا أعني هنا تلك الجماليّات التي توحي بها النّصوص ولا تُصرّح بها حين نتحدّث عن تكثيف لا يتقنه كثيرون، لأنّ حكاية السنعوسي لن تخرج بصيغة أفضل مما خرجت به إذ لا يملك كاتبها أدوات التّكثيف أو العمق. بقيت الجماليات في ما لم يكتب لأنّه – ببساطة – لا يتقن فنّ الكتابة والحذف، فأضاع على نفسه وعلينا فرصة إعادة خلق حكاية فولكلوريّة في قالبٍ جديد. ربّما كانت نيّة الكاتب أو صورة عمله في ذهنه أجمل مما أنتج، ولكن منذ متى نتحدّث عن نيّات في الأدب؟
شخوص مسطّحة، وحكاية باهتة. فلنتّجه إلى آخر ملجأين قد يشفعان لإخفاق الكاتب: اللغة والأسلوب. احتفى كثيرون ببهاء لغة السنعوسي في عمله الجديد، بل وصل الأمر ببعضهم إلى الحديث عن لجوئهم إلى المعجمات ليكتشفوا الكلمات التي قدّمها السنعوسي في عمله. لا أعلم مدى معرفة هؤلاء القرّاء والنقّاد باللغة العربيّة، ولكن لم أُصادف كلمة غريبة أو جديدة أثناء القراءة. ولا أعلم عن أيّ جمال يتحدّثون لأنّ اللغة لا تبتعد عن لغة المواضيع الإنشائيّة المدرسيّة وعن لغة روايات الخمسينيّات والستينيّات التي تتوسّل الشعريّة ولا تكون النتيجة إلا لغةً مزركشةً مضحكة. ولكن ربما كانت محاولة كسر السرد التّقليديّ ستشفع للسنعوسي حين وزّع الحكاية بين عدة أصوات: الراوي العليم، ودخيل، وصالحة. كانت المحاولة ستنجح لو كانت الأصوات مختلفة في تعددّها، ولكنّ لغة الراوي العليم (لسان المؤلّف) وأسلوبه وأفكاره لا تختلف عن لغة دخيل، أو لغة صالحة، ويمكن لنا أن نجرّب حذف الاسم الذي يتصدّر كل فصل لنجد أنّ المفردات لم تتغير، وأنّ المتحدّث واحد. تعدديّة الأصوات تعني بالضرورة وجود بصمةٍ تُميّز كلّ صوت عن الآخر، وهذا ما لم نجده هنا. أما المحاولة الأخيرة في إبقاء صفحةٍ بيضاء لفصل «فالح»، فهي محاولة تذاكٍ غير موفّقة، وكذا الأمر في «الملحق» الأخير الذي أراد منه السنعوسي أن يعزّز فكرة الإيهام، ولكنّ المحاولة أخفقت بجدارة إلا لدى القارئ الذي لم يقرأ إلا روايات السنعوسي ربما.
لا محكّ للعمل الفنيّ إلا الزمن. ولذا سيبقى سحر الحكاية الفولكلوريّة – على بساطتها – موجودًا حين يتلاشى أيّ أثر لحكاية السنعوسي. ولكنّ الذهنيّة المهيمنة اليوم لدى محكّمي الجوائز منشغلةٌ بما هو زائل؛ ويتعاظم الأمر شيئًا فشيئًا حين بات الناشرون يحدّدون ويحرّرون أعمال الكتّاب وفقًا لمزاج الجوائز. من حقّ كلّ شخص أن يكتب وأن ينشر وأن يُروَّج له. ستروج الحكاية وتنزوي الروايات في هامشٍ لا يعترف به النقّاد والمحكّمون. ولكن من قال إنّ الهامش ليس المكان الأجمل حين يكون المتن طافحًا بالرداءة؟

Share: