Showing posts with label نقد. Show all posts
Showing posts with label نقد. Show all posts

Friday, January 22, 2021

أن نبقى، لا أن نعود: منيف و«لوعة الغياب»

 


 

بعد أن فرغ عبد الرحمن منيف من روايته الأخيرة «أرض السّواد» (1999)، اتّجه إلى جنس كتابيّ آخر: المقالة. كانت تلك المرحلة أشبه باستراحة بعد الجهد الهائل الذي بذله في كتابة «أرض السّواد» وما سبقها من روايات. كان منيف قد أصدر عام 1991 كتاب «الكاتب والمنفى»، ولكنّ ذلك الكتاب - على أهميّته العظيمة - كان تجميعاً لحواراته، فيما كانت المرحلة الجديدة مختلفة، وكانت أولى ثمارها كتاب «بين الثقافة والسياسة» (1999) الذي بدا أقرب إلى مفتاح للحياة المزدوجة التي عاشها منيف: السياسيّ السابق والروائيّ الحاليّ. ولعلّ هذا المفتاح لم يكن ليظهر لولا انغماس منيف مع سعد الله ونّوس وفيصل درّاج في سلسلة «قضايا وشهادات» التي كانت المعبّر الأكبر والأفضل عن الدور المزدوج للكاتب في الفضاء العام. ومن ثمّ اتّجه منيف إلى زاوية مهملة في الكتابة العربيّة: الكتابة النظريّة في الرواية وعنها. كانت الكتابة النظريّة، وما زالت إلى حدّ كبير، حكراً على النقّاد، إذ يفضّل الكتّاب الإبداعيّون النأي بأنفسهم عن التحدّث عن «مطبخ الكتابة»، والتفرّغ للكتابة الإبداعيّة في ذاتها. لم يطرح منيف نفسه ناقداً، بل فضَّل البقاء على الحافّة، بحيث كانت تجربته النقديّة النظريّة مُستمدَّةً من تجربته الإبداعيّة، كي يمنحنا عام 2001 ثلاثة كتب تبدو أقرب إلى ثلاثيّة متكاملة: «رحلة ضوء»، الكتاب الأبرز الذي طرح فيه منيف رؤيته الشخصيّة للكتابة، وللرواية على الأخص، «ذاكرة للمستقبل» الذي يبدو قريباً من «بين الثقافة والسياسة» مع تركيز أكبر على التاريخ بوصفه «ذاكرة إضافيّة للإنسان» على حدّ تعبيره الأثير، «لوعة الغياب» الذي لا يشبه أيّ كتابٍ من كتب منيف، ولا أحسب أنّ له مثيلاً في العربيّة، حديثاً على الأقل.

ينطلق كتاب «لوعة الغياب» من الموت، ثيمةً وتأسيساً لكتابة تنوس بين النّقد والذاكرة، بين الموضوعيّ والذاتيّ. ينطلق الكتاب من عنوانه البديع، إذ يشير منيف إلى أنّه استعار الكلمة الأولى من ديوان «لوعة الشّمس» لجبرا إبراهيم جبرا، فيما استعار الكلمة الثانية من القاموس البدويّ، حيث يستخدم البدو كلمة «الغياب» لا بمعنى التّلاشي، بل للدلالة على الغروب الذي سيتبعه شروق حتماً. الغياب هنا، وإنْ كان موتاً، غياب موقّت تُخلَق منه حياة جديدة، حين يشدّد منيف على أهميّة «المراكمة الإيجابيّة»، أي استثمار الموت بهدف قراءة موضوعيّة لتجربة من رحلوا كي نؤسّس عليها بناءً جديداً للجيل اللاحق؛ ذاكرة تتراكم لتبني، لا أن تكون محض فرصة للرثاء العابر الذي ينتهي بانتهاء مناسبته. وبذا لا يبتعد منيف من الفكرة الجوهريّة التي تقوم عليها أعماله كلّها تقريباً: سباق التّتابع، حيث يُسلِّم كلّ جيل أو كلّ شخصيّة اللواءَ للجيل أو الشخصيّة اللاحقة، كي تستمرّ دورة الحياة حتّى لو تخلَّلها موت عابر. ينتقي منيف هنا 26 شخصيّة أدبيّة وثقافيّة ارتبطت بالموت، إما حرفياً حين رحلت تلك الشخصيّات فكتبَ عنها منيف دراسات مهمّة، أو مجازاً في الاستثناء الوحيد الذي مثَّله حليم بركات، حيث كان عمله لا شخصيّته، هو المرتبط بالموت، في رواية/سيرة «طائر الحوم» (أما المقال السريع عن الذكرى التسعين لميلاد نجيب محفوظ فأُضيف لاحقاً). انتقاء الشخصيّات مرتبطٌ بذائقة منيف، إذ يشير إلى هذا صراحةً في مقدّمته للكتاب. سيفترض وجود الذائقة اختلافاً ضرورياً حيال مدى أهميّة أحكام منيف التي أسبغها على هؤلاء الكتّاب، إذ قد نتّفق أو نختلف بشأن الاحتفاء المبالغ به بشأن نزار قبّاني مثلاً، أو بشأن التّفاوت في عدد الصفحات المكرَّسة لكلّ شخصيّة من الشخصيّات. لا حلّ بشأن معضلة نزار، ولكنّ المعضلة الثانية مرتبطة برحيل منيف نفسه، إذ أضاف الناشر 12 أو 13 شخصيّة لم تكن في الطبعة الأصليّة للكتاب في حياة منيف (2001)، بحيث بدا الفارق واضحاً بين الرثائيّات السريعة لتلك الشخصيّات، وبين الدراسات العميقة المكرَّسة للشخصيّات الأربع عشرة الأولى.

ولكن فلنبق في ما نحن متّفقون عليه، أي الدراسات الأربع عشرة الأولى في الكتاب، حيث يمنحنا منيف دراسات عميقة ومهمة وفريدة تنتقل بسلاسة بين الثقافة، والأدب، والنقد، والذاكرة، والتاريخ. ولعلّ أهمّ دراستين في الكتاب هما الدراستان اللتان كرّسهما منيف لسعد الله ونّوس ولغائب طعمة فرمان، يمزج منيف فيهما ببراعة جميلة بين الذاتي والموضوعيّ، ليقدّم لنا جنساً أدبياً غير معترف فيه عربياً بكل أسف، إذ تندرج القراءات النّقديّة العربيّة بين تصنيفين  منفصلين بينهما هوّة كبيرة لا سبيل إلى رتقها: كتابة نظريّة جافّة منفّرة كما في الغالب الأعم من القراءات النقدّية، أو كتابة ذاتيّة تبدأ وتنتهي بالعلاقة الشخصيّة التي تربط الكاتب بالشخصيّة التي يكتب عنها من دون أدنى مسافة موضوعيّة، بحيث تتحوّل إلى احتفاء مجانيّ لا قيمة له بعد انتهاء مناسبته. يكتب منيف انطلاقاً من تجربته الشخصيّة، ولكنّه يوسّع آفاق تلك الكتابة لتسليط أضواء مهمّة على الجوانب المهملة من حيوات الشخصيّات موضوع الدراسة. تتحوّل رسائل غائب طعمة فرمان الشخصيّة إلى وثائق فريدة لنفهم شخصيّة فرمان وأعماله أكثر، على الأخص من ناحية التأثير المتبادل بين فرمان والمنفى الطويل والبعيد الذي أقصاه عن بغداد. وتتحوّل تجربة منيف الشخصيّة في مشاهدة مسرحيّة ونّوس «حفلة سمر من أجل 5 حزيران» إلى نقطة انطلاق يُعمِّق فيها منيف دراسة علاقة ونّوس بالتّاريخ وبالسُّلطة، مع تركيز خاص على مسرحيّة «منمنمات تاريخيّة» وكتاب «عن الذاكرة والموت». وتتحوّل ذكريات منيف الشخصيّة مع جبرا إلى تحليلٍ دقيقٍ لبغداد الخمسينيّات بكلّ تيّاراتها السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة. على أن ذلك التّلاقي البديع بين الذاتيّ والموضوعيّ يصل إلى أقصى درجات اللوعة حين يتحدّث منيف عن حسين مروّة، لينطلق من سؤال مروّة العابر عن شخصيّة متعب الهذّال في رواية «التّيه» (الجزء الأول من خماسيّة «مدن الملح») بشأن الفارق بين العودة والبقاء، ليتحوّل مروّة إلى تجسُّد آخر من تجسّدات متعب الهذّال، أو العكس بالعكس، ويوغل منيف في تشريح معنى القتل ومعنى الحرب الأهليّة ومعنى غسيل العقول الذي يُنتج قتلةً بمقابل تنوير العقول الذي ينتج أجيالاً جديدة. ولكن يبقى سؤال مروّة ومنيف صادحاً: هل المهم أن نعود أم أن نبقى؟ لا نعلم النّتاج الذي كان منيف سيقدّمه لنا لو عاش هذه السنوات السبع عشرة التي تفصلنا اليوم عن رحيله. كان قد باح لمروان قصّاب باشي بأنّه لن يعاود كتابة رواية طويلة بعد «أرض السّواد»، ولكنّه قال العبارة ذاتها بعد «مدن الملح». ليس هذا مهماً، ولا فائدة من التحسّر. منيف لن يعود، ولكنّه سيبقى. هذا هو المهم.

 

 


Share:

Saturday, May 16, 2020

سعد الله ونوس: ذاكرة أقوى من الموت



لا نعلم سر سعد الله ونّوس الذي أفضى به إلى قلب كيمياء مسرحه كلّها خلال فترة صمته الموجزة الثانية (1990-1993) التي أنتج بعدها أعظم مسرحيّاته. وحتّى تلك المسرحيّات السّبع الأهم متباينة في ما بينها بدرجة مدهشة، ولكن لا بدّ من قاسم مشترك بينها حتمًا. ستختلف الإجابات باختلاف القراءات والتأويلات، ولكن لعل أهمّ سبب في هذه المرحلة الأخيرة الفاتنة هو أنّ ونّوس سمح لذاته بالتسلّل في دفعات متزايدة، سمح لذاكرته أن تنحت مسارًا لها داخل المسرحيّات. الجميل في الأمر هو أنّ ذات ونّوس كانت سرديّة لا مسرحيّة. تنامت جرعة السّرد بالتدريج لتحفر مسارًا تجريبيًا غاب عن أعماله الأولى، وأُلمح إليه إلماحًا طفيفًا في «الاغتصاب» (1989). تجريب فنيّ يتداخل فيه الدراميّ بالسرديّ بحيث لا تقتصر مهمّة السّرد بكونه مجرّد «جوقة» للتّعقيب والتّفسير، بل دخل السرد إلى جسد المسرحيّة نفسها: صارت الشّخوص تُعبّر عن أنفسها أكثر ببوح مونولوغيّ يصل أحيانًا إلى صفحتين أو ثلاث، وتشظّت الفصول والمشاهد التّقليديّة إلى منمنمات وتفاصيل بحيث بتنا أقرب إلى موزاييك أو مونتاج مسرحيّ لم يكن الشّكل القديم لمسرحيّاته الأولى يسمح به. اكتشفنا في التقاطاتٍ سريعةٍ ونّوس السّارد الذي كانت أعماله الأخيرة تعد بحضور أقوى للسرد، وهذا ما فعله حقًا حين فاجأنا بكتابه البديع «عن الذاكرة والموت» (1996)، وهو أحد أجمل الكتب السرديّة العربيّة.
كتاب «عن الذاكرة والموت» عصيّ على التصنيف كما هي حال مسرحيّاته الأخيرة وأكثر. يضع ونّوس على الغلاف تصنيفًا محايدًا: «نصوص»، ثم نجد الكتاب مقسومًا إلى قسمين: «نصوص قديمة ومهملة» أقرب إلى القصص القصيرة من دون أن ينطبق عليها التّعريف بدقّة؛ و«نصوص جديدة» فيها نص واضح هو مسرحيّة «بلاد أضيق من الحب»، ونصان/متاهتان قريبان من السيرة الذاتيّة وبعيدان منها في آن: «ذاكرة النبوءات» أقرب إلى اليوميات، ولكنّ نص «رحلة في مجاهل موت عابر» لا مثيل له عربيًا (ربّما نتذكّر هنا كتب حسين البرغوثي بوصفها أقرب مثال مشابه): يوميات، تأملات، پاروديا، نص ميثولوجيّ قصير، ونص دراميّ يكاد يكون مسرحيّة، أحلام، كوابيس، ونصوص قصيرة قريبة من جوّ القسم الأول من الكتاب، ولكنّها موحّدة في ثيمة واحدة: الذباب. يشير ونّوس هنا بين الهزل والجد إلى أنّه يودّ لو أدخلَ نصوص الذّباب في قسم (بعنوان «ذبابيّات») في المجلد النظريّ من أعماله الكاملة، ولكنّه فضَّلَ تركها في كتابه السرديّ، وأدخلها ببراعة بحيث نجدها حلقةً من حلقات تأمّلاته الهذيانيّة بفعل آثار الجرعة الكيميائيّة التي كادت تودي به، ولكنّها أكثر بكثير من مجرّد هذيانات.
يتكون كرّاس «ذبابيّات» من نصين/قصتين، يليه تداعيات ذاكرة وتأملات في عالم الذباب، ويختتمه بملحق عن علاقة الذباب بالإنسان، أو بالأحرى مظاهر علاقات الذباب بالإنسان وهي كثيرة حقًا. يلفتنا في النصوص الذبابيّة كلّها تكرار ونّوس لعبارة «لم أكن أعلم» التي توحي بندم لأنّه فوّت فرصة تأمّل هذا المخلوق العجيب، وتوحي من جهة أخرى بخيبته من مدى ضحالة معرفة الإنسان وضآلة وجوده. يروي ونّوس في نص «الذبابة الجائعة» قصة يوم واحد من حياة ذبابة، وكأنّه يكتب پاروديا للأعمال المسرحيّة الملتزمة بضوابط الوحدات الأرسطويّة الثلاث. يوم واحد لا يعني الكثير في حياة البشر إلا لو رواها سوفوكليس أو جويس، ولكنّه عالمٌ بأكمله بالنّسبة إلى ذبابة وحيدة جائعة تخوض مغامرتها الوجوديّة: «كانت الغرفة واسعة كالعالم. ... كان كل شيء عجيبًا ومدهشًا في الوقت نفسه. وإلى حزنها انضافت رعشة الرعب». رعب بسبب الإنسان طبعًا الذي لا يترك لها فرصةً للتأمل ويسحقها لتسقط على الأرض وينتهي وجودها من دون أن تكون قد عرفت شيئًا. هذا الجوّ الوجوديّ ليس بعيدًا من جوّ مسرحيّاته الأولى، ولكنّ النص الثاني «بعد ظهر دمشقيّ» يبدو بمثابة صلة وصل عجيبة بين العالم الوجوديّ القديم وعالم المسرحيّات الجديدة. الفارق هو أنّنا نتابع بعيني ذبابة تراقب مضاجعة رتيبة في ظهيرة رتيبة في مدينة رتيبة: «تطير الذبابة، وتحط على المصباح الكهربائيّ المتدلّي من السقف. تنظر من أعلى. ترتفع إليتا الرجل. تهويان. تشعر الذبابة بالتقزّز والحزن». تنتهي القصة فنشعر بخواء هائل، يمتزج بأسى حين يواصل ونّوس تأملاته في الفروق بين المضاجعة (التسافد؟) البشريّة وبين العمليّة الجنسيّة لذى الذّباب التي يمكن لعبارة «ممارسة الحب» الباهتة - التي نتحايل بها على الرقابة كيلا نسمّي الجنس جنسًا -  أن تنطبق على الذّباب ولكن ببعد جماليّ رهيف يقصد الحب في ذاته، لا بكونه مجازًا. يفاجئنا ونّوس باستخدام مفردات صوفيّة، وكأنّ الحب والجنس عند الذباب وَجْدٌ، لا محض ممارسة ميكانيكيّة: «حين يلتحم ذكر الذباب بأنثاه، يبدو وكأنّهما دخلا حالة من الوجد الغامض، وقررا ألا ينفصلا ما دامت فيهما قوة أو حياة. ... كان ينبغي أن أكبر، وأن أفشل في الحب مرات عديدة، كي أكتشف أنّ الإنسان يفتقر كثيرًا إلى الحساسيّة والجمال اللذين يتحابّ بهما الذّباب. وفي لحظات .. كثيرًا ما حسدتُ الذّباب على تلك القدرة على الطيران بأجنحة أربعة، وبشهوة تتدفّق في العروق متجدّدة ومديدة».
يشير ونّوس (في حواره مع ماري إلياس في مجلة «الكرمل» عام 1996) إلى أنّ هوسه بالذّباب قديم منذ أيام يفاعته في قريته حيث كان الذبابُ «الحاضرَ/الموجودَ الذي لا نعي وجوده إلا كعامل إزعاج، ولكنه في الحقيقة وجود يوازي وجودنا بشكل كامل، فلماذا لا نتبنى وجهة نظره من وقت لآخر؟». وبذا، لا تقتصر تأمّلات ونّوس على الجانب الجنسيّ من جوانب حياة الذباب، بل يواصل تداعياته ليروي لنا كيف يشهد الذباب انكسارات الإنسان، وكيف تتداخل حياته بحياة البشر في تفاصيلها كلّها. ويتكشّف له ولنا أنّنا ضئيلون حتّى بالمقارنة مع كائن نراه مقرفًا زائدًا عن الحاجة. ولكنّ قَلْب وجهات النّظر سيعني الكثير/ على الأخص حين يختم ونّوس «ذبابيّاته» بحادثة جعلته يربط الذّباب بالسياسة على الدوام، حين رأى لافتة كرتونيّة في كشك مخابرات على الحدود السوريّة-اللبنانيّة كُتب عليها: «الفم المغلق لا يدخله الذباب»، ويُجْمِل الحادثة في عبارة واحدة: «وبهذا المعنى فإنّ الصمت يجنّبنا الذّباب، ويجنّبنا أيضًا المتاعب السياسيّة». ولكنّ ونّوس لم يصمت حتّى في فترات صمته بل واصل إبداعه مسرحًا وسردًا في سباق مع العمر القصير، ونوَّع بين صراخ السبعينيّات وهدوء الثمانينيّات وهمس التسعينيّات، ليبرهن أخيرًا، في المسرحيّات وفي كتابه السرديّ على الأخص، على أنّ الذاكرة أقوى من الموت.     

Share:

Tuesday, April 9, 2019

أنسي الحاج .. الشاعر الأنقى


«لن»: لعنات لزمن قادم




في البدء كان الخوف، وفي الختام كان التمرّد، وبينهما عاش أنسي الحاج. ليس غريباً أن يبقى أنسي متفرّداً وموشوماً بلعنة مجايليه، ومرجوماً بحجارة الباحثين عن «الاستقرار». لم يكن لهذا النبيّ حواريّون أو أتباع؛ ولعل هذه السمة هي ما ميّز أنسي عن «شعراء مجلة شعر»، وما جعله (إلى اليوم) شاعرها «الملعون».
ما من مبالغة في القول إنّ شعر أنسي لم يُدرس دراسة نقدية حقيقيّة إلى اليوم. بقي شعره دوماً على هامش «الحركة» النقدية العربية المحكومة (في معظمها) بفصل تام بين تطرّفَيْن: مديح مفرط أو ذم هدّام، أما ما يشذ عن هذين التصنيفين، فلا يحاول التأسيس لبناء نقديّ مستقل أو حتى «منزلة بين المنزلتين»، بل يستند إلى «ثقافة عربيّة» مديدة شغوفة بالمقارنات. وقد كان معظم نقّاد شعر أنسي الحاج من أنصار الاتجاه الأخير، حين عجزوا عن التقاط فرادة هذا الشاعر فألحقوه بـ«مدارس» أو «تيارات» مكرّسة، كأن يقارنوه بالمدرسة الرؤيويّة الأدونيسيّة أو «القصيدة اليومية» الماغوطية، وإنْ كان ذلك لإظهار بأنه «هجين» بين هاتين المدرستين. أو عمدوا إلى القول إنه سليل المدرسة الفرنسيّة لقصيدة النثر، دون الأخذ في الاعتبار التيارات المتباينة والمتمايزة في القصيدة الفرنسيّة وشعرائها. 

وربما يعود هذا التردد النقدي إزاء أنسي إلى أيام تأسيس مجلة «شعر» (1957)، إذ كان من بين الأسماء التي واكبت تقلّبات المجلة الشعرية الأشهر والأبرز في القرن العشرين، ابتداءً بتأسيسها الجريء، وانتهاءً بإغلاقها المتكرر عدة مرات، مروراً بالمعارك والجدالات التي شنّها كثيرون ضد تلك المجلة، ومن بينهم «أبناء» لها، بدأوا مسيرة «ردّتهم» بإعلان التنصّل من تلك «الخيمة» التي آوت جميع البذور الشعرية التي ستُزهر بتنوعات شتى في السنوات اللاحقة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن السنوات الثلاث التأسيسيّة للمجلة (1957ــ1960) ما تزال حقلاً بكراً لم يقاربه النقد الجاد إلا في استثناءات نادرة. كانت تلك السنوات هي الحامل الأبرز لمعظم الدواوين الأولى للشعراء الذين سيصبحون الشعراء الأبرز في السبعينيات، وكانت أعداد «شعر» ومنشوراتها هي البوصلة الفعليّة في الكشف عن «الشمال الشعريّ» الذي ستتجه إليه القصيدة العربية في مسيرتها المضطربة. 

خلال تلك السنوات، وصولاً إلى المحاولة المخفقة لإحياء مجلة «شعر» في الثمانينيات، كان أنسي هو الشاعر الوحيد (إذا استثنينا المؤسس يوسف الخال) الذي شهد «تقلبات» المجلة، ومضى يكتب وينظّر لقصيدة النثر. ويمكننا القول إنّ باكورته الشعرية «لن» (1960)، بقصائدها ومقدّمتها النظريّة، هي المعبّر الأفضل عن الأفكار الفعليّة لمجلة «شعر»، قبل أن تعاني تلك الأفكار، لاحقاً، من تعديلات وانحرافات ترافقت مع ابتعاد شعرائها عن تلك «الخيمة»، ليؤسسوا خيمهم الخاصة التي بقيت مرتبطة عضوياً بالمجلة الأم وأفكارها، وإنْ اختلفت سبل أبنائها. 

في ديوان «لن»، سنجد روح قصيدة النثر وعمودها الفقري النظريّ. أنسي كتب مقدّمته الشهيرة تلك وهو مدرك أنّه يؤسّس لعالم شعري جديد. وللمفارقة، يمكننا اعتبار أن تلك المقدّمة عاشت أكثر من القصائد المرافقة لها، إذ ما زالت مقدّمة «لن» هي البيان الأشد توازناً ووضوحاً لقصيدة النثر، حتى بعد مرور أكثر من نصف قرن على كتابتها. بينما لن تجد معظم قصائد ذلك الديوان مكاناً متقدماً لها اليوم إذا وضعناها تحت عدسة نقد صارم. كانت تلك القصائد ابنة لزمن كتابتها، بينما كانت المقدمة النظرية ابنة لزمن قادم. وقد كان أنسي مدركاً لهذه المسألة، برغم نفوره من التنظير الشعري، لذا كانت دواوينه اللاحقة، بخاصة «الوليمة»، مختبراً شعرياً لتلك الأفكار النظرية، مبتعدة عن الصرخة الأولى في «لن»، من دون أن تتخلى في الوقت ذاته عن «الثوابت» الأبرز في شعر أنسي؛ أي، التمرد والخوف و«خيمياء» اللغة (بمعنى إخضاعها الدائم لثورات متلاحقة)، والروحانية الشفيفة. 
ومجدداً، ما من مفر من تكرار القضية الجدليّة الدائمة بين الإبداع والنقد، ولا أعتقد أنّ ثمة مبالغة في القول إنّ شعر أنسي متقدّم على نقّاده بمراحل عظيمة. كان شعر أنسي الحاج (ونثره بصورة أوضح) أعمق بأشواط من الكلام المعتاد في المقالات والدراسات «شبه النقدية» التي تحاول مواكبة مسيرة الشعر العربيّ. كان أنسي يُذهل قرّاءه ونقّاده دوماً بقفزات يتزايد عمقها مع كل ديوان جديد. حتى المرأة، التي تعدّ «الثابت» الأهم في شعره، تظهر بصور متعددة ومتناقضة في كل قصيدة جديدة؛ هي القديسة أحياناً، العاهرة أحياناً، الكون بأسره تارةً، والتفصيل المنمنم تارة أخرى، والإيروتيكيّة دوماً. ولا يمكن فهم شعر أنسي دون المحاولة المثابرة لفهم صورة المرأة لديه. ولعل تغيّر هذه الصورة وتباين أصدائها لديه كانا السبب الأكبر في تهمة «الغموض» التي أُلصقت بأنسي، دون أن ننسى «المختبر اللغويّ» الدائم لديه في كل قصيدة؛ «فالشاعر لا ينام على لغة»، كما عبّر في مقدّمته الشهيرة. 
إن فرادة أنسي الحاج (شعراً ونثراً) تكمن في كونه يعيش دوماً على التخوم، ما جعله عصيّاً على التصنيف. إنه يتأرجح دوماً بين الهوامش: هوامش الروحانية، التمرد، المسيحية، السوريالية، التصوف، الإيروتيكية، واللغة. وتلك هي الصفة الأهم للنثر، كحالة كتابيّة وحياتية في آن واحد، ولذلك أوغل أنسي الحاج في النثر كداء وترياق في الوقت ذاته في «زمن السرطان» الذي لا فرار منه، ولا حياة فيه، إلا للمتمردين والخائفين والمجانين والملعونين.


لا مكان للرضا، لا مكان لليقين




هل كان علينا انتظار أكثر من نصف قرن لنكتب عن أنسي؟ أسماء كثيرة عبرت أرض الشعر، وهذا «العارف» يتأبّط سرابه بصمت كدأبه. لم تغيّره الحرب، أو الابتعاد عن الأضواء الحارقة، أو المعارك «الظلاميّة» التي تسعى إلى نسف الأرض بما فيها، بكلّ عابريها، إلا بما يتلاءم مع حدود ما تلقّنوه من معلّميهم الأكثر جهلاً. بقي الصامت الدائم، الذي لا يفضّل الصراخ، والذي يأبى إلا أن يغيّر الحياة والشعر والنثر بالهمس. الهمس، وحده، هو الثابت، وكلّ ما عداه عابرٌ كالأسماء الرنّانة.
هل كان أنسي الحاج (1937) يعرف بأن بيانه الشهير في ديوانه الأول «لن» (1960)، لا يزال إلى اليوم يعكّر صفوّ كارهي التغيير؟ هل كان يعرف بأنّ «الظلاميّين» من أهل السلطة، مثقفين وسياسيّين على حد سواء، سيتآمرون خفية لإعدام أعماله الكاملة في القاهرة قبل عدة سنوات؟ لا نعلم حقاً درجة تعويله على «الكلمة» كسلاح بيد من تبقّى من «الروّاد» المخلصين الأوائل للتغيير، ولكننا نجزم بأنّ هذا اللامبالي بالشهرة أدرك بأنّ أعداء الكلمة هم أكثر من يساهمون في تقويتها، وبأنّ أعداء «الربيع» (الذين امتطوا موجته فيما بعد) هم آخر من يحق لهم الكلام عن التغيير.
منذ تأسيس مجلة «شعر»، بدا بأنّ صاحب «لن» يؤسس لشيء أكبر من مجرد الاكتفاء بعضويّة هيئة تحرير في المجلة الشعريّة الأكثر شهرة، وبأن هذا الشاعر «الأنقى»، سيمضي لتأسيس مشروع شعريّ (ونثريّ لاحقاً) يشبهه في الهمس الجارح. وبرغم أن شعر أنسي الحاج يستحق الكثير من الكتابة والتقييم النقديّ، إلا أنّنا نعتقد بأنّ كتابه النثريّ «خواتم» بجزأيه (1991، 1997) يستحق ضوءاً أكبر، بخاصة وأنّ «بوصلة الكتابة الجديدة» اليوم تومئ إلى أنّ خيارات أنسي الكتابيّة كانت هي الأكثر صواباً بين مجايليه، وبأنّ النثر هو غد القصيدة والحياة بأسرها، وبأنّ المعارك الجانبيّة بين الأجيال الشعرية لن تثمر إلا العبث، وبأنّ «الشذرات» هي اللغة الجديدة للجيل الذي لم يعوّل عليه أحد، جيل فيسبوك والانتفاضات، الكاره للغة الخطابات الرنانة التي كانت ولا تزال أهم أسباب خيباتنا المتلاحقة.
يبدو كتاب «خواتم»، بتاريخ نشره الذي تزامن مع انهيار الاتحاد السوفييتي، ومحتواه غير الاعتياديّ آنذاك، أشبه ببيان آخر لـ «سراب العارف» (وهو الاسم المستعار الذي لجأ إليه أنسي في سنوات الحرب) الذي اعتزل الحياة العامة زمن الحرب الأهلية، بل يبدو أقرب إلى «مانفستو» ثوريّ جديد لجيل مابعد الحرب الباردة، وانهيار «الكبار» في السياسة والثقافة. الجيل الذي اعتاد هزائم آبائه، ومضى في طريقه الخاص ليرسم ملامح مرحلة ستأتي بعد عقدين. في «خواتم»، لن يجد القارئ قولاً فصلاً، بل سيلاحظ اتّساع موشور الحياة بوجوهها وألوانها المتعددة. سيجد أسئلة طازجة عجز عنها الشعر بكلّ مدارسه، أسئلة التحرر، الحداثة، الإيمان، الكفر، والتمرّد. كما سيجد إجابات عابرة لمسائل كانت تؤرّقه منذ سنوات. «خواتم»، الذي اعتبره البعض بأنه استراحة المحارب لصاحب «الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع»، أثبت بأنّ هذه اللغة المتشكّكة بكلّ شيء هي أساس الكتابة القادمة. إذ تفجّرت خلال السنوات الثلاث الماضية براكين من هذه «الكتابة المغايرة» التي أوشكت أن تصبح هي الجنس الأدبي الأوحد، حيث بدأ «الجيل الضائع» من الكتّاب الجدد بالبوح في زمن الانتفاضات والحروب، ولا سلاح لهم سوى هذه الشذرات، وذلك الهمس. كان الكتاب (لحظة نشره، والآن أيضاً) بمثابة ردّ غير مباشر على معظم منتقدي «تقلّبات» أنسي الحاج السياسية والفكرية. «مَنْ يصنّفك يقتلك»، يقول أنسي، وتقول سطور «خواتم» العصيّة على التصنيف. سطور تحمل النثر، الشعر، التأمل، الفلسفة، بل وحتى الخربشات العجولة. وبذلك، يبدو «خواتم» أقرب إلى جيل الألفيّة الثالثة، أكثر من تلاقيه مع مجلة «شعر» ومريديها، أو حتى مع «التيار النثريّ الجديد» الذي اتجه إليه الشعراء الآخرون كمحمود درويش في «في حضرة الغياب».
هاجس التحرر هو أكثر ما يمكن التقاطه في نصوص «خواتم». الهاجس المتّسم بالقلق، الشك، والتردّد. لا مكان للتعصّب في «خواتم» أنسي، لا مكان لليقين، لا مكان للرضا، ولذا لا مكان لـ «امتلاك الحقيقة». وهذا الادعاء بامتلاك الحقيقة، كل الحقيقة، كان أهم سمات «ديناصورات» السياسة والثقافة، «الثورجيّين» الجدد، الذين عاودوا الهجوم على أنسي الحاج في العامين الأخيرين. وبرغم أنّ العين المدقّقة يمكنها التقاط أصداء أنسي في كتاباتهم (التي وصلت في حالات متفرقة إلى «تلاص» تام)، إلا أنّهم تناسوا بأنّ اللغة عصيّة على التقليد، وبأنّ بذور التمرّد لا تنتقل عن طريق الهواء، وبأن الاكتفاء بالتنظير للحرية لا يعني ممارستها.
تناسى هؤلاء المنتقدون بأنّ من كتب يوماً «الرجولة لهذا النظام [نظام القوة العسكريّة والبوليسيّة] هي نباح قائد الجنود بأوامره وامتثال الجنود للنباح. الرجولة هي الرأس الحليق من خارج ومن داخل. هي الثكنة. هي اختصار العالم إلى حدود ما يجهله المتعصّب الأحمق، وما زاد كان للحذف والقتل»، لا يمكن أن يكون معادياً للتحرر، أو مناصراً لدكتاتورية ما، دينيّة كانت أم «علمانيّة». وبذا، كان تعريف «الحرية» بحد ذاته، هو الفارق الأهم بين الطرفين المتمايزين والمتناقضين.
هذا التحرر هو الشاغل الأساسي لصاحب «خواتم» الذي يتابع كتابة الجزء الثالث في «الأخبار». ومن يتابع «خواتم-3»، سيلاحظ بأن أنسي مشغول بإعادة تعريف ما اعتُبر لسنوات بمثابة أمر واقع؛ يبدأ بما ظنّ الآخرون بأنه القول الفاصل، والنهاية، و«الحقيقة». يبدأ بانتقاد بيانه القديم في مجموعته «لن»، ولغته القديمة، وشعره القديم، محاولاً إيجاد فسحة لـ «الجديد»، لغة وأفقاً. ليس الشكل هو وحده ما يجدّد أفق الكتابة، وليس العمر وحده ما يصنّف الأجيال، بل هو طزاجة الأفكار وتمردها. «إلى أي مدى أكون «حراً» ما دمت مراعياً، وأنا أكتب، جانب القراء؟» يتساءل أنسي عام 1997، ليبدأ تطبيق هذه «الثورة» في الكتابة في «خواتمه» الجديدة. ليس القراء كُلاً واحداً موحّد الصفات والأمزجة؛ التماثل سيعيدنا إلى الثكنة وعالمها المتشابه والمعادي بالضرورة للفن، وكلّ ما هو «بدعة». هذا القارئ المتفرّد هو الهدف الذي يسعى إليه أنسي، وتسعى إليه شذرات «خواتم-3».
«الحرب لا تُبكيني. أغنية صغيرة قد تبكيني، أو كلمة لأنسي الحاج»، يقول الماغوط. هذا البكاء «الآخر» هو الأداة التي ستغيّر النفوس التي اعتادت تصنيف الضحايا، وتصنيف الحزن، وتصنيف الحياة. وكما هي الأغاني «مشاع»، يحاول أنسي الحاج في «خواتمه» إعادة «المشاعيّة» إلى الكتابة والتحرر، إلى أجيال اعتادت ذلك الانفصال الحاد بين «نخبة» عارفة ومتلقّين جاهلين، بين الحاكم والمحكوم، بين من يبيع الحرية ومن يشتري ما يناسبه منها. «خواتم» أنسي الحاج هي هديّة قرنٍ كامل لقرن آخر، بكلّ لحظات جموحه، تحرّره، قلقه، شكّه، ومحبّته. 


مثل رشّة عطر




عزيزي أنسي،
ها قد مرّ عامٌ على أولى كتاباتي عنك. لم أشعر بمرور كل هذه الأيام، هل شعرت أنت بذلك؟ لا أعلم إن كان الزمن لديك ينقضي بالسرعة ذاتها كما هنا. بالأحرى، لا أعلم ولا أكترث. كلّ ما يهمّ "الأحياء" هو مرور زمنهم الخاص، لا زمن من رحلوا حتى لو كانوا مقرّبين. وأنت لست مقرّباً إلى هذا الحدّ. لست كاتبي المفضّل لو أردت الصراحة. أنت أحدهم بلا شك، ولكنّك لست المفضّل.
ربما لا يصلح المقطع السابق كافتتاحيّة تليق بذكراك الأولى. ولكن هذا ما خطر لي فور أن كُلّفت بكتابة رسالة إليك. لا أنكر بأنّني كنت أريد التهرّب من هذا "الواجب"، لكنّني غيّرت رأيي وقررت أن أكتب ما أشعر به بكل صراحة. في الحقيقة، لو أردت صراحةً أكبر، كنت أريد أن أفتتح الرسالة بالقول "لمَ متّ منذ عام لتضعني الآن في هذا الموقف السخيف"، إذ وجدتُ بأنّ السخافة تليق أحياناً بهذا العام الذي انقضى، فقرّرت المضيّ في الكتابة بضمير مرتاح، بخاصة وأنّك لن تتمكّن من الردّ عليّ. أو هذا ما أعرفه، على الأقل، عن عالمك الآن. رسائل لا تصلح إلا للتجاهل وعدم إمكانيّة الرد. شعور رائع برأيي. ولذا، سنُبقي الأمور على ما هي عليه. لنتحدّث عن البداية، وعن الافتتاحيّات.
عرفتك منذ عشر سنوات. لم يكن ابن التاسعة عشرة حينذاك يعرف عنك أكثر من عنوانٍ مغرٍ لمجموعتك الأولى "لن"، وتاريخ طويل مع جريدة "النهار". لم أقرأ "لن" في البداية، ولم أتشجع لقراءتك إذ ارتبط اسمك مع جريدة أكرهها، إلى أن تعثّرتُ بـ "الوليمة". كان "الوليمة" أول ديوان أقرؤه لك. قرأته بموقف كاره مسبق للأسباب السابقة، عدا عن عنوانه "غير الشعريّ"، إضافة إلى تشابه غلافه مع غلاف ديوان لمحمود درويش، وهو كان شاعري المفضّل آنذاك. كان الغلافان متماثلين تقريباً: "الوليمة" و"لماذا تركت الحصان وحيداً". أدركت لاحقاً بأنّ التماثل لم يكن يقتصر على الغلاف، إذ كان كلا الكتابين انطلاقة جديدة لكلّ منكما، ولذا عشقت الكتابين بالدرجة ذاتها، بل وعشقت "الوليمة" أكثر لأنه فتح أمامي بوابة جديدة لقراءة شعر "جديد". لا أعني الشكل هنا، ولا المضمون حتى، بل سحر اللغة، وبراعة المخيّلة، وإغواء الشعر حين يدور حول المرأة بطريقة أنسي الخاصة، حيث تكون فيه المرأة ولا تكون، وحيث يكون الشعر الحقيقيّ في آخر مكان يمكن أن تتوقّعه، وآخر عنوان قد يخطر في ذهنك. ثم كان "خواتم" الذي استند إليه مقالي عنك قبل عام: كان حواراً من طرف واحد، إذ كنت قد رحلت، وكان الحوار مع "خواتمك". في هذا الحد الفاصل بين عالمين كان لقاؤنا الأول، والآن رسالتنا الأولى. بين عالمٍ زائلٍ للأحياء، وعالمٍ قصيٍّ للراحلين.
أعدت قراءتك عدة مرات خلال هذه السنوات العشر لأثبت لنفسي مدى سذاجتي وحماقة مواقفي المسبقة. كنتُ في اندفاعة الشباب الجامحة آنذاك حيث لا حيّز لدرجات الألوان، ولا مكان لجزيرة في المحيط المتلاطم. أدركت لاحقاً (في السنة الأخيرة خصوصاً) بأنّ تلك السذاجة والحماقة تسم مجتمعنا بأسره. أتحدث عن المجتمعين السوريّ واللبنانيّ على الأقل. كارهوك بالأمس أحبّوك اليوم لأنك أصبحت في "الأخبار"، وكانوا سيكرهونك لو انتقلت إلى تلك الصحيفة قطريّة التمويل. ومحبوك بالأمس كرهوك اليوم وكانوا سيحبّونك غداً ربما لولا أنك فاجأت الجميع فرحلت، لتبقى ذلك "الأنقى" من بين جميع فرسان مجلة "شعر"، ولتبقى بعيداً عن كلّ من حاول تصنيفك. "من يصنّفك يقتلك"، هذا ما كنتَ تؤكّد عليه دوماً، لذا لم يستطيعوا قتلك إلى اليوم.
سيتذكّر معظم قرائك أو حتّى حفظة العناوين من "مثقفينا" كتبك الشهيرة، وسيغفلون عن "الوليمة"، ولذا سأُفشي سرّك لمن يريد قراءتك فعلاً. "الوليمة" هي أنسي، كما "النهايات" هي عبد الرحمن منيف، كما "الاعترافات" هي ربيع جابر، كما "النحنحات" هي إبراهيم صموئيل، كما "يا طول عذابي" هي أم كلثوم، وكما "اسقنيها" هي أسمهان. تلك الأعمال شبه المنسيّة هي ما سيتبقّى بعد امتلاء الذاكرة بالعناوين المكرّسة. تلك الهمسات هي ما سيتبقّى بعد تلاشي الصخب. ولذا ستبقى أنت، حتى بعد مرور سنوات وسنوات على الرحيل، كما العطر، دون أن يكون ثمّة معنى للعلب التي وضعوك فيها، بصرف النظر عن بهرجتها. 

نُشرت الأقسام الثلاثة في جريدة «الأخبار». القسمان الأوّلان في اليوم الذي أعقب وفاة الشاعر (19 شباط/فبراير 2014)، أما القسم الثالث فنُشر بعد عام على رحيله (18 شباط 2015).
  



Share:

Tuesday, December 18, 2018

هكذا نلخّص حياته



1

«لو افترضنا أنّ حياة القردة العليا الممتدّة 5 ملايين عام تُعادل ساعةً واحدةً من زمننا اليوم، سيكون تاريخ الإنسان العاقل أقلّ من دقيقتين بقليل». كذا يقول الكتاب المفتوح أمامي الآن. كم سيكون عمر غسان كنفاني إذًا ضمن هاتين الدقيقتين؟ لا أظنّ أنّه كان سيكترث لهذه المعادلة البائسة، بل ربما كان سيضحك ويقول: «قرد بعينك» ويكمل ما انقطع من حديثه. ولو بقينا داخل الأرقام، سنكتشف أنّنا أخطأنا في حساب عُمر غسان. لا، هو لم يكن في السادسة والثلاثين، بل في الثانية عشرة فقط. كانت اثنتا عشرة سنة من الإبداع تكفي غسان ليحفر اسمه كأحد أهم الكتّاب العرب، وربما كان أهم الكتّاب الفلسطينيّين بلا استثناء. لا، ليست اثنتي عشرة سنة. بل أقل بكثير، إذا اقتطعنا منها ساعات النوم والصحافة والعمل السياسيّ المباشر والقراءة. غسان تحديدًا، كان يلملم ما ضاع من الوقت ليكتب. بل ربما عاش حياته القصيرة كلها يلملم ما ضاع من الوقت ليعيش. هكذا ربما نلخّص حياة غسان.

2


قبل ظهيرة يوم 8 تموز، كان غسان كنفاني يتعرق داخل سيّارته ويلعن الصيف والشمس. وكي يخفّف وطأة الحر القاتلة، تذكّر أنّه ليس في الخزان على الحدود في الصحراء، فنظر إلى لميس بجانبه وابتسم وتابع تدخينه. نظر إلى ساعته ليرى كم تبقّى من الوقت قبل الغروب. حرّ بيروت نعيمٌ مقارنةً بجحيم الصحراء. الصحراء بحر من نار. قلّب العبارة في ذهنه ليرى إن كانت تصلح لتُسجَّل في نصٍّ جديد، ولكنّها لم تعجبه فنفض رأسه ليطردها. فليترك البحر فقط، ويتجاهل النار. ربما لو كان غسان قادرًا على كتابة مصيره، لحذف النار من حياته وأبقى البحر. ولكنّ النار كانت قد اندلعت وتفجّرت وانتهى الأمر. تشظّى غسان، لا كما يفعل يوميًا بين الكتابة والقراءة والنكد والمرح وفلسطين وبيروت وآني والأولاد والروايات التي لم تكتمل والقصص التي اكتملت والمسرحيات التي لن تكتمل والأنسولين وفارس فارس وأبو فايز والجبهة الشعبيّة والسجائر. لا، هذه المرة تشظّى كما لم يتشظّ من قبل. تناثر جسده وتخلّص من القيظ أخيرًا، ونام. توقّف النبض ولكن لم يتوقف الوقت. كانت ساعة يده لا تزال تدق. هكذا ربما نلخّص حياة غسان.


3


ماذا لو كان هناك ثلاثة من فارس فارس؟ لن نطمع بأكثر من ثلاثة فقط، وإن كان مشهد الكتابة اليوم يحتاج إلى ألف كي يتابعوا كلّ ما يُكتَب، ويقرؤوه ويطلقوا أقلامهم اللاذعة. كان فارس فارس علامةً فارقةً في النقد الأدبيّ الصحافيّ.
لا نعلم لمَ اختار غسان هذا الاسم، ولا نعلم السبب الذي دفعه إلى ابتكار هذه الشخصيّة التي تحاول جاهدةً إقناع أنصاف وأرباع ومعدومي المواهب بترك الكتابة والبحث عن هواية أخرى حيث لا فارس فارس بالمرصاد. كما لا نعلم كيف كان غسان يوازن يومه بين أكوام التفاهة التي يقرؤها ليعلّق عليها، وبين كتابته الحادّة المصقولة كنصل. لو استطعنا تخمين تلك الأسباب والأمور، ستكون تلك أفضل نقطة انطلاق لدراسة شخصيّة غسان كنفاني ككاتب. أن تكتب بحرص خوفًا من قارئ ذكيّ يتربّص بك لا يهمّه اسمك بل نتاجك. أن تكتب خوفًا من ذاتك الأخرى التي لن ترحمك لو قلّلت من قيمة الكتابة. أن تكتب خوفًا من فارس فارس. أن تكتب خوفًا من نفسك. هكذا ربما نلخّص حياة غسان.

4

كان كيخوته يحاول استعادة «العصر الذهبيّ» في زمنٍ بات فيه الحديد هو كلّ شيء، زمن الرداءة. لم يكن غسان حالمًا مثل كيخوته، بل كان يدرك تمامًا كمّ الرداءة التي تخنق كلّ شيء. كان يعلم أنّ «عصر الحديد» سيستمر، ولن يفيده الحلم أو الحنين، لذا، وبكيخوتيّةٍ أكثر من كيخوته نفسه، كان غسان يحاول استخراج الذهب من الحديد. كانت أهميّة غسان، عدا عن كونه (وربما لكونه) مناضلًا، هي محاربة الرداءة في زمنٍ لا شيء فيه إلا الرداءة. كان يحارب الرداءة سياسيًا وفكريًا ونقديًا وأدبيًا، لا ليستعيد عصرًا ذهبيًا أفلَ وانتهى، بل ليخلق عصره بنفسه، لينقش اسمه بحيث يتحوّل العصر كله ليصبح هو عصر غسان. ومع ذلك، كان حريصًا على أن لا يتحوّل إلى صنمٍ أو أيقونة. هذا بالضبط ما كان يرفضه. كلّ ما كان يريده، ببساطة، هو أن يُدرك الجيل التالي أنّ ثمة ذهبًا تركه له جيل آبائه، وعليه أن يبني عليه كي يحاول تقليص الحديد/ الرداءة. أن تكون ضد الرداءة هو الشرط الأول والأخير لحياةٍ تستحق أن تُعاش. ولا معنى لأيّ «ربيع» أو حياة إن بقيت الرداءة أو تخفَّتْ. أن تعيش وتموت وأنت تحارب الرداءة. هكذا، بالتحديد، نلخّص حياة غسان.



نُشرت في جريدة الأخبار  اللبنانيّة 10 تموز/يوليو 2017

Share:

Friday, December 14, 2018

محمّد آيت حنّا: بحثًا عن الكتاب اللانهائيّ


 ماذا لو بات الجميع كتّابًا؟ ما مصير القراءة والقارئ؟ ما مصير المكتبة؟ وما معنى المكتبة أساسًا في زمنٍ يكتب فيه الجميع ولا يقرؤون أو يقرؤهم أحد؟ في زمن الصحافيّ-المواطن والكاتب-المواطن، أصبحت هذه الأسئلة مهمّة أكثر. هل يتنافى الحديث عن وجوب أن يكون الكاتب قارئًا في الأصل مع مفهوم «الحرية» الذي أصبح المصدر الذي يُحال إليه كلّ شيء في نقاشاتنا وأحاديثنا؟ ما المعيار هنا؟ ولو ارتضينا «الحرية» معيارًا، ألا ينبغي لنا أن نعيد الحقّ إلى أصحابه في الثقافة ونقول إنّ القارئ هو الأصل والمنبع؟ وفي عصر موت كل شيء، هل مات القارئ أيضًا، وماتت القراءة، وماتت المكتبة؟ انطلاقًا من هذه الأسئلة يولد كتاب «مكتباتهم» (دار توبقال) للكاتب والمترجم المغربيّ محمد آيت حنّا، ليحاول إعادة تعريف وتكريس المكتبة كمعيار ثابت في زمن التحوّلات، تحوّلات كلّ شيء حتى فعل القراءة بذاته.

     لا يندرج كتاب «مكتباتهم» تحت تصنيف بعينه، بل ينتقل بسلاسة بين التصنيفات ليكرّس (أو يعيد تكريس) «النص الحر». لسنا هنا أمام مقالات أو خاطرة فلسفيّة أو تحليل فكريّ، بل نحن أمام كلّ هذا في آن. نص قصير مشدود ببراعة ينطلق من الخاص إلى العام مع إبقائه على «جوهر» فكرة محددة. وتكاد تكون هذه سمة المفكّرين المغاربة عمومًا. ولكنّ ما يميّز آيت حنّا هو حسّ سخرية ذكيّ وسعة اطلاع هائلة توحّد بين المتناقضات وتصل الفنون أحدها بالآخر في محاولة لإنتاج نص لانهائيّ، تتغيّر دلالاته بتعدّد قراءاته. إذًا، يبدأ آيت حنّا رحلته من الموضع المهجور في الثقافة الكتابيّة العربيّة الحاليّة: من موقع القارئ (أو القيّم على المكتبة كما يفضّل)، مستندًا إلى اقتباسات أو أفكار لكتّاب عديدين نجد أسماءهم في العناوين، بينما ما يحدث فعليًا هو قلب هذه الأفكار لتصبح أفكار آيت حنّا نفسه. ولعل هذا هو هدف الكتاب الحقيقيّ: أن تقرأ كأنك تكتب، وتكتب كأنك تقرأ. يغرق القارئ في النص ويخرج بخلاصاته الخاصة، يعود إلى العنوان فيُباغَت لأنه لم يقرأ ڤالتر بنيامين أو الجاحظ مثلًا، بل قرأهما كما فهمهما آيت حنّا، ثم يعيد قراءتهما كما فهمهما هو. تتبدّل التأويلات، وتتغيّر الأسماء، ويتعاقب القرّاء، وتبقى المكتبة.
     المكتبة هنا ليست مجرّد «خزانة كتب»، أو فضاء تتلاقى فيه الأفكار، أو تتراكم فيه التجارب. إنها كلّ هذا علاوةً على كونها مفتاح التجربة القرائيّة على اختلاف تأويلاتها. «من يمتلك سرّها يمتلك العالم»، وهذه العبارة ليست محض مجاز، فالمكتبة كما يفهمها آيت حنّا، بل وكما يجدر بها أن تكون حقًا، معمارٌ برّانيٌّ وجوّانيٌ في آن. تتعاظم قيمة المكتبة بتعاظم التّوافق بين هيكلها الخارجيّ (الخشبيّ بالضرورة) مع سيروراتها الداخليّة حيث تتفاعل كيمياء الكتابة والقراءة: «قَطع هكتارات من الغابات هو بمثابة محو لذاكرة الأرض، لكنّه محو سينتهي جزء منه في شكل أدوات (أوراق وأقلام) تدوّن هذه الذاكرة نفسها». نتحدّث عن طاقةٍ إذًا، تتحوّل من شكلٍ إلى آخر محافظةً على جوهرها. وليست أهميّة هذه الطاقة/المكتبة مرتبطةً بمدى ضخامتها، بل قد تكون «ضآلتها» أحيانًا هي مصدر قوّتها. العلاقة بين الخارجيّ والداخليّ، بين الامتلاء والفراغ، بين ما ينبغي تركه وما يجدر طرده، بين الحيّز المكانيّ وسكّانه من قرّاء (وكلّ كتّاب آيت حنّا قرّاء بالضرورة)، بين الشفاهيّ والكتابيّ، بين الموت وماقبل الولادة، ... كلّ هذه الأمور، وغيرها، تُعرِّف المكتبة في عصرنا بل وتُعرَّف من خلال المكتبة.
     وبما أنّ ما يُقال هو ما ينمحي، وما يمتلئ هو ما يفرغ، والحضور هو الغياب بمعنى ما، لا بدّ من زمنٍ يتلاءم مع هذا الفضاء الديالكتيكيّ. لا بدّ من زمنٍ يتلاءم مع فضاء المكتبة المكانيّ. وهنا يكون الزمن دائريًا بالضرورة، ما من ماضٍ أو حاضرٍ أو مستقبل، بل ثمة زمنٌ أوحد متكرّر أزليّ كمكتبة بورخيس. زمن يتلاقى فيه ابن سينا وترانسترومر وباموق وبنعبد العالي وقارئهم المستقبليّ في فضاءٍ زمانيّ واحد. وبهذا أيضًا كان تقسيم الكتاب يتوافق على نحوٍ ما مع تقسيم المكتبة بذاتها، حيث يوجد منطقٌ خفيٌّ في الترتيب الذي يبدو عشوائيًا للوهلة الأولى. معظم الكّتاب هنا ليسوا مجرّد «حرفيّي كتابة» كما يريد منّا عصر التخصص الآن، بل هم «الحروفيّون» (إن كانت هذه الكلمة تعبّر عن المصطلح المراوغ Men of Letters). كتبوا، ويكتبون، في الأدب والسياسة والفلسفة والتاريخ وفي اللغة بذاتها، وقراءتهم تعني بالضرورة دخول حيّز النص العابر للتخصّصات، النص مابعد الحداثيّ الذي هو ليس إلا نص ماقبل الحداثة، نص ماقبل التصنيفات والأنواع الأدبيّة. النص الحر الذي يخلق تصنيفه، ويخلق قارئه.
     وبما أنّ البداية كانت من قيّم المكتبة، والطريق مُفخّخة بالمعاني المتبدّلة، لن يكون مفاجئًا أن تكون النهاية «قصة قصيرة» تروي حكاية الكتاب اللانهائيّ وحكاية المكتبة. يختتم آيت حنّا كتابه بإدراج قصة «المكتبة» للكاتب المغربيّ أحمد بوزفور التي تقدّم لنا «كتاب المكتبة»، الكتاب الذي «لا يُقرأ مرتين ... كالموت»، الكتاب الذي يبتلع قارئه ويبقى ملتصقًا به كلعنة أبديّة. هل هذا النص قصة فعلًا؟ وهل الكتاب مقالات فعلًا أم قصص قصيرة بمعنى ما؟ لن تهمّ هذه التصنيفات إلا القارئ العابر، أما القراء الحقيقيّون «غرباء السياق» فسيتابعون القراءة بحثًا عن ذلك الكتاب الذي لم يقرؤوه بعد، الكتاب اللانهائيّ، «كتاب الكتب» كما يؤكّد محمد آيت حنّا في مكتبته/«مكتباتهم».




Share: