Showing posts with label مراجعات. Show all posts
Showing posts with label مراجعات. Show all posts

Thursday, May 13, 2021

إيلان بابه: 60 عاماً من الهوية المنقوصة

 

 


 

 

لطالما كانت مسألة فلسطينيي الداخل (أو فلسطينيي الـ 48) مثار جدال كبير في الأوساط الأكاديمية في إسرائيل وخارجها. ويمكن القول إنّ الاهتمام الأكبر بهذه الشريحة السكانية، التي اختلفت تسمياتها (بحسب وجهة النظر التي يتبناها هذا الكاتب أو ذاك) بدأ إثر الانتفاضة الأولى عام 1987. ابتداء من هذا العام فرض فلسطينيو الداخل أنفسهم بقوة في المشهدين الفكري والسياسي في آن، كجماعة قومية شكّلت، ولا تزال، عقبة كبيرة أمام تكريس مفهوم «الدولة اليهودية» الذي اشتدّ الجدال حوله منذ التسعينيات.

يتناول إيلان بابه (1954) في كتابه «الفلسطينيون المنسيّون: تاريخ فلسطينيي 1948» (2011)، الذي صدرت نسخته العربية بترجمة هالة سنّو عن «شركة المطبوعات للتوزيع والنشر» (2013)، تاريخ هذه الجماعة منذ نكبة عام 1948 وصولاً إلى نهاية القرن العشرين. يستهل بابه كتابه بإهداء لإحياء ذكرى الشهداء الفلسطينيين الثلاث عشر الذين قتلتهم الشرطة الإسرائيلية مع اندلاع الانتفاضة الثانية في تشرين الأول (أكتوبر) عام 2000. وبهذا، يفرض بابه وجهة نظره لمن لا يعرفه بشكل واضح؛ سيكون الكتاب أقرب إلى الرؤية الفلسطينية في تدوين الأحداث. تلك الرؤية التي تبناها (بدرجات متفاوتة) أعضاء تيار «المؤرخين الجدد»، عدا عن مفكّرين آخرين، في إعادة كتابة تاريخ القضية الفلسطينية ابتداء بالنكبة. ويمكن القول، عموماً، بأن بابه يبدو في منتصف المسافة في التناول الموضوعي لتاريخ هذه المسألة بين بيني موريس الأقرب للرؤية الصهيونية ونورمن فنكلستين الأكثر شراسة في تبنيه للرؤية الفلسطينية للمسألة، وإن كان فنكلستين متخصصاً بشكل أكبر في المحرقة النازية.

يبرر بابه عدم وجود محاولات سابقة لتدوين تاريخ فلسطينيي الداخل إلى «التاريخ قصير الأمد» الذي يمتد إلى 65 عاماً فقط، وبشكل أكبر إلى افتقار هذه الجماعة إلى «معالم واضحة لهويتها، سواء كانت عرقية أو ثقافية أو قومية أو جغرافية أو حتى سياسية». وانطلاقاً من هذه النقطة، يشرح بابه تطورات وتباينات التسمية التي ستلتصق بهذه الجماعة مع تعاقب السنين والحكومات والحروب. إذ بدأت مأساتهم عملياً مع النكبة حين كانوا يُعرّفون داخل إسرائيل بكونهم «الأقلية العربية»، مع ملاحظة إدراج الدين لا القومية تحت بند «الجنسية» في البطاقات الشخصية. وهنا، يختلف بابه عن زملائه من المؤرخين الجدد، وبالطبع عن المؤرخين الصهيونيين التقليديين، حينما يؤكد بأن هذه الآلية البيروقراطية كانت تترافق مع آليات قانونية وتشريعية تمييزية تعمل على تجريد الفلسطينيين من كل ما يملكون «إما أن يخلّفوا وراءهم كل شيء، وإما أن تُسلب منهم أملاكهم»في عملية منهجية كشفت عنها الوثائق القانونية لتلك المرحلة.

وبذلك بدأت معركة فلسطينيي الداخل المتسمة بمراحل وتنويعات مختلفة؛ إذ كانت، ضد الإسرائيليين، معركة ضد الإقصاء وبهدف تحقيق مواطنة كاملة، فيما كانت ضد النظرة الظالمة العربية والفلسطينية خارج الأرض المحتلة المتلخصة في كونهم «خونة». وتلخص هذا الموقف عبارة الكاتب رائد حسين في مؤتمر دول عدم الانحياز ببلغراد (1959): «من نكون نحن عرب إسرائيل؟ هنا يعتبروننا طابوراً خامساً وهناك خونة. نعيش في عالمين ولا ننتمي إلى أي منهما». وستكون هذه «الهوية الغامضة» هي الأساس الذي ستستند إليه هذه الجماعة في معاركها القادمة. إذ يؤكد بابه بأنّ «غريزة البقاء هي التي سيّرت مجرى النشاط السياسي» في ما بعد، وبالتوازي مع تلك الغريزة كان لا بد من إيجاد «حاضنة» للتعبير عن صوت هذه الجماعة؛ وبالتأكيد، كان الخيار الأفضل هو الحزب الشيوعي الإسرائيلي، فيما إذا استثنينا جماعات أصغر (الدروز والبدو) ممن فضّلوا الالتحاق بالخدمة العسكرية في الجيش الإسرائيلي طمعاً بمكاسب أكبر، أو على الأقل باعتراف رسمي بكونهم مواطنين كاملي الحقوق.

ابتداء من الخمسينيات وصولاً إلى نهاية القرن، بدا وكأن الأحزاب هي المكان الأمثل للبحث عن هوية محددة لفلسطينيي الداخل، ومن ثم العمل على بلورتها. ومع اندلاع الانتفاضة الثانية، بدأت الهجرة المعاكسة من الأحزاب إلى الحياة العامة والمنظمات غير الحكومية التي وصل عددها عام 2001 إلى 600 منظمة تقريباً، باتت هي الساحة الفعلية لتأكيد وجود الفلسطينيين داخل البيئة الإسرائيلية العنصرية. ولا بد من الملاحظة بأن إيقاع «نضال» فلسطينيي الداخل كان مترافقاً دوماً بوجود شخصية قيادية تضبطه. إذ عمل كل من إميل توما وإميل حبيبي، بين عامي 1957-1958، على السعي إلى تأكيد الهوية القومية داخل إسرائيل عبر اعتناق استراتيجية«عدم الانخراط في صراع مع الدولة اليهودية»، ليثمر هذا العمل لاحقاً في «انتصار القومية على الأممية» بعد انسحاب الأعضاء الفلسطينيين من الحزب الشيوعي القديم «ماكي» وإنشاء «اللائحة الشيوعية الجديدة» (راكاح)، في خطوة استطاع فيها إميل حبيبي ورفاقه تثبيت هوية قومية لهم. وبعد الانتصار المفاجئ لتوفيق زيّاد في الانتخابات البلدية في الناصرة (1975)، تنبّه الفلسطينيون بشكل أكبر إلى هويتهم المفقودة، بخاصة بعد التصعيد الإسرائيلي الشرس، وصولاً إلى «يوم الأرض» (30 آذار (مارس) 1976) الذي شكّل البداية الفعلية للهوية القومية الفلسطينية. ثم جاء عام 1996 ليحمل مفاجأة كبرى هي ظهور حزب وطني، ليس صهيونياً أو إسلامياً أو شيوعياً، هو «التجمع الوطني الديمقراطي» («البلد») بقيادة عزمي بشارة الذي استطاع دخول الكنيست، ومن ثم الترشح إلى رئاسة الوزراء عام 1999، قبل أن يتم نفيه عام 2007. ويشير بابه إلى أن السنوات الأخيرة التي تلت نفي بشارة شهدت انقسامات في صفوف الفلسطينيين ليعود ذلك الاستقطاب الحاد بين «علمانيين» و«إسلاميين» للظهور ميدانياً عدا عن المنظمات غير الحكومية التي أصبحت هي الوسيلة الأبرز في الصراع القانوني والوجودي لإثبات أحقية الفلسطينيين بمواطنة كاملة داخل إسرائيل.

وعلى عكس الآراء السائدة في الأوساط الأكاديمية (كما عند سامي سموحة وإيلي ريخيس) التي تقول بأن اتفاقية أوسلو «سرّعت عملية «أسرلة الفلسطينيين» في إسرائيل، وأبعدتهم عن القضايا الفلسطينية الجامعة لصالح القضايا المحلية»، يؤكد بابه العكس، إذ إن أوسلو زادت الشرخ بين الفلسطينيين والإسرائيليين لا سيما في انتخابات عام 1999، حينما قام عدد كبير منهم بالتصويت بأوراق بيضاء (بعد أن كانت نسبة المقترعين الفلسطينيين تصل إلى 85%) لأنهم «شعروا بعدم قدرتهم على رؤية أي فرق بين اليمين واليسار في المعسكر السياسي اليهودي»، بصرف النظر عن مواقفهم المتناقضة من ياسر عرفات والسياسات الجديدة لمنظمة التحرير. كما يشير إلى أن تصاعد العنف الإسرائيلي بعد الانتفاضة الثانية ساهم في ولادة جيل فلسطيني جديد شاب «يؤكد على حقوقه، ويلتزم التزاماً شديداً التعريف الدقيق بالمجموعة التي انتمى إليها بصفته مجموعة قومية». أي أن الصراع عاد إلى صيغته الوجودية القديمة، ولم يعد مقتصراً على معارك قانونية وتشريعية صغيرة.

وبالرغم من الانتقادات القاسية التي يوجهها بابه إلى إسرائيل التي يعتبرها «هجيناً بين دولة استعمارية استيطانية ونظام استخباري مفروض على سكانه الفلسطينيين» (بل ووصل إلى حد تسميتها بـ «دولة المخابرات الإسرائيلية»)، إلا أن ثمة مواضع في الكتاب يبدو فيها تردد بابه في اتخاذ موقف حاسم. ففي الحديث عن مجزرة كفر قاسم، لا نجد رأياً واضحاً بشأن ما جرى برغم الوثائق الموجودة، إذ يبدو ميالاً بشكل أكبر إلى اعتبار أن الكولونيل يساكر شادمي (المسؤول العسكري عن العملية) «أعطى الأوامر على افتراض أنه كان يباشر تنفيذ الخطة (س 49) التي افتضحت أثناء المحاكمة»؛ أي إنّ بابه يرفع المسؤولية، ولو جزئياً، عن القائد العسكري بدعوى أن الخطة صادرة عن الحكومة، حتى لو كان ذلك بشكل سري. ثم يعود (في موضع آخر) ليرفع المسؤولية عن شلومو بن عامي حينما كان وزيراً للشرطة في حكومة إيهود باراك في الانتفاضة الثانية (2000)، بدعوى أن الشرطة «خالفت أوامره باستخدامها قناصة ووحدات هجومية مدربة على التعاطي مع إرهابيين يهاجمون المدنيين، وليس مع مدنيين يتظاهرون احتجاجاً على سياسات إرهابية»، مكتفياً بالاعتماد على أقوال ضباط في الحالة الأولى، وعلى حوار للوزير مع «هآرتس» في الحالة الثانية.

بالطبع، يشكّل كتاب «الفلسطينيون المنسيّون» إضافة مهمة إلى المكتبة الخاصة بالقضية الفلسطينية، بخاصة وأن جماعة فلسطينيي الداخل شبه مجهولة في المكتبة العربية، باستثناء كتب قليلة (متفاوتة القيمة) صدرت في الأعوام الأخيرة. ومع الخلو شبه الكامل للساحة الأكاديمية الفلسطينية من المتخصصين في تدوين تاريخ فلسطينيي الداخل، وتاريخ نكبة العام 1948 بشكل خاص، سنبقى في السنوات القادمة أسرى الرواية الإسرائيلية للأحداث، فيما عدا استثناءات نادرة، وأسرى الصورة النمطية عن «الآخر» الفلسطيني خلف الجدار العازل.


نُشرت في جريدة «الأخبار» 8/2/2014

 

 

Share:

Friday, March 5, 2021

خورخي فرانكو: عن ليليت وعشّاقها

 


 

 


كان الروائيّ والنّاقد الأميركيّ وليم غاس قد أقرّ عام 2006 بمرارةٍ ممزوجةٍ بإعجابٍ موجع أنّ روائيّي أميركا اللاتينيّة «أصحاب (بيت) الرواية. أما نحن الآخرون فنجرّب فيها بين حينٍ وآخر، نحن مستأجِرون.» خمسة عشر عامًا تكفي لقلب المعادلة بأسرها. تضاعفت لعنة «البست سِلر» مع ظهور «نتفلكس» وأخواتها حين باتت المحكّ الأكبر في فرض بوصلة الأدب. الأدهى أنّ الأمر ليس مقصورًا على الأدب الأميركيّ فقط، بل امتدّ التأثير ليشمل حتّى أدب أميركا اللاتينيّة الذي كان يتباهى بمردته الذين لا سبيل إلى منافستهم. عربيًا، كان أدب أميركا اللاتينيّة يعني علامة جودة حتميّة بوجود صالح علماني. رحل علماني، وظهر مترجمون آخرون لا يقلّون أهميّة عنه، بل لعلّهم أوسع اطّلاعًا، وأشدّ نشاطًا (نعم، كنّا نعدّ الأمر مستحيلًا)، والأهم أنّهم أنصع عربيّةً، وأشدّ حذرًا حيال مسخ أساليب الكتّاب المتنوّعة، ولكنّ الأدب تغيَّر. مارك جمال أحد علامات الجودة الأحدث اليوم، خصوصًا وهو يمتلك برتغاليّةً تضاهي إسبانيّته. لكنّ لعلامة الجودة جانبها السلبيّ حين يُضطر المترجم إلى ترجمة أعمال متفاوتة المستوى، لا من ناحية الترجمة بل من ناحية الكتابة في ذاتها. ولذا يبدو جمال، أحيانًا، أهمّ من ترجماته، مثله في هذا مثل معاوية عبد المجيد عن الإيطاليّة. ولكنّ المرء لا يحلم بروائيٍّ من مستوى إيتالو سفيفو أو ماتشادو دي أسيس كلّ يوم، ولا يودّ - حتمًا - أن يعيش المترجمون الممتازون على الكفاف في ظل ظروف النّشر السيئة. لا بدّ من أعمال أقل مستوى من الأعمال العظيمة، ولا بدّ لمطحنة النّشر أن تواصل عملها.

تُقرأ رواية «روساريو» للكولومبيّ خورخي فرانكو (دار «ممدوح عدوان» ومنشورات «سرد») ضمن هذه العدسة تحديدًا. رواية تضمّ جميع التوابل اللازمة للانتشار: المخدرات، الجنس، المرأة المغوية، العنف، من دون أن يكون صاحبها بارعًا بما يكفي لضبط مستوى الرواية كيلا تنزلق إلى مستوى «أفلام B». لا تخلو الحياة من هذه التوابل بطبيعة الحال، بل لعلّها تنزلق شيئًا فشيئًا لتصبح هذه المظاهر الهامشيّة هي المتن، إلا أنّ الكتابة عن هذه المظاهر تفترض عينًا واعية تُحاذر الوقوع في مطبّ التوصيف من أجل التوصيف، أو الإثارة من أجل الإثارة. الكليشيهات سيّدة الموقف في هذه الرواية القصيرة التي كان يمكن لها أن تكون أفضل. معظم مشاهدها مُصطنعة وكأنّها مسروقة من صورةٍ عن الحياة، لا مستمدّة من الحياة في ذاتها. يظنّ القارئ للوهلة الأولى أنّ الارتباك الذي يسم السّرد خدعة سرديّة يستند فيها الكاتب إلى راوٍ غير موثوق به، وإلى شخصيّات غامضة، وإلى تداعيات ذاكرة فوضويّة، إلا أنّ واقع الحال يتكشّف بعد منتصف الرواية حين تتمرّد الشخصيّات على كاتبها، ويبدأ تخبُّط وتكرار لا ينقذنا منه حتّى روساريو نفسها التي هي بحقّ سيّدة روايتها.

تُذكّرنا روساريو بشخصيّة أنثويّة أخرى هي بلانش دوبوا في مسرحيّة تِنِسي وليمز «عربة تُسمّى الرغبة». كلتا المرأتين منذورتان للموت، أو ربّما مخلوقتان للموت في دنيا تتلاحم فيها دوافع الحياة والجنس والموت، إلا أنّ الفوارق كبيرة، لا بين الشخصيّتين بقدر ما هي بين الكاتبين. وليمز أعمق بما لا يُقاس، ولذا لم تتمكّن بلانش رغم بهائها السّاطع من سرقة الأضواء من الشخصيّات الأخرى أو من سرقة المسرحيّة من كاتبها، حتّى لو افترضنا وجود تماهٍ مُغوٍ بين وليمز وبلانش. ربّما كانت دوّامة شخصيّة روساريو أعمق وأشدّ انحدارًا لأنّ روساريو ابنة تلك الطّبقة المسحوقة التي لا سبيل إلى كسب اعتراف الطبقات الأخرى بها إلا بالعنف، إلا أنّ تلك الدوّامة ابتلعت فرانكو بقدر ما ابتلعت عشّاق روساريو الكثيرين. لا تتوق روساريو إلى الحب أو إلى استعادة الماضي، كما هي حال بلانش، إذ تدرك أنّ حياتها، مواصلة حياتها، لا تعني إلا تدمير الآخرين حتّى لو كانوا عشّاقًا. الحب يعني الدمار في دنيا روساريو. لعلّه كذلك أيضًا في دنيا بلانش، إلا أنّ بلانش أقرب إلى فراشة واهمة تظنّ النّور منجاةً فتحترق قبل أن تدرك الحقيقة. روساريو أقرب إلى ليليت التي تولد وتعيش وتستمدّ حياتها وتموت (أو ربّما لا تموت برغم موتها الظاهريّ) حين تلتهم الآخرين، القريبين قبل البعيدين، الأحباب قبل الكارهين، العشّاق قبل الأعداء. لعلّ هذا التّشابه محض تأويل شخصيّ حين قرأتُ عبارة روساريو التي تنتبه فيها إلى تلاحم كلمتي «الموت» (muerte) و«البَخْت» أو «النّصيب» (suerte). كنتُ قد انتبهت إلى هذا التّلاحم قبل أن أقرأ «روساريو»، حين كتبتُ عن بلانش التي تدرك هذا التّلاحم نفسه، وتُدمَّر بسببه. إلا أنّ روساريو لا تُدمَّر بسببه بقدر ما تكون هي - أيضًا - سببًا في دمارها الشخصيّ.

«وهناك تَقِرُّ ليليت، وتجد لنفسها مكانًا مريحًا»، كما نجد في «سِفر أشعيا»، وكما نجد في روساريو التي تمثّل تجسّد ليليت الكولومبيّ. تظهر ليليت بين الخرائب وفي العتمة محاطةً بالضّواري في مدينة أدوم التي سخط عليها الربّ وامتلأ سيفه دمًا من أنقاضها. روساريو ابنة مدينةٍ أخرى، بل عالمٍ كامل، يشبه أدوم، بل ربّما تضخّمت فيه أدوم لتصبح العالم بأسره. عالم من العنف والدم والضّواري والمخدّرات والجنس تظنّ روساريو أنّه مكانها، وأنّها ستجد فيه مكانًا مريحًا مثل ليليت لمجرّد أنّها كانت أقوى من غيرها، أو قضت على معظم أعدائها، أو حملت اسم «المقص»، إلا أنّ تلك العوالم كانت وما تزال محكومةً بالذّكورة، كما هي حال رواية فرانكو التي ترسم شخصيّة روساريو بعدسة الذّكور. لن نعرف أفكار وأحلام وذكريات روساريو الفعليّة لأنّها - برغم شخصيّتها الطاغية المرعبة - لم تحظ بفرصة التّعبير عن نفسها، بل بقيت أسيرة كليشيهات عشّاقها وكاتبها. لن نعرفها إلا حين نحاول تأويلها؛ حين نختلس التّفاصيل المبعثرة التي غفل عنها الكاتب وأبطاله الفحول؛ حين نقارن روساريو بغيرها. وهذه المقارنة تعني بالضّرورة ضعفًا في رواية فرانكو التي لا تقوى على الصّمود وحدها، حتّى بالاعتماد على عكّاز تهليل غارسيا ماركيس حين «مرَّر شعلته» إلى فرانكو. لعلّ تلك الشّعلة خبت، أو ربّما كانت عيوننا قد ضعفت ولا تتنبّه إلا لضوءٍ ساطع لا يبدو فرانكو قادرًا على خلقه. رواية «روساريو» ممتعة، سريعة، جيّدة. ولكن لا بدّ من إضافة «فقط» هنا. هي الرواية التي ترجمها غريغري راباسا، عرّاب أدب الـ (Boom) في الترجمات الإنكليزيّة، وترجمها مارك جمال إلى العربيّة، غير أنّ ذاكرتنا ستُرفِق دومًا اسم راباسا مع كورتاسار وماركيس، واسم مارك جمال مع دي أسيس وخوسيه ثيلا، وليس مع خورخي فرانكو حتّى وهو خالق روساريو.         


Share:

Saturday, February 20, 2021

حسن سامي يوسف: رسالة إلى ما فقدنا

 


 

 

  

 

انقرضت الرسائل من حياتنا الواقعيّة حيث تغوُّل وسائل التواصل. أو لعلّها أوشكت على الانقراض لصالح «التشات» الذي يعني ببساطة أنّ زمن الاسترسال والاستطراد والبوح قد انتهى، وبدأ زمن الرسائل البرقيّة القصيرة التي جعلت حياتنا أشبه بشريط الأخبار العاجلة في الشاشات. بل إنّ الرسائل لم تشكِّل عنصراً هاماً في أعمالنا الأدبيّة، في مقابل المونولوغات. وكأنّ التواصل قد انقطع حتّى قبل وصول وسائل «التواصل». قمنا بركن الرسائل في خزانة الذاكرة البعيدة بجانب الورقة والقلم والشّطب. باتت حياتنا ورقةً بيضاء نظيفة لا شوائب فيها؛ فقرات سريعة متلاحقة مسحوبة الدّسم مثل الملفّات الحكوميّة. كنّا نظنّ أنّ الرسائل انقرضت بعد أن طردناها من أبوابنا، إلا أنّ حسن سامي يوسف استعادها من الشبّاك وألقاها أمام أعيننا كي ندرك ما فقدنا. يعود حسن سامي يوسف برسالة أخرى، إلى سيدرا هذه المرة، بعد رسالته المذهلة إلى فاطمة قبل 25 عاماً. يعود بسيناريو روائيّ أكثر من كونه رواية سينمائيّة. يعود بعمل ضخم بالمقارنة مع الروايات القصيرة التي باتت الجنس المفضَّل في الكتابة وفي الترجمة. يعود بعمله الأحدث «على رصيف العُمْر» (دار «ورد»)، بعد أن كان قد شرَّح «عتبة الألم» روائيّاً، وكتب مجموعة من أعظم السيناريوهات التلفزيونيّة السوريّة والعربيّة منفرداً، وإلى جانب شريكه نجيب نصير. يعود يوسف بمسلسل روائيّ مكتوب، وهو الذي يتميّز بطريقةٍ متفرّدة في كتابة السيناريو، حيث ينفر من الجداول المعتادة في تقسيم الحياة إلى خانات، بل يكتب - كما يفكّر - في تدفّق لغويّ مُبهر من فرط تفاصيله الدقيقة الحارقة المؤلمة.

لعلّ أول سؤال سيطرحه قارئ «على رصيف العمر»: هل هذه رواية؟ السؤال صحيح جزئياً لأنّ هذه الرواية لا تشبه جحافل الروايات التي اجتاحتنا في السنوات الأخيرة. على أنّ متابع مسيرة يوسف الروائيّة لن يكترث لهذا التّصنيف، ولن يتوقّف عنده طويلاً لأنّ هذه الرواية امتدادٌ لكتابين سابقين يصدق عليهما السؤال بدرجة أكبر. لم تكن «عتبة الألم» رواية بالمعنى الصارم للتصنيف، وكذا الأمر بالنّسبة إلى «هموم الدراما» («الدرامة» كما يفضّل يوسف تهجئة الكلمة) التي أدرجها يوسف ضمن أعماله الروائيّة مع أنّها نُشرت ضمن سلسلة «الفن السابع» التي تصدرها المؤسسة العامة للسينما. كانت «هموم الدراما» أقرب إلى يوميات سينارست يحاول فهم معنى الدراما وتقديمها يصيغة مبتكرة إلى القارئ العاديّ مستنداً إلى حياته الشخصيّة وتفاصيله اليوميّة، فيما افترقتْ عنها «عتبة الألم» في كونها يوميات كاتب بات يتساءل عن جدوى السيناريو والكتابة بأسرها في زمن الاشتباكات اليوميّة الدّامية، مع حفاظه على إيقاع السيرة الذاتيّة. تبدو «على رصيف العمر» تكملةً للعملين السابقين، ولكنّها تنأى عن السيرة الذاتيّة الصريحة، وترتدي قناعاً - ولو هشّاً - في تقديمها «بطلاً» آخر لا يشبه كاتبه للوهلة الأولى، إذ هو أصغر سناً وأغزر نتاجاً، ولكنّه أقرب إلى «پورتريه للكاتب في صباه» وفي شبابه، ولكنْ ضمن سياق الحياة التي يعيشها الكاتب الكهل فعلياً.

قراءةُ «على رصيف العمر» ضمن سياق الجزءين الأول والثاني من هذه الثلاثيّة (الرباعيّة، لو أضفنا «رسالة إلى فاطمة») ضروريٌّ لفهم العمل الأحدث أكثر، من دون أن يعني هذا أنّها ليست رواية مستقلّة منفردة. الهموم ذاتها، وإنْ اختلفت السّياقات. كان أكبر هموم بطل «رسالة إلى فاطمة» و«هموم الدراما» تصوير مدة قدرة الكاتب، أيّ كاتب، وبراعته في التّحايل على المحظورات والرقابة، وفي التركيز على ماهيّة الكتابة حيث لا بدّ للكاتب فيها من احترام نفسه واحترام قارئه بصرف النّظر عن سقف الرقابة الخانق، وفي تقديم عمل يُشرِّح الشَّجَن ويحتفي به: شجن الحب والحنين والبعد والقرب والعلاقات المركّبة الهشّة في آن. غير أنّ المحظورات باتت أشرس في السنوات الأخيرة، لذا تسلَّلت نبرة غاضبة لم يعهدها قارئ أعمال يوسف الأقدم. بات يوسف (وأبطاله، أكانوا صورةً صريحةً أم قناعاً له) أمام اختبارات قاسية تلامس جوهر الهويّة في ذاتها. ما معنى أن تكون فلسطينياً في سوريا؟ («عتبة الألم»)، وما معنى أن تكون «رمادياً» في سوريا الاستقطابات الحادة؟ («على رصيف العمر»). قد تبدو القضيّة الأولى أكثر إيلاماً وأهميّة، حين تبرز القيود والحدود والجدران بكلّ فجاجةٍ أمام الكاتب الفلسطينيّ الذي يُضطر إلى مواجهتها ولعب دور الدفاع عن ذاته التي لا يمكن له، ولا لغيره، تقديم تعريف بسيط لها. أن تكون خارجياً، لامنتمياً، فيما أنت داخليٌّ عميق الانتماء في آن. بيد أنّ القضيّة الثانية أقسى، على الأخص حين يُغفِل يوسف عمداً الإشارة إلى هويّة مركَّبة لبطله الذي أمسى هذه المرة سورياً «صرفاً»، من دون أن يعني هذا انخفاض ضغوط الهويّة والكينونة ومعنى الوجود في بلادٍ يبرع أبناؤها في ابتكار التّصنيفات وتشييد الجدران العازلة.

ألقى يوسف ببطله أمجد، في «على رصيف العمر»، إلى حافّة الحدود «الرماديّة»، وحافّة الحدود الهشّة بين التّصنيفات. هو ابن العشوائيّات وبات ابناً لأغنياء الطبقة الوسطى، سينارست تلفزيونيّ حيث لا معنى للكتابة بلا تسويات ومساومات، وكاتب روائيّ لا وجود للتسويات في ذهنه، ابنٌ للطمات الموت المتلاحقة وعاشق للحياة التي يتمنّى عيشها بثمالتها، ابن لعلاقات الماضي وابن لعزلة الحاضر، والأهم، ابن لنساء كثيرات أسهمن ويسهمن في تكوينه وابن لنفسه وحدها في محاولاته الدائمة للتخلّص من أطياف الأنوثة التي تطوّقه ولا يُطيق فراقها. أما ضمن السياق السياسيّ، فهو العائش في وهم امتلاك هويّة مُسلَّم بوجودها وبماهيّتها، فيما هو مضطر يومياً، بل وفي كلّ لحظة من لحظات حياته، إلى تقديم كشف حساب لإعادة تكوين ماهية هويّته تبعاً لشروط التّحقيقات التّشكيكيّة التي يهواها السوريّون ويبرعون في ابتكار أسئلتها. أنت متَّهم في هويّتك حين تبقى طليقاً يما يقبع الآلاف في المعتقلات، وحين تبقى حياً فيما يُقتَل عشرات الآلاف قتلاً وقصفاً، وحين تكتب عن هموم شخصيّة في ظل جيوش الكتّاب العسكر حيث لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، وحين تُجاهر بحبّ الحياة - أو بحبّ تفاصيل منها - فيما يتباهى الجميع بسموّ الركض نحو الموت. ولذا لا مفرّ إلا إلى الذاكرة، وإلى محاولة خلق حياة موازية. من هنا بالذات، يتّضح للقارئ بهاء صور الماضي في «على رصيف العمر» في مقابل الحاضر الكالح بكلّ تفاصيله الموجعة؛ جمال الفرار إلى الخيال؛ روعة اللجوء إلى أرض الذاكرة التي لا تستلزم جواز سفر أو قوارب موت/نجاة؛ متعة الرّكون إلى الأيام التي مضت بكلّ طيشها وقسوتها وحنانها وبساطتها؛ لذّة استعادة جوهر الفنّ في كتابة البوح الهامس وسط زعيق التّوثيق، واستعادة ما فقدنا حتّى لو خيالاً، أو في رسالة تُدوَّن في غير زمنها.    

  

Share:

Friday, January 15, 2021

ألكسندر بوشكن: روسيا قبل قرنين

 


 

 

 

لو سُئل القارئ غير الروسيّ عن أعظم كاتب روسيّ سيكون الخيار محصوراً بين تولستوي ودستوييفسكي، وقد نجد مهرطقين قلائل يذكرون تشيخوف، ومجانين نادرين يحتفون بنيكولاي غوغُل. ولكنّ الغالبية العظمى من الروس لن يتردّدوا في إجابتهم الوحيدة: ألكسندر بوشكن. ليس الأمر مرتبطاً بشحّ أعمال بوشكن بالرغم من سنوات عمره القليلة، إذ يصل عدد مجلّدات بعض طبعات أعماله الكاملة بالروسيّة إلى 20 مجلداً، بل المشكلة في شحّ الترجمات لا في العربيّة وحسب (وإنْ كانت المقارنات مخجلة مع غيرها من اللغات)، بل في اللغات الأوروبيّة الأساسيّة أيضاً. ولو أضفنا تردّد المترجمين أمام صعوبة ترجمة الشّعر، وهو مجال بوشكن الأكبر، سنكون أمام حالة فريدة في الأدب العالميّ، حين تكون أعمال أعظم كاتب في لغةٍ من اللغات هي الأعمال الأقلّ وجوداً بالمقارنة مع غيره. لا يتوفّر عربياً من أعمال بوشكن إلا مختارات نثريّة، وبعض الأعمال المسرحيّة القصيرة، مع استثناء فاضح لروايته الشعريّة «يفغيني أونيغن»، ولملاحمه الشعريّة، وحتّى لأشعاره الأقصر التي لا توجد إلا بترجمات عن لغات وسيطة مع استثناء أو اثنين. ولذا ستكون أيّة ترجمة جديدة من الأصل الروسيّ لأيّ عمل من أعمال بوشكن فرصة مهمة لنا كي نقترب أكثر من الشاعر الروسيّ الأعظم الذي أسَّس للأدب الروسيّ قبل مئتي عام. ومن هنا تنبع أهميّة كتاب «ألكسندر بوشكن: يوميات ومذكّرات» الذي صدر أخيراً بترجمة محمد خميس عن دار «الرافدين»، إذ يقدّم لنا مختارات من يوميّات بوشكن في العقدين الممتدّين من عام 1815 إلى عام 1835.

لن يجد القارئ تفاصيل كثيرة عن المشهد الأدبيّ الروسيّ، إذ لا يرد اسم غوغُل إلا مرتين أو ثلاثاً، واسما جوكوفسكي وكارامزن بضع مرات. وهذا ليس غريباً، إذ كان بوشكن هو المؤسِّس الحقيقيّ للأدب الروسيّ، وكان كلُّ من قبله مراحل تمهيديّة. نلاحظ أنّ إشاراته إلى جوكوفسكي هي إشارات الصديق للصديق أكثر من كونها إشارات الشاعر للشاعر؛ أما الاحتفاء بكارامزن فكان احتفاءً بالمؤرّخ لا بالشاعر. وحده غوغُل يحظى بملاحظات نقديّة احتفائيّة تخصّ الأدب، وكأنّنا أمام رؤيا بوشكنيّة ثاقبة ستُحدِّد لنا خارطة الأدب الروسيّ بعده. يغيب ليرمونتوف عن اللوحة البوشكنيّة، ولكنّه يصغر بوشكن بخمسة عشر عاماً، ولم تكن عبقريّته قد فرضت نفسها عام 1835. على أنّنا سنجد تفاصيل أدبيّة تخص بوشكن نفسه ابتداءً بقصاصاته النثريّة وملاحظاته النقديّة الأولى حين كان طالباً في الليسيه، وليس انتهاءً بنثره البديع في وصف رحلاته المتعدّدة في سنوات المنفى وما بعدها التي كنّا نتمنّى لو طالت أكثر لنغوص في توصيفه المدهش للطبيعة الذي سيورثه لتولستوي وتورغنيف اللذين أوصلاه إلى ذروة عصيّة على البلوغ. بموازاة الطبيعة سنجد البشر، حيث يدوّن بوشكن تأمّلاته أثناء انتشار الكوليرا في روسيا عام 1831. يبدو بوشكن هنا وكأنّه يدوّن أيامنا نحن بعد قرنين حيث الناس هم الناس في تذمّراتهم واعتراضاتهم على الحجر الصحيّ، وإنْ اختلف نوع الجائحة. سيلفتنا التّطابق مع تقلّب دورات الأيام، وستصدمنا آراء بوشكن العنصريّة حيال الشركس مثلاً، كما سيستوقفنا التّناقض العجيب في أفكاره الثوريّة بين الداخل والخارج، بين اليونان التي يتوق أن تثور وتنتصر ثورتها ضد الأتراك، فيما يبدو منعدم الحماس تقريباً في روسيا، على الأخص بعد إعدام رفاقه الديسمبريّين عام 1826، بحيث تتعاظم حيرتنا مع تعاظم غموض مواقفه من القيصر، ومن السياسات الداخليّة الروسيّة.

لعلّ منبع الغموض هو خوف بوشكن من وقوع دفاتره في الأيدي الخاطئة في ظلّ الرقابة القاسية التي تُطوِّق الجميع، أياً يكن مدى أهميّتهم السياسيّة أو الأدبيّة، حيث لا عصمة إلا للقيصر. ما يهمّنا هنا هو التوصيفات التفصيليّة التي يمنحنا بوشكن إياها عن كواليس القصور والحفلات والطبقة الأرستقراطيّة. هذه التأمّلات مهمّة لا لكونها بتدوين شاهد عيان وحسب، بل أيضاً لأنّ شاهد العيان هذا هو الأديب الروسيّ الوحيد الذي تمتّع بهذه المسافة القريبة من القيصر وحاشيته. سنقرأ عن الدسائس، وعن العفن المستشري في أوساط الساسة، وعن تقلّبات الأيام والموازين بتقلّبات مزاج القيصر، وعن الأدوار الخفيّة للنساء في صنع السياسات. يُبهجنا بوشكن وكأنّه يعتذر عن غموض مواقفه، ليقدّم لنا صورةً نادرةً عن تلك السنوات البعيدة، ويقول بشيءٍ من السخرية: «سأصف كلّ شيء بالتفصيل، ولمصلحة مستقبل والتر سكوت». لم يكن سكوت سيكترث لروسيا ولتاريخها في رواياته، ولكنّ بوشكن يدرك أنّ موقعه المميَّز والفرصة النادرة التي أُتيحت له في رؤية ما لن يعرفه غيره ستنفع كثيرين آخرين غير سكوت في إعادة رسم صورة روسيا النصف الأول من القرن التاسع عشر. ولا بدّ هنا من الإشادة بحواشي المترجم الكثيرة التي تُعرّفنا بمتاهة مُدوِّخة من الأسماء الروسيّة التي لا نعرف عنها شيئاً، والتي ربّما سنعرفها أكثر فأكثر مع تعاقب الترجمات عن الروسيّة التي نشطت في العامين الماضين بسرعة مخيفة أحياناً.

لا نلمح أدنى خوف لدى بوشكن حيال مستقبله، وكأنه كان يظنّ أن العمر سيمتد به طويلاً، بالرغم من لحظات طيشه الكثيرة التي كادت تودي به. نقرأ سخريته في 9 نيسان (أبريل) عام 1821 من ضابط فرنسيّ سابق تهرّب من مبارزة معه، فنحسّ بالألم لأنّ مبارزةً أخرى ستحدث بعد 16 عاماً مع ضابط آخر لم يهرب، وسينجح في قتل بوشكن قبل أن يبلغ الأربعين. ليس الخلود بالسنوات الطويلة حتماً. هذا ما يدركه بوشكن رغم طيشه، ويُدوّنه لنا في نصّ جميل هو «حوار تخيُّليّ مع القيصر ألكسندر الأول»، حيث يبدو بوشكن دليلاً نقدياً لأعماله، حين يعاتب القيصر على الاهتمام بقصائد عابرة بالرغم من جمالها، وتناسي أعماله الأهم: «رُسلان ولودميلا»، «أسير القوقاز»، «نافورة باختشيساراي»، وحتماً «يفغيني أونيغن». أطلق بوشكن نداءه حيال أعظم أعماله قبل قرنين، ولعلّنا نراها بالعربيّة قريباً، كيلا نكرّر خطأ القيصر.

 

Share:

Friday, December 11, 2020

المغيرة الهويدي: عن مكان منسيّ وأناس منسيّين

 


 

 

إثر نشر قصة «الخوف» عام 1965، تعاملَ نجيب محفوظ معها بمبدأ «التقية»، إذ حرص على تبديد أيّ تفسير مباشر لها بشأن تغوّل الضبّاط بعد «ثورتهم» في مصر، وشدَّد على أنّها إعادة كتابة لسيرة ضابط قديم أيام زمن الفتوّات. وبعد انتهاء حُكم جمال عبد الناصر، استعادت القصة تفسيرها المباشر بتصريح محفوظ نفسه، حيث شدَّد هذه المرة على أنّ مهمة الفن لا تقتصر على «القضايا الكبرى» بل يمكن له أن يكون وسيلة لغاية، بحيث تكون القصة ردّ فعل مباشر على الأحداث حتّى لو فقدت القصة تأثيرها بانتهاء الأحداث. غير أنّ قصة «الخوف» صالحة لعصر ناصر ولغيره من العصور. ستبقى للقصة إسقاطاتها المتلائمة مع كلّ سياق لأنّها أكبر من محض وسيلة، بل هي غاية في ذاتها. تمرّدت القصة حتّى على كاتبها لتؤكّد ميزان د. هـ. لورنس الذي لا يخيب: «ثق بالحكاية لا بالفنّان».

مع اندلاع الانتفاضات العربيّة استُعيدَ الجدال الأزليّ: هل الفن وسيلة أم غاية؟ هل هو وثيقة أم عمل جماليّ؟ هل الأفضل الكتابة المباشرة أم إرجاء الكتابة إلى حين انتهاء الحدث بغية فهمه أكثر؟ وكان هذا السّجال على أشدّه لدى الكتّاب السوريّين الذين انقسموا حيال هذه الأسئلة، وفضّل الغالب الأعم منهم الكتابة المباشرة لأسباب كثيرة تبدأ بالتوثيق ولا تنتهي بالكتابة وفق أجندات المترجمين الأجانب والتمويلات الأوروبيّة. ولكنّ النتائج كانت مخيّبة، إذ لم تقدّم جديدًا للقارئ الذي بقي على تفضيله وعلى إدمانه للوسائط المباشرة من تلفزيونات وفيديوهات ومقالات، بحيث بات يمكن لهم ببساطة تصنيف أيّة رواية جديدة بوصفها «رواية أخرى عن الأحداث» من دون فوارق تُذكَر بينها. الفارق الذي تقدّمه رواية المغيرة الهويدي «قماش أسود» (منشورات «تكوين») هي أنّها لا تندرج بدقّة تحت أيٍّ من التّصنيفَيْن الكبيرين: انتهى الحدث المباشر الذي تؤرّخ له الرواية مع التّلاشي الموقّت لتنظيم داعش وسيطرته على مدينة الرقّة؛ ولكنّها – في الوقت ذاته – توثّق أحداثًا لم تنته بعد، حين انتقلت السُّلطة من يد «داعش» إلى يد «قسد». ولذا كان لا بدّ من تعامل ذكيّ مع هذا الحبل الرفيع الذي يفصل التّصنيفين. لا بدّ من رواية تحتفظ بجوهرها الفنيّ، وتقدّم قراءة موازية للأحداث في آن. وهذا ما نجح الهويدي فيه بدرجة معقولة.

انطلق الهويدي بذكاء من زاوية مهملة في الحروب: حضور المرأة. تقوم الرواية على بطلاتها النساء، فيما كان الرجال محض كومبارس صامت معظم الأحيان، بل إنّ دورهم مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالنّساء اللواتي يحرّكن أحداث الرواية في اتّجاه مناقض للأحداث الخارجيّة التي بدأها الرجال، وواصلوا إشعالها، مع فارق أنّ إنهاءها ليس في أيديهم ولا حتّى في أيدي النّساء. الجميع بيادق في رقعة الشّطرنج هذه التي تنتظر الأحجار القويّة وحركاتها الأسرع وسُلطتها الأشدّ. تتعاظم أهميّة ذكاء التقاط الزاوية حين يقدّم الهويدي جغرافيا مجهولة للقارئ السوريّ والعربيّ على السواء: مدينة الرقة التي ربّما لم تكن لتظهر على سطح الأحداث لو لم تقع في قبضة «داعش». مدينة منسيّة في شرقٍ منسيّ بقي إلى اليوم بيئة مجهولة في الرواية السوريّة التي تفضّل المدن الكبرى مسارح لأحداثها شبه المتطابقة. كان الهويدي قد بدأ لملمة تفاصيل هذا المكان، وصونه من النّسيان، في قصائده، وواصلَ لملمته الجميلة في «قماش أسود» التي كانت تسعى إلى رسم تفاصيل المكان جنبًا إلى جنب مع تفاصيل ناسه أو نسائه، أو ربما رسم تفاصيل العلاقة الجدليّة التي تربط الناس بالمكان، سواء كانوا أبناء «أصليّين» لهذا المكان أو ضيوفًا عابرين، شاءت الأحداث ترسيخهم أكثر في هذا المكان الذي سيكون مثواهم الأخير على الأغلب. كانت «قماش أسود» ستمثّل رواية سوريّة فارقة لو التفت الهويدي بدرجة أكبر إلى المكان بطبيعته وأشجاره وسمائه وطقسه المتقلّب الذي لا يفهمه إلا أبناء ذلك الشّرق السوريّ، ولو تجرأ أكثر في تقديم اللهجات المحكيّة بدلًا من الفصحى التي احتلّت فضاء الرواية وطبعته بطابع رتيب في معظم الحوارات. ما أنقذَ الرواية من الإخفاق كانت لغة الهويدي السرديّة المتقنة، وحساسيّته الرهيفة في رسم شخصيّاته النسائيّة، آسيا والحاجة زهرة على الأخص، لا البطلة نسرين. ولكنّ تلك الحساسيّة كانت خارجيّة، بمعنى تأرجح الشخصيّات بين أن تكون سيّدة نفسها وبين أن تكون شخصيّات مرتبطة بالكاتب. تبلغ الشخصيّات أبهى درجاتها حين تتملّص من الكاتب، على الأخص الحاجة زهرة التي بدأ أنّها تمرّدت على دورها الثانويّ الأصليّ، بحيث بات طيفها مخيّمًا على الثلث الأخير (الأجمل) في الرواية حتّى عند غيابها عن الحدث. وكأنّ المكان الذي هَرِمَ وتقلَّبَ بين أيدي الطغاة الرجال الشبّان تجسّدَ في الحاجة زهرة بهدوئها وصرامتها وحنانها وسطوتها في آن.

 تصل الرواية إلى ذروة جمالها في المشاهد التي ترسم اندلاع العاصفة الرعديّة المتّحدة مع اندلاع اشتباكات عنيفة تُطوِّق المخيّم. كانت الشخصيّات كلّها حائرةً خائفةً قلقةً منكسرةً باستثناء الحاجة زهرة التي بدت مثل آخر عمودٍ راسخ في المكان الذي استحال أطلالًا من الخيم المهدّمة؛ بدت الحاجة زهرة وكأنّها تضبط إيقاع الرواية بطقطقات مسبحتها بعد أن انزلق الكاتب على نحو غير مباشر إلى التوثيق. امتدّ هذا التهدّم حتّى إلى فضاء الرواية المكانيّ الذي بدا مشظّى في تفاصيل متناثرة، جميلة ولكن مبعثرة، كان يمكن لها أن تتألّق أكثر لو وثق الهويدي بنفسه وبأدواته أكثر، ولو توسّع في روايته التي كانت تحتمل عدد صفحات يقارب عدد صفحاتها الحاليّ، كي يقدّم لنا ملحمةً – ولو مصغّرة – عن مكان منسيّ، وأناس منسيّين، وتاريخ منسيّ. «قماش أسود» رواية أولى، ولذا ينبغي لنا ربما قراءتها بصرامةٍ أقل، إذ هي رواية مبشّرة بقوّة بقدوم روائيّ متمكّن بدرجة جيدة من أدواته التي سيبرع بها أكثر في الروايات القادمة التي سنترقّبها بشغف. الأهم أنّها رواية جميلة، بالرغم من تأرجحها، إذ هي رواية بِكْر بكل معنى الكلمة، في تردّدها وقلقها وبراءتها وتلعثمها، وهي حتمًا ليست «مجرد رواية سوريّة أخرى».

  


Share:

Friday, November 20, 2020

مارينا تسفيتايفا: أنا الزَّبد البحريّ الفاني

 

 


 

 

كيف لشاعرةٍ تُعرِّف نفسها بأنّها «الزَّبَد البحريّ الفاني» أن تبلغ الخلود؟ لعلّ أبلَغ الشِّعر أكذبه كما يقول العرب. هل ثمّة مُقابِل روسيّ لهذه العبارة؟ لا نعلم. ولعلّ صاحبة العبارة نفسها لا تعلم بالرغم من كونها روسيّة. عاشت مارينا تسفيتايفا عُمرها كلّه في تأرجحٍ مؤلمٍ بين أن تكون البحر وأن تكون الزَّبَد. هي تدرك حتماً أنّ الزَّبد ليس للشعراء؛ ليس للشعراء الخالدين بطبيعة الحال. غير أنّها تُراوِد الفناء منذ مراهقتها التي شهدت ولادة بواكير أشعارها، تُراوِد الفناء كي تنال الخلود. تُباغتنا تلك المراودة الحارقة منذ القصائد الأولى التي نقرؤها في كتاب «بعضُ حياةٍ وشعر» الذي صدر أخيراً عن دار «التّكوين» بترجمة نوفل نيّوف الرّهيفة كما عوّدنا دوماً. تُباغِتنا المراودة التي تبوح بها ابنة السابعة عشرة: «يا إلهي ... أنتَ مَنْ وهَبْتَني طفولةً أفضلَ من خرافة/ هَبْني الموتَ في السابعة عشرة». هُراء مراهقة؟ لا، أبداً؛ إذ نعلم من اعترافات تسفيتايفا نفسها قبل انتحارها بعامين أنّ كلَّ ما أحبَّتْه، أحبَّته قبل السابعة، وأنّ كلَّ ما يعنيها ويمنحُ وجودَها قيمةً وأهميّةً كان قبل السابعة: اللعب بالشِّعر قبل أن تُدرك ماهيّة الشِّعر؛ اللعب باللغات (التي كانت تتحدّث ثلاثاً منها قبل السابعة) قبل أن تُدرِك بلاغة اللغة. استجاب الله لأمنيتها بعد أكثر من ثلاثين عاماً، فوهَبَها الموت انتحاراً وهي في التاسعة والأربعين، بعد أن فقدَتْ أحبّاءها كلّهم موتاً ومنفى وبُعداً، زوجاً وعشاقاً وأطفالاً وأهلاً وأصدقاء، وبعد أن خبتْ شمسُها الشِّعريّة وكادتْ تأفل، لتعود كما كانت تُحبّ أن تكون على الدوام: «ظلّاً لظلّ»، من دون أن تنتبه إلى مفارقة أنّ الأضواء الساطعة التي سعتْ هي بكلّ إرادتها على مدار أكثر من عقدين كي تعيش تحتها، ستُبدّد الظّلال، وستُبدِّد كينونتها في آن. ولم تظفر بكينونتها من جديد إلا في العتمة الصقيعيّة التي شهدت أنفاسها الأخيرة في روسيا البلاشفة الذين ما أحبَّتْهم مارينا يوماً، وما استساغها البلاشفة يوماً. حياة مفارقات موجعة؛ حياة ظلال دائمة، منذ كانت روسيا قيصريّةً، وحتّى حين رحلت تسفيتايفا إلى المنافي، وحتّى بعدما أُرغِمت على العودة إلى روسيا التي تغيّرتْ وحاربتْ كلَّ مَنْ بقي على عناده القديم. كانت تسفيتايفا تعيش في المنفى على الدوام، حتّى حين ظنّت أنّها ستصبح الملكة الجديدة المتوَّجة على عرش «العصر الفضيّ» للشِعر الروسيّ. كانت ظلّاً في البلاد، وظلّاً في المنفى.

ينقسم كتاب «بعضُ حياةٍ وشعر» إلى قسمين، كما يُومئ عنوانه: «بعض حياة»، و«بعض شعر». تسبقهما مقدّمة ضافية من المترجم، ويليهما ملحقان أوّلهما يضم مقتطفات من دفاتر يوميّات تسفيتايفا، وثانيهما يقدّم قصّة مهمّة للقاءين بين أكبر شاعرتين عرفتهما روسيا: آنا أخماتوفا و مارينا تسفيتايفا، اعتمد فيها المترجم على مراجع عديدة، من كتب سيرة ورسائل ويوميات، لا يتوفّر معظمها كاملاً إلا في الروسيّة، ليذكّرنا – ولو على نحو غير مقصود – بأنّ الترجمة عن اللغة الأصليّة، نصوصاً إبداعيّة أم لا، ستفقد الكثير حين تُتَرجم عن لغات وسيطة كما نُبْتلى في الغالب الأعم من الترجمات، لا سيما عن الروسيّة التي نكاد لا نعرف عن أدبها شيئاً بخلاف أدب «العصر الذهبيّ» في القرن التاسع عشر. تمنحنا المقدّمة والملحقان مفاتيح كثيرة مهمة لقراءة قصائد تسفيتايفا التي لا تنفصل حياتها عن قصائدها: طفولتها المتفرّدة، مراهقتها الغارقة في الشِّعر، بدايات شهرتها في روسيا، ومن ثمّ في المنفى، أفول بريق أضواء الشهرة شيئاً فشيئاً بالتّزامن مع تباعد الصداقات الشّحيحة أساساً. كلّ هذا بالتّوازي مع الحياة الأعم حيث التأثيرات الثقافيّة الروسيّة والأوروبيّة (الفرنسيّة والألمانيّة على الأخص)، والتأثيرات السياسيّة المتلاحقة التي غيّرت خارطة روسيا عسكرياً وسياسياً واجتماعياً وثقافياً. ما عادت روسيا بلادَ العصر الذهبيّ الذي طبع أوروبا والعالم بطابعه المميَّز، وما عادت حتّى روسيا القائمة على التّنافسات الثقافيّة بين المدارس الأدبيّة، أكانت تنافسات بين أعظم مدينتين: موسكو وبطرسبورغ، أم بين التيّارات الأدبيّة العظيمة حيث كلّ كاتب وشاعر كونٌ بحاله لا يشبه أحداً سواه. باتت روسيا فريسة انقسامات سياسيّة أقسى لم تعد مقتصرة على ثنائيّة الداخل والمنفى، بل تسلّلت إلى كلّ شيء كي تنسف التفرّدات والصداقات والتّنافسات، كما حدث في ألمانيا في حقبة النازيّة لاحقاً، وكما سيحدث في أميركا المكارثيّة، وكما حدث ويحدث وسيحدث في منطقتنا الملعونة دوماً، بربيع أم بغير ربيع، بدكتاتوريات عسكريّة أم مدنيّة.

تضمّ المختارات الشعريّة 71 قصيدة كاملة أو مجتزأة كتبتها تسفيتايفا من عمر السابعة عشرة عام 1908 وصولاً إلى انتحارها عام 1941، ويضمّ القسم النثريّ مقتطفات من يوميات تسفيتايفا من عامي 1917 و1919 قُبيل رحيلها إلى المنفى. يبدو النّثر أبهى لديها، ربّما لأنّه أوضح أو أكثر حميميّة أو أكثر شمولاً من القصائد. نتعرّف في النّثر إلى عقل وقلب تسفيتايفا من دون ذلك الفصل التعسّفيّ الذي نظنّ وجوده بينهما. تكتب بقلبها، لا بالمعنى الدارج حيث جموح العواطف، بل بمعنى الرهافة التي ترسم حدود علاقتها باللغة وبالعالم وبالشعر حتّى حين تكتب نثراً، حيث الشعر هو الجسد وهو الروح، وهو البلاد وهو المنفى، وهو العشق الذي لا تهدأ جذوته، أكان عشقاً لزوجها أو عشّاقها أو شعرائها من ريلكه إلى باسترناك شخصاً وقصائد. لا نستشعر هذه الحميميّة في القصائد، ربّما بسبب غموضها أحياناً، وربّما لأنّها قليلة أو مجتزأة في معظمها. يتعاظم هذا الإحساس حين نقرأ الملحق الذي نجدها فيه وجهاً لوجه مع منافستها الأعظم آنا أخماتوفا. يتشارك القارئ مع أخماتوفا تردّده حيال قصائد تسفيتايفا، ولعلّ هذا لأنّنا نعرف أخماتوفا أكثر (من ناحية الكم على الأقل)، أو لأنّ بهاء أيّة شاعرة، مهما علا شأنها، سيخفت في مواجهة ضوء أخماتوفا الحارق. هذا قَدَر من يولد في زمن عبقريّةٍ طاغية، كما هو قَدَر أبي فراس حين زامَنَ المتنبّي. غير أنّ عبقريّة أبي فراس تتألّق حين لا يشبه المتنبي، وكذا هي عبقريّة تسفيتايفا التي تتّقد حين تكون هي هي، بحميميتها وعزلتها ودنيا ظلالها، وفي دفاترها التي لن تستغني عنها، حيث «الكتابة-العيش»، حيث الحياة هي الشعر والشعر هو الحياة، حيث التّوق الدائم لما لا يكون، حيث الحب هو الموت لدى تسفيتايفا التي تعرف نفسها أكثر مما ينبغي ربّما، ولذا احترقت قبل الأوان، حين انتحرت، «لا لأنّ الحال سيئة هنا، إنّما لأنّها جيّدة هناك»، أياً، وحيثما، وأينما، تكن تلك الـ «هناك».

Share:

Friday, October 2, 2020

خورخي لويس بورخس: الإنكليزيّ الذي لم يكن

 


 

 

لا سبيل إلى الإحاطة ببورخس، إذ يدرك القارئ أنّ كل ما يحتاج إليه هو نص واحد من نصوصه ليغرق في رماله المتحركة التي لا فكاك منها. ليست مياه كمياه إدغر آلن بو قبله أو إيتالو كالفينو بعده، بل رمال متحركة لا تختلف عن الرمال المحيطة بها، ولكنّك لن تميّز تفرّدها إلا عند الغرق. تبقى آثار الرمال حتى بوجود فلاتر الترجمة التي كانت وسيلة معظمنا للدخول إلى متاهاته. لا نعلم ما إذا كانت قراءته بالإسبانيّة أجمل من قراءته مترجَماً لأنّه أعظم مَنْ منح الترجمة مكانة أسمى من الكتابة، ليسدّد ضربته القاضية في دَيْن مؤجَّل إلى ثربانتس الذي حَكَمَ على الترجمة بأنّها لن تكون أكثر من ظل باهت، ولكنّ بورخس أمكر، حين أدرك روعة الظلال التي تكون أبهى من الأشياء. ولذا لم يتردّد في تصويب رصاصاته الذكيّة الصائبة إلى ثربانتس ولو بعد قرون طويلة حين كتب عن نفسه وعن ثربانتس وعن «كيخوته» وعن مغامرة القراءة التي باتت مقترنةً باسم بورخس على الدوام، هو والفردوس/المكتبة. ليست تلك رصاصته الوحيدة. إذ منحنا ما يقرب من مئة صفحة من الرصاص المتلاحق الذي يرسم حياته في كتاب «هوامش سيرة» الذي ترجمه لنا سنان أنطون وصدر أخيراً عن منشورات الجمل. صدر الكتيّب عام 1970 بمثابة تمهيد لطبعة أعماله الكاملة، وإنْ بات عملاً مستقلاً تنفصل فيه المقدّمة عن المتن وتبقى متّصلةً به في آن.

رصاصات متلاحقة من العبقريّ الذي انتقى مساره واعياً ولاواعياً بعيداً من مسار عائلتيه العسكريّتَيْن، وبقي يشعر بعار الفراق عن «المصير الملحميّ» إلى أن بلغ الثلاثين وأدرك أنّ ذلك المصير الملحميّ الذي تُسبغه الآلهة لا يلائمه لأنّه سيلوي أعناق المصائر والملحميّة ليكون هو هو، بلا آثار المعارك التي رسمت تاريخ عائلتيه مختلطتَيْ الجنسيّات، بل أوغل في الابتعاد إلى درجة تحويل الملاحم إلى مفارقات لغويّة باتت هي ملحمته الأثيرة، حين يبدأ كلامه عن سيرة حياته بتذكّر أنّ الشركة التي قُتل جدّه برصاصاتها هي ذاتها التي أنتجت شفرات الحلاقة التي يبدأ بها الحفيد يومه. المعامل ذاتها أنتجت سلعتين مختلفتين، ورسمت مصيرين مختلفين لبورخسَيْن متناقضين. لا نجد حضوراً واعياً لوليم فوكنر في أعمال بورخس، على أنّ أسلوب تدوينه لمفارقات العائلة فوكنريّ حتّى النخاع إذ تتناوب المشاهد التي سترسم مصائر الأجداد والأحفاد، وإنْ كان فوكنر قد تورّط في جحيم الحروب التي لم يعرفها بورخس.

ولكن مع انتهاء الطفولة، تملَّص بورخس بذكاء من فوكنر ليكتب مراهقته وصباه بمسارات أخرى لا يربط بينها وبين فوكنر إلا اللغة الإنكليزيّة (فليغفر لنا الأميركيّون الذين يصرّون على أنّ لغتهم لغة مستقلة) التي شكّلت جذر بورخس اللغويّ الفعليّ أكثر حتى من الإسبانيّة التي كان يُفترَض بها أن تكون لغته الأم. لم نظفر بأعمال إنكليزيّة لبورخس الذي أبقاها لبعض التمهيدات الموجزة لترجمات أعماله، فيما باتت الإسبانيّة قَدَره الذي لم يستسغه بدايةً ولكنّه مضى فيه راضياً وإنْ بأسلوب إنكليزيّ لا تخطئه العين المدقّقة. ولم ينج من هذه العدسة الإنكليزيّة التي يقرأ بها بورخس حتّى ثربانتس أعظم الكتّاب بالإسبانيّة صاحب أعظم عمل بالإسبانيّة: رواية «كيخوته» التي أسبغ عليها بورخس أعظم وأردأ حُكم أدبيّ حين بدت له «وكأنّها ترجمة رديئة». لم يصرّج بورخس باللغة التي بدت «كيخوته» مترجمةً منها ولكنّها الإنكليزيّة حتماً. حُكمٌ لم يكن ثربانتس ليبتهج به طبعاً، ولكنّه حكم لم يكن ليُضلّل بورخس عن جوهر عظمة «كيخوته»، أم الروايات وأعظم رواية لا تشبه الروايات في آن، حين قرأها بورخس كما يقرأ كل شيء: بوصفه مزيجاً مُحكَماً من القصة القصيرة والمقالة.

واصلت الإنكليزيّة حضورها عند بورخس منذ الطفولة إلى الشيخوخة، حتى في سنوات الدراسة التي كانت باللاتينيّة والفرنسيّة، حيث بقيت الإنكليزيّة في الظل الذي يرتاح فيه بورخس أكثر من الأضواء المباشرة. اللافت أنّه تعاملَ مع الإنكليزيّة، على عكس الغالب الأعم من متحدّثيها أو حتّى متابعي الأدب المكتوب بها؛ بدأ بورخس من الأضواء واستقرّ في الظل: بدأ بأوسكر وايلد وفوكنر وفرجنيا وولف وشيكسبير ولكنّه استقر في النهاية في هامش الأدب الإنكليزيّ كما في أعمال تشسترتن وآلن بو وفي قصص هنري جيمس، إلى أن بدأ رحلته العجيبة رجوعاً إلى الإنكليزيّة الوسيطة والقديمة التي كانت أشبه برحلة إلى الجذور الخفيّة التي طغت عليها شجرة الإسبانيّة التي لم تكن لتغريه بتطويبها وتطويب أدبها في المكانة الأسمى التي أبقاها للإنكليزيّة ولأدبها «الأغنى في العالم». ولكن أيّ أدب ذاك؟ ليس الأدب الذي يُدَرَّس أكاديمياً في تأريخ جاف ينفر منه حتّى عشّاق اللغة، بل ذلك الأدب المنسيّ الذي كان وما زال وسيبقى أدباً صعب المنال حتّى لو حكمت الموضة الأدبيّة باستعادته موقّتاً، كمقالات تومس دي كوينسي وتومس براون، وقصائد والت وتمن الذي رآه بورخس «الشاعر الأوحد».

لا يصرّح بورخس بمشاعره حيال ترجمة أعماله إلى الإنكليزيّة، ولكنّنا ندرك من كتب أخرى أنّها التجربة الأعظم في حياته حيث أُتيح له العمل على نصوصه مرتين: مرة بالإسبانيّة، وثانية بالإنكليزيّة التي كان الشريك الدائم فيها لمترجمه دي جيوفاني. اللافت أنّ الظل المنعش الذي كرّسه بورخس للإنكليزيّة انقلب إلى أضواء ساطعة معاكسة حين كانت الإنكليزيّة بوابة عبور بورخس إلى «العالميّة» وإلى الشهرة، أكان هذا في ترجمة أعماله، أو في حضوره أستاذاً زائراً في جامعات أميركيّة يُدرِّس فيها الأدب الأرجنتينيّ من دون أن يتخلّى عن عشقه في دراسة الإنكليزيّة القديمة. لم تغيّر هذه الشهرة الحارقة بورخس، لا لأنّه عصيّ على الاحتراق، بل لأنّه يعرف نفسه، ويدرك لعنة الشهرة التي يماهي بينها وبين العمى حين هاجماه بالتوازي، ويُبدي إيقاناً مدهشاً بأنّها لن تعني الكاتب الذي بدأ اللعب متأخّراً بعد أن غادرته أوهام الشباب، أو الكاتب الشيخ الذي يشير صراحة إلى أنّ أهم أعماله باتت وراء ظهره وأنّه لن يكتب أعمالاً أهم منها. لن يتوقّف عن الكتابة حتماً، بل سيبحث عن طمأنينة الوصول بعد تلك الحياة الحافلة. يختم بورخس كتابه القصير بتمنٍّ مفرط في التفاؤل والألم في أن «يُحِبّ ويُحَبّ» كي تكتمل طمأنينته المنشودة، ولكنّنا ندرك أنّ الطمأنينة ستبقى مشوبةً بالحسرة حتّى لو تحقّقت الأماني، إذ ستبقى الأحلام؛ أحلام ذلك الأرجنتينيّ الذي لم يتخلّ عن حلمه في أن يكون إنكليزياً، ولكنّه لم يكن.     

 

Share:

Friday, August 14, 2020

أحمد مراد: اللعب بعجينة الكتابة






شكّلت رواية أحمد مراد «الفيل الأزرق» (2012) مفاجأةً حين وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة «بوكر العربيّة» عام 2014. كانت الرواية (وما تزال) أجرأ خيار لمحكّمي الجائزة وللقائمين عليها. فالرواية تنتمي إلى الأدب غير المعترف به في «جنّة» الجوائز والنّقد الأكاديميّ: رواية «بست سيلر» من «أدب الجانْر» الموجَّه إلى شرائح قرّاء محدَّدة لهم بوصلتهم الخاصة التي لا تتقاطع مع بوصلة الأدب السائد إلا نادراً. ولكنّ الرواية محض خيار جريء لا أكثر، إذ لا تمثّل أهميّة كبرى حتّى ضمن تيّار أدب الجانر العربيّ، بالرغم من انتشارها الهائل الذي جعل من كاتبها أحد أشهر الروائيّين المصريّين، بل العرب بالمطلق الآن. ولكنْ يبدو أنّ مراد حاول طوال سنوات كسر الخانة التي حبسته فيها الرواية، ومضى يشقّ طريقه في مسار روائيّ آخر، أصدر فيه ثلاث روايات، وصولاً إلى روايته الجديدة «لوكاندة بير الوطاويط» التي صدرت أخيراً عن دار الشروق.
أثارت الرواية الجديدة جدلاً آخر مختلفاً هذه المرة حين قُرصنت إلكترونياً لتثير عاصفة بشأن حقوق الملكيّة الفكريّة، وعاصفة أقل تتّصل بردود الأفعال التي حظيت بها الرواية، من النسف التام لكونها رواية «بست سيلر مراديّة أخرى»، إلى الحماس المبالغ فيه من قرّاء مراد المخلصين، وهم شريحة كبيرة لا يمكن لنا تجاهلها بحال من الأحوال. لستُ من المتابعين الدؤوبين لتجربة مراد الروائيّة، ولذا شكّلتْ روايته الجديدة مفاجأة صاعقة بالنّسبة إليّ إذ ما من مجال للمقارنة بينها وبين «الفيل الأزرق». بل لا ميالغة لو قلنا إنّهما تبدوان لكاتبيْن مختلفَيْن للوهلة الأولى، لمصلحة الرواية الجديدة بطبيعة الحال. رواية متقنة بدرجة كبيرة بدا فيها مراد أهدأ وأبرع في إدراكه لأدواته وحدودها، وللكتابة في ذاتها، إذ تعامل معها بوصفها لعبة ممتعة لا حدود لها، ممتعة لكاتبها قبل أن تكون ممتعة لغيره. بدا مراد محترفاً بدرجة عالية بالمقارنة مع مراد الهاوي قبل ثماني سنوات. وحتّى لو تجاهلنا مقارنته بروايته تلك، سنجد أنّ «لوكاندة بير الوطاويط» إحدى أجمل الروايات المصريّة الصادرة في السنوات الأخيرة، ولا تكاد تنافسها إلا روايات تُحصى على أصابع اليد الواحدة. رواية تلعب بالتاريخ وبالخيال وبالهذيانات وبالبارانويا وبالجنس وبالأزمنة وبالطبقات على هواها، لتقدّم لنا شخصيّة سليمان أفندي السيوفيّ، مصوّر الموتى السّائر في درب النبوّة والوحي؛ شخصيّة ستحفر مكاناً كبيراً لها بوصفها إحدى أجمل الشخصيّات الروائيّة في مشهد روائيّ لا ينشغل برسم الشخصيّات ولا يكترث بصنعة الخلق في الكتابة اكتراثاً كبيراً في ظل انشغال الروائيّين بصرعات الأدب التي تولد ميتة، وبكتالوغات الكتابة بالمسطرة.
سليمان أفندي هو الرواية. فاليوميات يومياته، والقاهرة قاهرته، والوحي وحيه، والنّساء نساؤه، واللغة لغته، والموتى موتاه. وفي ظل هذا التّطابق التام بين الرواية وبين الراوي ستعتمد قراءتنا للرواية على مدى تقبُّلنا لسليمان نفسه؛ إنْ أحببناه أحببنا الرواية، وإنْ نفرنا منه نفرنا من الرواية، وإنْ أسأنا فهمه (وهذا هو الأخطر) سنسيء فهم الرواية. لنا أن نقرأها قصةً بوليسيّةً تنوس بين الرعب والتّشويق، ولنا أن نقرأها دوامة بارانويا رائعة، ولنا أن نقرأها رواية تاريخيّة تنطلق من «التاريخ البديل» وسؤاله الأثير: «ماذا لو؟» ولا تنتهي به. غير أنّ كلّ قراءة من هذه القراءات ستمسي قراءة قاصرة إنْ أفردناها من بين القراءات الأخرى. نقطة قوة الرواية ونقطة ضعفها في آن هي أنّها مجموعة خيوط متشابكة تبدأ وتنتهي بسليمان السيوفي، وبطريقة تعامل مراد مع سليمان، وبمدى إخفاء مراد لصنعة الكتابة بحيث يخرج من المشهد تماماً ويتركه لصاحبه فقط. نجح مراد في هذا نجاحاً كبيراً، ولكنّه وقع في الفصول/اليوميات الأخيرة في فخ فصل الخيوط المتشابكة، فركّز حيناً على الجرائم، وفَصَلَ حيناً بين سليمان وبين وحيه، وأفرد حيناً آخر حيّزاً مبالغاً فيه للتفاصيل التاريخيّة، بحيث انتهت الرواية بثلاثة خيوط منفردة باهتة، فيما كان يُفترَض أن تكون خيطاً ثلاثياً متضافراً يتضاعف جماله بتضاعف تعقيده. ولكنّ اللغة المشغولة ببراعة بقيت العنصر الأجمل حتّى بعد تفكُّك الخيوط، بل لنا أن نرى أنّ نقطة التّجريب الأكبر كانت اللغة التي تضبط إيقاع السّرد الجنونيّ، وتبدو مرآة وبوصلة لتقلّبات سليمان الذي يبدو للوهلة الأولى راوياً غير موثوق به، فيما هو في حقيقة الأمر أكبر من هذا. إنّه نبيُّ لغةٍ في المقام الأول: يستنطق الموتى باللغة، ويقاوم الميلانخوليا باللغة، ويقارع عدوّه الهجين باللغة، ويضاجع باللغة، ويقتل باللغة، ويعقل باللغة ويُجنّ باللغة. اللغة لدى سليمان منبع خلق وكينونة قبل أن تكون وسيلة للكلام أو البوح أو الألم أو استعادة أحداث الماضي.   
نقرأ في قصة لكافكا بعنوان «الحقيقة بشأن سانتشو بانثا» فكرةً مدهشةً، وهي أنّ كيخوته ليس إلا شيطان وحي سانتشو الذي أطلق العنان لذلك الشيطان بإرادته ليعيش مغامراته. رواية كيخوته تبعاً لقراءة كافكا هنا تدور داخل ذهن سانتشو واقعاً وخيالاً، إنْ كان للواقع وللخيال معنى في دنيا كيخوته. وكذا الأمر في «لوكاندة بير الوطاويط» (أو ما يُفترَض أن تكون عليه الرواية ربما): جميع تفاصيل الرواية وخيوطها النبويّة والتاريخيّة والجنونيّة والإيروتيكيّة دوّامةٌ من دوّامات ذهن سليمان السيوفي. لا واقع ولا خيال، لا تاريخ ولا حاضر؛ بل لعلّنا نحن أيضاً تفاصيل ضمن خيالات سليمان المدهشة، خلقٌ آخر لهذا النبيّ الذي اختزل العالم كلّه في غرفته الفوضويّة وفي ذهنه المرعب، بحيث بات كلّ ما ومَنْ لا يوجد في ذهنه غير موجود، وكأنّه لم يكن، حتّى لو شهدتْ له أرقام وأحداث. ثمة نبيٌّ شقَّ البحر، وأنبياء أحيوا الموتى، وأنبياء أسبغوا البركة في الطعام والشراب، بينما نبوّة سليمان من جنس آخر: نبوّة ذهنيّة علقت في مرحلة الوحي ولم تغادره؛ وحي جنونيّ تتداخل فيه الأزمنة والأمكنة، والموت والحياة، والدنيا والآخرة في متاهة لغويّة آسرة. تلك هي «رسالة» سليمان أفندي السيوفي النبويّة في غرفته الرثة، ويومياته المبعثرة الناقصة التي نقلتها لنا رواية «لوكاندة بير الوطاويط» التي اختلف حولها القرّاء وسيختلفون. ليست محض هذيان كما رآها البعض إذ هي أبهى من هذا بكثير؛ وليست «تحفة» كما رآها قرّاء متحمّسون، لا لعلّة فيها وحسب بل لأنّ هذا الزمن ليس زمن تحف أدبيّة، أو على الأقل لا بدّ للتحفة من معالجة أبطأ وأهدأ وأعمق؛ وهي ليست «منزلة بين المنزلتين» أيضاً. إنّها رواية جميلة معقّدة زلقة كفخّ أزليّ؛ لا عجب أنّ خيوطها قد أفلتت حتّى من كاتبها في نهاية المطاف.     


Share:

Friday, August 7, 2020

عمر خليفة: كل شيء ولا شيء عن فلسطين






ما الذي نتكلّم عنه  حين نتكلّم عن فلسطين؟ كل شيء ولا شيء. هذا ما ينتابنا دوماً حين نفكّر بالكلام أو بالكتابة عن فلسطين. سادت العادة أن تكون فلسطين إما فوق الكلام أو تحت الكلام؛ إما أن نبالغ في الحديث عنها فتصبح عصيّة على المقارنة وعلى التعبير، أو أن نتجاهلها وكأنّها لم تكن، فيظنّ دافنوها أنّهم قد تخلّصوا منها حين سكتوا عنها. هل هي الأرقام والإحصائيّات؟ أم البشر والحجر؟ أم الماضي والحاضر؟ أم المستقبل الذي لا براء منه؟ أم هي بلاد كأيّة بلاد أخرى لا بدّ أن تبقى ضمن مستوى الكلام بلا إفراط وبلا تفريط؟ في أحد الأيام سألتُ صديقةً فلسطينيّة عن القدس: هل هي بجمال ما يُكتَب عنها أم أنّ قداستها تُعمينا عمّا سواها؟ هل نعبّر عنها بالوعي أم اللاوعي؟ كان جوابها أنّ القدس مدينة كغيرها، بصخبها وفوضاها وتلوّثها، وبهدوئها وتنظيمها وصفائها، ولكن ثمّة سر غريب فيها عجزت صديقتي عن إدراكه، وعجزتُ أنا عن إدراكه طبعاً، ولكنّي فهمته بالمقارنة مع علاقتي بالشام. مدينة كغيرها من المدن، وبلاد كغيرها من البلاد، لكنْ ثمّة ما هو أكبر. أمر يعجز عنه الكلام ولذا نخفق دوماً في التعبير عنه فنجعلها كل شيء ولا شيء.
هذا عن فلسطين، عن البلاد. ولكن ماذا عن ناسها؟ ماذا عن الفلسطينيّين؟ منهم مَنْ ولد وعاش وسيموت داخلها، ومنهم من ولد وعاش وسيموت خارجها، وبتنا نقرأ قصصهم الآن. ما معنى أن تكون فلسطينياً وأنت لا تمتلك من فلسطينيّتك إلا الهويّة، إلا تاريخ آبائك وأجدادك فيما أنت نصف فلسطينيّ في أفضل الأحوال؟ هل يكفي تاريخك ليؤكّد حاضرك، أم أنّ المياه قد جرت تحت جسور الزمن وانتهى الأمر. هذا ما يتناوله عمر خليفة في روايته الأولى «قابض الرمل» (دار الأهليّة). يتناول مسألة أن تكون فلسطينياً من الجيل الثالث؛ أن تكون حفيداً للفلسطينيّين المنكوبين فيما أنت في واقع الحال ابنٌ لبلاد أخرى شكَّلَتْكَ وشكَّلْتَها. يحاول خليفة أن يكتب عن هذا الجيل الثالث من خلال شريحة فلسطينيّين ثلاثينيّين وثلاثينيّات من الطبقة الوسطى، ولدوا ودرسوا وعملوا فيما فلسطين ليست أكثر من نبأ في التلفزيون ومواقع التواصل. هم بمنجاة من لعنات الذاكرة كما يظنّون، ولكنْ كان يكفي حدثٌ صغير عابر كي ينكأ جراحاً كانت خفيّة عليهم قبل أن تكون خفيّة على غيرهم. وكأنّ قَدَر الفلسطينيّين أن يبقوا فلسطينيّين حتّى حين يظنّون أنّهم أبناء جيل لم يكتوِ بنار الذاكرة.
تتلاقى مصائر أربعة صحفيّين حين يُكلَّفون بكتابة تحقيق عن ذاكرة عجوز فلسطينيّ عاش النّكبة ويأبى الحديث عنها. تتّسع دائرة المصائر شيئاً فشيئاً في دوّامة تبتلعهم وتبتلع شاباً آخر هو حفيد ذلك العجوز، بحيث تلاقت الأزمنة وتداخلت وتصادمت ليجرف الماضي كلّ شيء. فالنّكبة لم تكن بالنّسبة إلى هؤلاء الشّباب إلا حدثاً تاريخياً يمسّهم مساً طفيفاً إذ صودف أنّهم فلسطينيّون. بل كانوا يظنّون أن فلسطين أيضاً ليست إلا حدثاً في الماضي لا يمتّ بصلة لحاضرهم الغارق في محاولات العيش والحب والجنس والزواج والعمل. لم تكن إلا حدثاً بعيداً قد يمرّون به في فيلم وثائقيّ أو قد تتقاطع مع حيواتهم في مفارقات ساخرة، كما هي الحال مع الدبكة والهويّة واللهجة. تلك محض أقنعة لماضٍ لا يعنيهم، ولكنّ تلك الصدفة أمست لعنةً مزّقت الأقنعة كلّها ليدركوا أنّ تلك النّكبة التي رسمت تاريخ أجدادهم ولآبائهم سترسم مصائرهم هم أيضاً. وتتضاعف المفارقة حين نجد أنّ النكبة مسكوت عنها حتى لدى ذاكرة العجوز، ولكنّ ذلك المسكوت عنه والخفيّ والمُتجاهَل سيتفجّر لتطال شظاياه الجميع على اختلاف أجيالهم. يلعب عمر خليفة في منطقة حرجة ودقيقة للغاية، إذ يحاول تدوين تلك المفارقات الساخرة من دون أن يغرق أو يُغرِق شخوصه في لعنة الماضي. لا يتعامل خليفة مع شخوصه بحبٍّ أو بتقديس بل يسخر منهم كلّهم، ولكنّ تلك السخرية لن تكون جارحةً برغم قسوتها، إذ هي معجونةٌ بفهم الذات وفهم الشّخوص الأخرى، فالكاتب مثل شخوصه ضحيّة تلك المفارقات التي يدوّنها، وضحيّة صمت ذلك العجوز الذي يصمت فيجرح ويحكي فيجرح.
تتضاعف صعوبة الكتابة حين أراد خليفة الكتابة عن فلسطين وعن الفلسطينيّين مع إبقاء النّكبة خلفيّةً للأحداث. ليس التّحقيق الصحفيّ مركز الأحداث في نهاية المطاف، بل هم الشّباب الفلسطينيّون وحيواتهم المتقاطعة، في تشابهاتها وتبايناتها. نقرأ عنهم وعن تفاصيل حيواتهم قبل التّحقيق وبعده؛ فالجنس والأخطاء والبوح والصمت والقرب والبعد تفاصيل مهمة مثلها مثل جراح الذاكرة. ولكنّ هذا محض قناع آخر، إذ كان يُفترَض بالصحفيّين الأربعة وبالحفيد أن يعودوا إلى تفاصيلهم القديمة حالما أخفقَ التّحقيق، ولكنّهم وُشموا بذاكرة الأجداد، وما عاد أمامهم مفرّ من الإيغال في نكء تلك الجراح أكثر فأكثر، وفي مماهاة جراحهم الشخصيّة مع جرحهم الجمعيّ. ندرك حين نصل إلى الثلث الأخير من الرواية بانّ الثلثين الأوَّلَيْن ليسا إلا تمهيداً لما سيحدث. وكأنّ هذا التقسيم مرآة لحيوات الشّخوص أيضاً، فكلُّ تفاصيلهم قبل التّحقيق ليست إلا تمهيداً لما سيجدث لهم ومعهم أيضاً، ولذا كان الثّلثان بطيئين إلى درجة الملل أحياناً. ولكنّ خليفة يتقن نصب الفخاخ، ويبرع في كتابة المواقف المركّبة. فالبراعة، كلُّ البراعة، هي اللعب على الخيط الخفيّ بين سعي الشّخوص إلى اكتشاف سر صمت العجوز وبين سعيهم إلى اكتشاف ذواتهم؛ بين الانتقام الطائش من العجوز وبين الفضول الحارق لإتمام نقص الذاكرة. البراعة هي في اللعب على المعنى المزدوج لـ «التّداعي»: تداعي الحياة وتداعي الذاكرة. ندرك متأخرين، مثلنا مثل شخوص الرواية، بأنّ الذاكرة هي الحياة، حتّى لو كنّا أبناء جيل ثالث أو رابع أو خامس.
لا يمنح خليفة أسماء لشخوص الرواية، بل تمسي صفاتهم هويّة لهم. ولكنْ أدّى هذا التّجريد إلى طمس الفوارق بين الشّخوص أحياناً، وإلى تركيز متفاوت في رسم ملامحهم، بحيث كاد بعضهم يخرج من الصورة تماماً حين تحوَّلت دائرة الضوء إلى غيره. ربما كانت الرواية تحتمل تفصيلاً أكبر، ومعالجة أعمق لشخصيَّتَيْ القائد والمترجمة، مثلاً، بالمقارنة مع المعالجة الرهيفة لشخصيّتَيْ الخائنة والحفيد. ولكنّنا أمام رواية أولى مبشّرة للغاية، وأمام كاتب يتقن التقاط التفاصيل المركّبة التي تصوغ هويّاتنا وشخصيّاتنا بوصفنا بشراً عالقين في ذاكرتنا وذاكرة آبائنا؛ كاتب يرى الأقنعة التي نرتديها كلّنا، فيمزّقها بجرأة لنفهم أنفسنا أكثر، ونتلمّس هشاشتنا أكثر.         

Share:

Friday, July 24, 2020

إريش ماريا ريمارك: عن البشر وبيادق أخرى






لم يكن المعلّم الألمانيّ الشاب إريش ماريا ريمارك يتوقّع النجاح الساحق الذي نالته روايته «لا جديد في الغرب» (1929). وربّما لم يدرك أسباب ذلك النجاح حتّى بعد أن هدأت أصداء ذلك الانتشار. وعلى الأغلب أنّه لم يكن ليتخيَّل صمودها قرابة قرن كامل من القراءة وإعادة القراءة والترجمة وإعادة الترجمة. غير أنّنا اليوم قادرون أكثر على فهم تلك الرواية وفهم كاتبها وفهم أسباب نجاحها، بل قادرون على ترسيخ مكانتها أكثر عبر إعادة قراءتها مرات ومرات. سنُسطّح الرواية ونختزلها اختزالًا مُجحفًا لو قلنا إنّها رواية عن الحرب العالميّة الأولى، أو عن الحرب، أيّة حرب. الرواية تهجو النّفاق البشريّ، بل البشر كلّهم، ألمانًا وغير ألمان، من شارك في الحرب ومن لم يشارك. وبذا فهي كانت وستبقى رواية كلاسيكيّة لن تُنسى إلا بنسيان فعل القراءة في ذاته، كأيّ عمل كلاسيكيّ راسخ آخر. أسباب انتشار الرواية كثيرة ومتشابكة ومتناقضة أحيانًا: إنّها رواية كتبها جنديّ ذاق ويلات الحرب وكتب عنها؛ رواية نضجت في ذهن كاتبها ولم يدلقها مباشرةً كشتيمة، بل انتظر إلى أن اختمرت وقست أكثر؛ رواية عن الحرب العالميّة الأولى ولكنّها نُشرت في سنوات السلام التي بدت فيها الحرب محض كابوس بعيد ظنَّ الناس أنّه في الماضي فقط؛ رواية نبشت ذلك الكابوس لتنبّه الناس إلى أنّ الحرب قادمة لا محالة وأنّ الإنسان أحمق إلى درجة تكرار أخطائه ذاتها دومًا، ومنافق إلى درجة إلقاء الكذبات الممجوجة ذاتها قبل كل حرب وأثناءها وبعدها.
قراءة أخرى لريمارك؟ ترجمة أخرى لريمارك؟ هذا سؤالان متهافتان لأنّ الاستنكار الذي يغلّفهما مردودٌ على صاحبهما. نعم، لا بدّ من قراءات ومن ترجمات لهذه الرواية. ومن هنا تنبع أهميّة الترجمة الجديدة لرواية ريمارك التي صدرت أخيرًا عن دار «أثر» بترجمة ليندا حسين. إذ نقرؤها مترجمةً بترجمة دقيقة صافية عن الأصل الألمانيّ مباشرة، وبالعنوان الأدق «لا جديد على الجبهة الغربيّة». ليس هذا مجال الحديث عن الفارق بين العنوانين: «كل شيء هادئ على الجبهة الغربيّة» (كما ساد في الترجمات السابقة عن لغات وسيطة) و«لا جديد على الجبهة الغربيّة». إذ سنضيع وقتًا وجهدًا كبيرين في محاولة إقناع قراء كثيرين ببدهيّات: أهميّة الترجمة عن اللغة الأصل، والحفاظ على العنوان الأصل. المهم هنا هو أنّها ترجمة صدرت في وقتها إذ نعيش أيامًا فوضويّة تجمع طبول الحرب وهدنة السلام، وتُنذر بطبول أعلى لحروب قادمة لا محالة. مئة عام لا تكفي كي يتخلّى البشر عن حماقتهم ونفاقهم، إذ لعلنا لا نعيش إلا بالحرب ومن أجلها، أيًا تكن النتائج. وهذا ما كان بطل الرواية باول بويمر غافلًا عنه في بداية الأحداث، إذ كان في بداية الأحداث غافلًا عن الخطين المتوازيين اللذين يرسمان حياة الحرب: الأنا والنّحن. نتعرف إلى باول منذ البداية بوصفه بيدقًا من بين عشرات آلاف البيادق في الحرب، ولكنّه لا يدرك أنّه بيدق لأنّه ما يزال متذبذبًا بين الحياة المدنيّة التي لم يكد يبدأها بعد والحياة العسكريّة التي ستصبح حياته الوحيدة. ولذا يتناسى البيدق زملاءه البيادق الأخرى في السريّة التي كان تعدادها 150 جنديًا قُبيل بداية الرواية، لندرك بعد صفحات قليلة أنّ العدد تضاءل إلى 80، ليتضاءل أكثر إلى 32 مع منتصف الرواية، قبل أن يتلاشوا جميعهم وكأنّهم ما كانوا.
ربما كان باول هو ريمارك نفسه. هذا ليس مهمًا لنا، بل يهمّنا براعة تشريح ريمارك للحرب وللبيادق الألمانيّة وغير الألمانيّة التي لا تولد ولا تعيش إلا لتكون وقودًا للحرب التي لا تنتهي إلا كي تعود. فرحة باول ورفاقه بالطعام الوافر في بداية الرواية حين أصبح لكل منهم حصتان بدلًا من حصة واحدة هي فرحة الجسد الذي لم يذق إلا الحرمان. النجاة هي الهدف الأول والأخير، والجنديّ خُلق كي يموت. تلك طبيعة الأشياء كما كان باول يراها. ولكن مع اكتشافه شيئًا فشيئًا أنّ البيادق تكاد تتلاشى يتنامى الشعور الآخر الذي لا يدركه إلا مَنْ عايش تجربة النّجاة الجماعيّة. أن تنجو مع رفاقك كي تكون لنجاتك معنى، لا أن تنجو بمفردك. باول نفسه الذي فرح بحصّة الأكل المضاعفة كاد يتقيّأ بسبب غفلة المدنيّين وأنانيّتهم حين رحل ليقضي إجازته في بلدته. مدير مدرسته يريد أراضٍ كاملة كي يرضى، وليس له أن يدرك معنى البقاء على قيد الحياة لأنّه لا يعرف عن الجبهة شيئًا. غربة باول في إجازته هي نقطة التحوّل الكبرى في حياته: بدأ يدرك حقّ الإدراك أنّ حياته باتت هناك، في الجبهة، حيث الأشلاء والرصاص والنار والغاز؛ حيث لا تكون الأحلام الغبيّة بأراضٍ تُتقطَع من هذه الدولة أو تلك، بل أن يُختزَل الوجود كلّه في جسدك وجسد رفاقك، بل وفي أجساد البيادق كلّها على اختلاف جنسيّاتهم وانتماءاتهم. ليس الأعداء في الحرب بل في المدن والقصور المتخمة بالحياة. وكلُّ لحظة نجاة في الحرب باتت تعني سرقة هذه اللحظة من عدوّك الذي كان، ورفيقك في الموت الآن.
أن تسرق وجودك. هذا هو الهدف الوحيد الذي بات عشرات آلاف الشبّان يعيشونه في الحرب، وهم يدركون أنّ مصيرهم محكوم بالصدفة. ستعيش بالصدفة، وتموت بالصدفة، ويُبتَر جسدك بالصدفة. ليس منهم من سوف «يُعمَّر فيهرم»، إذ إنّهم هرموا وانتهى الأمر. باتوا على هامش الحياة التي لا تعترف بالبيادق. هم محض أرقام لا أكثر. الجنديّ رقم كذا، سيصبح السرير رقم كذا في المشفى، وربما القتيل رقم كذا في أحد المدافن الجماعيّة. مع اقترابنا من الصفحات الأخيرة سنبدأ اكتشاف معنى البرقيّة الرسميّة التي ستُلخّص حياة باول بويمر بأكملها. مات وحيدًا بعد موت رفاقه كلّهم. الصدّفة لعبت دورها مرةً أخرى لتجعله يموت في يوم هادئ لن يُكدّر الجنرالات والملوك، يوم هادئ على الجبهة ليس فيه إلا موت بيدق لن يهمّ أحدًا. لا جديد في الغرب، لا جديد في الشرق، لا جديد في الشمال، لا جديد في الجنوب. قد يموت عشرات، أو مئات، أو آلاف، أو ملايين. لا يهم. ما يزال لدينا سبعة مليارات من البشر محكومون بالصدفة ليس إلا. نجت رواية ريمارك بعد أن أحرقها هتلر من بين ما أُحرق من كتب تندّد بالحرب. لعلّها صدفة أخرى. ولكن هناك أعمال وكلمات كثيرة أحرقتها صدف أخرى لأنّها «توهن نفسيّة الأمة»، لو استعرنا العبارة الحمقاء التي تردّدها الأنظمة على اختلافها. يرى ريمارك أنّ روايته ليست إلا «محاولة فقط لحكاية ما حدث لجيلٍ دمّرته الحرب حتّى وإن كان قد نجا من نيرانها». ولكن هل نجوا حقًا؟ هل نجونا؟ هل سننجو؟ 

   

Share:

Friday, July 10, 2020

بنجامن كارتر هِت: هتلر وموت الديمقراطيّة





ستبقى أيّة محاولة لكتابة تاريخ ألمانيا بين الحربين مشيًا في حقل ألغام. فمن جهة يُفترَض بالمؤرّخ الموضوعيّة، ومن جهة أخرى لا بدّ لهذه الموضوعيّة من نتيجة محسومة سلفًا: ألمانيا المتّهم الأول والأخير في إشعال فتيل الحربين، والمتّهم الأوحد في صعود أدولف هتلر إلى السلطة. سينتأ السؤال المحرج الهامس: أيّة موضوعيّة تلك طالما أنّ النتائج مُحدَّدة مسبقًا؟ سيردّ المؤرّخون: اعتمدنا على وثائق وشهادات. هذا صحيح قطعًا، ولكنّ الوثيقة والشّهادة خاضعتان لتأويلات عديدة بالضّرورة. وفي ظل غياب تأويل الطرف الخاسر للأحداث ليس أمامنا إلا القراءة الحذرة لأيّ كتاب أو وثيقة. وبسبب استحالة تسليط أيّ ضوء ولو شحيح على تأويل الطرف الآخر، تفادى المؤرّخون محيطات دماء الحربين، وهربوا إلى الفترة التي سبقت وصول هتلر إلى الحُكم، بهدف دراسة الأسباب التي مكّنته الفوز بديمقراطيّة لا تشوبها شائبة. هل يمكن للنّاخبين انتخاب شخص سيئ وعنصريّ وشرير ودمويّ ودكتاتوريّ ... إلخ؟ الإجابة بكل بساطة: نعم. ومن هنا تنبع أهميّة كتاب المؤرّخ الأميركيّ بنجامن كارتر هِت «موت الديمقراطيّة: صعود هتلر إلى السلطة وسقوط جمهوريّة فايمار» الذي صدر أخيرًا عن دار «فواصل» بترجمة عدي جوني. يقوم الكتاب على فكرة بسيطة: أيامنا هذه تشبه ثلاثينيّات القرن العشرين، ولذا لا بدّ من دراسة تلك السنوات البعيدة كي نحاول فهم أيامنا التي تشهد صعودًا جديدًا لليمين المتطرّف وللنّزعات الشوفينيّة في ظل هدير موجات هائلة من اللاجئين إلى أوروبا.
لا يتناول الكتاب جمهوريّة فايمار (رمز الديمقراطيّة الأسمى في تاريخ ألمانيا وأوروبا) بل أواخر أيامها؛ وبالتحديد بين حدثين كبيرين: حريق الرايشستاغ [البرلمان] (27 شباط (فبراير) 1933) و«ليلة السكاكين الطويلة» (30 حزيران (يونيو) 1934). يؤرّخ هذان الحدثان إلى بداية فترة حُكم هتلر، مستشارًا لألمانيا أولًا في كانون الثاني (يناير) 1933، وصولًا إلى إحكام قبضته على منصبي المستشار والرئيس معًا في آب (أغسطس) 1934، حيث بدأ رسميًا حُكم الرايش الثالث الذي وضع آخر مسمار في نعش جمهوريّة فايمار. ثمة استعادات موجزة للحرب العالميّة الأولى وبداية تشكُّل أفكار هتلر، و أضواء خاطفة على «عمليّة فالكِري»: المحاولة الفاشلة لاغتيال هتلر عام 1944. مع تفاصيل متشعّبة كهذه كان لا بدّ من الانتقاء، لذا بدا الكتاب بفصوله الثمانية وكأنّه ثمانية مشاهد في فيلم تسجيليّ يلتقط تفاصيل متناثرة ترسم بمجموعها صورةً شاملةً بعض الشيء لألمانيا فايمار وما بعدها. مشكلة هذه الطريقة هي المجازفة بانفراط التّناغم أحيانًا بين تلك التفاصيل بحيث لا يفهم القارئ غير المطّلع نقاطًا كثيرةً في دوّامة الأسماء والتواريخ المدوّخة. ولذا تبدّى التخبّط أحيانًا بين مقدّمات الفصول التي تستلهم السرد الروائيّ في لقطات شفيفة منتقاة ببراعة لشخصيّات وأحداث، وبين الفصول نفسها التي نحت إلى أسلوب جاف أحيانًا غير بعيد من الأسلوب الأكاديميّ الذي يسم معظم الكتب التاريخيّة، على الأخص بسبب خلوّ متن الكتاب من الحواشي التي فضَّل الكاتب إزاحتها إلى ملحق في نهاية الكتاب بحيث اختلطت أفكاره مع أفكار مَرَاجعه التي استند إليها.
تلك ملاحظات نافلة لا تقلّل من أهميّة الكتاب الذي يبرع مؤلّفه في تدوين ملاحظات ثاقبة عن الحرب العالميّة الأولى ومشاعر الألمان الذين أحسّوا بالغبن بعد هزيمتهم التي تضاعفت بسبب معاهدة فرساي التي كانت سببًا جوهريًا من أسباب نقمة ألمانيا على أوروبا وصعود التيّارات المحافظة والقوميّة ومنها «حزب عمّال ألمانيا القوميّ الاشتراكيّ» الذي اشتُهر لاحقًا باسم «الحزب النازيّ». ليست تلك القوميّة المتطرّفة وليدة أفكار هتلر وحده، بل تجسُّدٌ للنقمة الألمانية المتفاقمة طوال 15 عامًا، بحيث بدا هتلر بمثابة خلاص من هذه الرمال المتحركة التي أدخلتهم إليها الأحزاب الليبراليّة والأرستقراطيّة التي رآها الألمان خائنة حين ارتضى زعماؤها عار معاهدة فرساي المجحفة. وبالرغم من محاولات هِتْ تقديم توصيف موضوعيّ للأحداث إلا أنّ بوسعنا أن نستشفّ انحيازه المتوقَّع إلى جنّة فايمار الليبراليّة، وانحيازًا أخطر إلى «عدالة» معاهدة فرساي التي يُقلِّل من وطأتها في مواضع عديدة، ويرى أنّ الألمان بالغوا في توصيف ظلمها، بل إنّهم لم يُبْدوا «أدنى امتنان» للفرنسيّين حين انسحبوا من الراين عام 1930.
ولكنّ ذلك الانحياز الجزئيّ لا ينسحب على تحليلات المؤلّف الصائبة حيال أسباب انتشار النازيّة لدى البروتستانت في المناطق الريفيّة، ولدى بروتستانتيّي الطبقة الوسطى المدينيّة. وكذا الأمر بالنّسبة إلى تشريحه الدقيق للأحزاب الألمانيّة وللمؤامرات الكثيرة المناصرة لهتلر والمناوئة له في آن التي يمكن لنا أن نستشف منها على نحو غير مباشر أنّ البديل لن يكون أفضل بالضرورة. فالشيوعيّون لن يكونوا أقلّ دمويّة أو دكتاتوريّة من النازيّين لو وصلوا إلى الحُكم، والأرستقراطيّون لن يكترثوا للأزمة الاقتصاديّة الطاحنة التي أنهكت الألمان؛ أما ليبراليّو الوسط والديمقراطيّون الاجتماعيّون الذين لا يخفي المؤلّف انحيازه لهم فقد أضاعوا الفرصة تلو الأخرى في تحالفات خاطئة وفي سذاجة سياسيّة، على عكس النازيّين الذين أتقنوا قراءة التحوّلات السياسيّة الداخليّة والخارجيّة وقراءة مشاعر الناس وانتهزوا الفرص بحزمٍ دمويّ من جهة، وبذكاء بالغ حين استثمروا أحدث وسائل الدعاية في حملاتهم الانتخابيّة وفي الإعلام الذي كان بيد يوزف غوبلز، ملك البروباغندا السياسيّة.
يشير المفكّر الإنكليزيّ أيزيا برلن إلى وجوب عدم التعامل مع النازيّين بكونهم مجانين، بل بكونهم بشرًا يمكن لهم ارتكاب أفظع الجرائم مع بقائهم بشرًا «طبيعيّين» وقعوا ضحيّة تضليلٍ هائل وأوهام فادحة وتلقينٍ خاطئ. هذا ما نجح فيه هِتْ بدرجة كبيرة إذ تناول النازيّين بكونهم ألمانًا وأوروبيّين ضمن ظروف استثنائيّة، ولكنّه غفل عن تبيان الصورة الأخرى الأهم: مشاعر الألمان أنفسهم أو مشاعر الأجانب غير الأوروبيّين الذين لم يروا الوحشيّة أو لم يكترثوا لها بقدر اكتراثهم بالاستقرار الاقتصاديّ والوضع المعيشيّ. نجد تلك الصورة لدى الراحل عمر فرّوخ في سيرته «غبار السنين» التي دوَّن فيها مشاعره أثناء دراسته في ألمانيا هتلر بين عامي 1935-1937، حيث يركّز على التّنظيم والاستقرار، مقلّلًا من أهميّة القبضة القاسية للنّظام على الحريّة الشخصيّة، إذ يرى تلك القيود «نعمة على أصحاب الاستقامة في الحياة. وقد كان الجهاز الحكوميّ يخدم المواطن والغريب على أنّهما إنسانان». يتحدّث فرّوخ تبعًا لأخلاقه المحافظة ونفوره من السياسة، وهذا ما يتشاركه مع ألمان كثيرين بطبيعة الحال، ولكنّهم يتناسون الصورة الأكبر التي تضمّ ضحايا لا حصر لهم قُتلوا لأسباب واهية. الصورة الكبرى متاحة لنا اليوم، ولعلّنا نجد من يرسمها بلا أدنى تحفّظات.
 
  
Share: