Friday, December 13, 2019

سعود السنعوسي: كيف تضرب كفاً بكف!






ثمة إغراء كبير في الكتابة عن سعود السنعوسي: خمس روايات في تسع سنوات؛ أصغر الفائزين سنًا بجائزة «بوكر العربيّة»؛ أحد أكثر الكتّاب العرب رواجًا؛ تُرجمت رواياته إلى ما يقارب عشرين لغة. تلك هي «الوقائع» التي يتّفق عليها الجميع، فيما يبدأ الاختلاف في كلّ ما عدا هذا. هل يكتب السنعوسي روايات حقًا؟ هل يتوازى حضوره الجماهيريّ مع مستواه الفنيّ؟ هل ثمّة مجال أصلاً للحديث عن «تجربة» كتابيّة لديه؟ والسؤال الأهم: لماذا سعود السنعوسي؟ إجابة السؤال الأخير تُريحنا من تفاصيل كثيرة؛ السنعوسي أبرز مثال عن كتّاب الجوائز: الكتّاب الذين يكتبون ضمن وصفة محددة لا يريدون (ولا يقدرون في الغالب) تجاوزها: روايات ليست أكثر من حواديت تشبه حكايات الجدّات من دون أن تملك سحرها. الحكاية هي القصة التي تضمّ حدّوتة بسيطة تنشغل غالبًا بوجوب إيجاد «مغزى» لها بلا اكتراث لأهميّة الأسلوب أو التنويع أو تقديم ما هو أكثر من المتعة. الحكاية هي الإجابة الأمثل على سؤال «ماذا حدث؟». الحكاية قابلة للتّلخيص في عدة أسطر من دون الإخلال بأيّ جزء من أجزائها. ماذا عن الرواية؟ الرواية في مكان آخر تمامًا؛ الرواية ليست معنيّة بالحدّوتة، أو المغزى، أو المتعة حتّى (هي شرط ليس لازماً بالضرورة)؛ الرواية غير قابلة للتلخيص في أسطر أو مقالة أو كتاب؛ الرواية لا تنشغل بسؤال «ماذا حدث؟» بل بسؤال «لماذا وكيف حدث ما حدث؟». الرواية عالم بأكمله، بينما الحكاية تفصيل بسيط عابر ضمن هذا العالم؛ الرواية تعني بالضّرورة وجود أسلوب وتنويع وبصمة تميّزها عمّا غيرها. لا تحقّق أعمال السنعوسي أيّ شرط من شروط الرواية، ومع ذلك هو من الكتّاب القليلين الذين يتّفق بشأنهم معظم القرّاء والنقّاد. مرةً أخرى، السنعوسي مثال عن حالة مستعصية في المشهد الأدبيّ العربيّ لا تُبشّر بنهاية قريبة.
تنطلق أحدث روايات السنعوسي «ناقةُ صالحة» (الدار العربيّة للعلوم، منشورات ضفاف) من الحدوتة وتنتهي بها، بل إنّها أدقّ مثال من بين أعماله عن هذا النمط الكتابيّ. سأكسب مئتي كلمة أو أكثر لو لخّصتُ الكتاب، كما درجتْ عادة المراجعات الأدبيّة هذه الأيام. ولكن فلنستثمر الكلمات في ما هو أجدى، ويمكن لمن يريد ملخّص الحكاية (أو الحكاية كلّها فعليًا) أن يعود إلى أيّة مراجعة للكتاب في موقع «غودردز» أو أيّ منبر آخر. ولكن سأؤجّل الحديث عن الكتاب قليلًا لأناقش أصداءه لدى الكاتب وجمهوره. يرفض السنعوسي عدَّ عمله «رواية صحراويّة»، ويقول مُحقًا إنّ هذا التصنيف سيعني عدَّ الرواية التي يرد فيها البحر رواية بحريّة. ولكنّ رفضه ليس صحيحًا تمامًا لأنّنا لو استثنينا الصحراء (فضاء حكايته) لن يبقى لدينا حامل للعمل. ولكنّ السنعوسي يدرك بذكاء أنّ إدخال الصحراء في التقييم سيعني بالضرورة مقارنة عمله بأعمال كتّاب آخرين كتبوا عن الصحراء، وستكون المقارنة في غير صالحه حتمًا، سواء كان طرف المقارنة الثاني عبد الرحمن منيف أو إبراهيم الكوني أو بهاء طاهر أو صبري موسى أو عبد الله البصيص، على اختلاف رؤية كلٍّ منهم للصحراء. يتحدث السنعوسي عن «رمزيّة» في العمل وعن «نزع الأسطرة»، وهما مسألتان مهمّتان فعلًا، ولكن أين الرمزيّة التي يقصدها، إن كانت شخصيّات العمل وهواجسها وأفكارها قد انكشفت قبل نهاية النصف الأول من العمل القصير أساسًا؟ ولكنّه نجح في نزع الأسطرة، وليته لم يفعل! إذ لم يتبقّ لدينا إلا حكاية باهتة مكرورة لا يشفع لها مدى حضورها الفولكلوريّ أو مدى التاريخ الجديد الذي حاول السنعوسي تأثيث حدوتته به، أو جمال الاقتباسات من الشاعر دخيل الخليفة التي قدّم بها السنعوسي لفصول حكايته. إنْ كانت هناك رمزيّة فسنجدها في الاقتباسات الشعريّة لا في متن الحكاية. وإنْ كانت هناك جماليّات، فقد ضاعت حينما لوى السنعوسي عنق حكايته، وبقيت الجماليّات في ما لم يكتب. لا أعني هنا تلك الجماليّات التي توحي بها النّصوص ولا تُصرّح بها حين نتحدّث عن تكثيف لا يتقنه كثيرون، لأنّ حكاية السنعوسي لن تخرج بصيغة أفضل مما خرجت به إذ لا يملك كاتبها أدوات التّكثيف أو العمق. بقيت الجماليات في ما لم يكتب لأنّه ببساطة لا يتقن فنّ الكتابة والحذف، فأضاع على نفسه وعلينا فرصة إعادة خلق حكاية فولكلوريّة في قالبٍ جديد. ربّما كانت نيّة الكاتب أو صورة عمله في ذهنه أجمل مما أنتج، ولكن منذ متى نتحدّث عن نيّات في الأدب؟
شخوص مسطّحة، وحكاية باهتة. فلنتّجه إلى آخر ملجأين قد يشفعان لإخفاق الكاتب: اللغة والأسلوب. احتفى كثيرون ببهاء لغة السنعوسي في عمله الجديد، بل وصل الأمر ببعضهم إلى الحديث عن لجوئهم إلى المعجمات ليكتشفوا الكلمات التي قدّمها السنعوسي في عمله. لا أعلم مدى معرفة هؤلاء القرّاء والنقّاد باللغة العربيّة، ولكن لم أُصادف كلمة غريبة أو جديدة أثناء القراءة. ولا أعلم عن أيّ جمال يتحدّثون لأنّ اللغة لا تبتعد عن لغة المواضيع الإنشائيّة المدرسيّة وعن لغة روايات الخمسينيّات والستينيّات التي تتوسّل الشعريّة ولا تكون النتيجة إلا لغةً مزركشةً مضحكة. ولكن ربما كانت محاولة كسر السرد التّقليديّ ستشفع للسنعوسي حين وزّع الحكاية بين عدة أصوات: الراوي العليم، ودخيل، وصالحة. كانت المحاولة ستنجح لو كانت الأصوات مختلفة في تعددّها، ولكنّ لغة الراوي العليم (لسان المؤلّف) وأسلوبه وأفكاره لا تختلف عن لغة دخيل، أو لغة صالحة، ويمكن لنا أن نجرّب حذف الاسم الذي يتصدّر كل فصل لنجد أنّ المفردات لم تتغير، وأنّ المتحدّث واحد. تعدديّة الأصوات تعني بالضرورة وجود بصمةٍ تُميّز كلّ صوت عن الآخر، وهذا ما لم نجده هنا. أما المحاولة الأخيرة في إبقاء صفحةٍ بيضاء لفصل «فالح»، فهي محاولة تذاكٍ غير موفّقة، وكذا الأمر في «الملحق» الأخير الذي أراد منه السنعوسي أن يعزّز فكرة الإيهام، ولكنّ المحاولة أخفقت بجدارة إلا لدى القارئ الذي لم يقرأ إلا روايات السنعوسي ربما.
لا محكّ للعمل الفنيّ إلا الزمن. ولذا سيبقى سحر الحكاية الفولكلوريّة على بساطتها موجودًا حين يتلاشى أيّ أثر لحكاية السنعوسي. ولكنّ الذهنيّة المهيمنة اليوم لدى محكّمي الجوائز منشغلةٌ بما هو زائل؛ ويتعاظم الأمر شيئًا فشيئًا حين بات الناشرون يحدّدون ويحرّرون أعمال الكتّاب وفقًا لمزاج الجوائز. من حقّ كلّ شخص أن يكتب وأن ينشر وأن يُروَّج له. ستروج الحكاية وتنزوي الروايات في هامشٍ لا يعترف به النقّاد والمحكّمون. ولكن من قال إنّ الهامش ليس المكان الأجمل حين يكون المتن طافحًا بالرداءة؟

Share:

Friday, December 6, 2019

عبد الله البصيّص: واو وهم، دال دخان






عام 2016، مُنعتْ رواية «طعم الذئب» في الكويت، ومن ثمّ نالت جائزة أفضل كتاب عربيّ في معرض الشارقة للكتاب عام 2017، فراجَتْ الرواية وراجَ اسم كاتبها الروائيّ عبد الله البصيّص. أرجأتُ قراءتها فترةً طويلة كي أقرأها بعد أن يخفت الضّجيج المحيط بها. كانت لديّ تحفّظات عديدة على النّصف الثاني من الرواية، ولكنّ النصف الأول منها كان مدهشاً ويومئ بقوّة إلى روائيّ يتقن لعبة الكتابة بدرجة كبيرة، وإلى أنّه أفضل أبناء جيله من الكتّاب الكويتيّين؛ فهو روائيّ بصرف النّظر عن التحفّظات أو الملاحظات لدى قرّائه، بينما استقرّ مجايلوه في كوكب الحكاية بحيث تستحيل المقارنة بينه وبينهم. بات اكتشاف روائيٍّ جيّدٍ في المشهد الأدبيّ العربيّ فرصةً نادرةً، لذا عزمتُ على أمرين: أن أقرأ روايته الأولى «ذكريات ضالّة» (2014)، وأن أقرأ أيّ عمل قادم له. لم أنفّذ الأمر الأول، ولكن ترقّبتُ صدور روايته الثالثة «قاف قاتل، سين سعيد» (دار روايات). وكان الرّهان في محلّه، إذ تجاوز البصيص عثرات كثيرة وقعتْ فيها روايته السابقة «طعم الذئب»، ليقدّم لنا روايةً فاتنةً مكتوبة ببراعة، كرَّس فيها لنفسه مكانةً بين روائيّي العقد الأخير، في الكويت وفي العالم العربيّ، يصعب إزاحته منها في المدى المنظور على الأقل.
يبدأ زمن الرواية بالعام 2014 ثمّ يدخل في متاهة لذيذة تعود بنا إلى عام 2008 ومنها إلى عام 1993 وقبله عام 1991، ومن ثمّ رجوعاً إلى عام 2014 في رواية شبه دائريّة ينتهي فصلها الأخير باستعادةٍ لفصلها الأول. أتحدّث عن «فصول» مجازياً لأنّ البصيّص لم يكتف بكسر الزمن، بل عمد إلى تقسيم السرد كما تُقسَّم الذاكرة أحياناً في فلاشات سريعة متلاحقة، وأحياناً أخرى تبعاً للتّسجيلات التّسعة والثلاثين التي خلخلت الزمن وبدّلت الشخصيّات الرئيسة في الرواية. تبدو الرواية أحياناً وكأنّها روايتان أو ثلاثة ربما: رواية تبدأ بالمحقّق ماجد وتنتهي به، رواية تبدأ بموت فهد وولادة تسجيلاته وتنتهي بانفتاحٍ على أزمنة عديدة ماضياً وحاضراً، ورواية متشظّية بطلها العم عادل الذي يتسلّل إلى الروايتين المتداخلتين. يدفعنا البصيّص أحياناً إلى زمن السياسة والحرب حين نلمس وطأة سنوات غزو الكويت وتحريرها، ثم نكتشف أنّها محض لعبة سرديّة بارعة لأنّه يريد منّا اكتشاف سنوات التّسعينيّات وبداية مرحلة المراهقة بكلّ إغواءاتها وطيشها ووعيها، ثم نكتشف مرةً أخرى أنّها لعبة سرديّة أخرى تأخذنا إلى معنى الزمن في ذاته ومنها إلى لعبة أخرى نحاول فيها فكّ تشفير الأشياء أكانت كلمات أم صوراً أم تسجيلات في تتابعات زمنيّة مرتبطة بالتكنولوجيا وآثارها، ومنها إلى لعبة تشويقيّة ندخل فيها إلى جريمة قتل كاد الزمن يمحو آثارها إلى أن نفض عنها زمنٌ آخر غبار الزمن الذي قبله. واللافت في هذه التحوّلات كلّها أنّ عالم البصيّص الروائيّ لا يعترف بالشخوص العابرة، إذ لا بدّ لكلّ شخصيّة من أدوار (لا دور واحد) تلعبها في كلّ تحوّل من تحوّلات الرواية، بحيث تبدو مثل قطع «پازل» صغيرة تضمّ صورتها الخاصة، ولكن مع اجتماع القطع والصور سنكتشف الصورة الكبرى التي لن تكتمل إلا باجتماع قطعها كلّها كبيرة وصغيرة.
ربما كانت رواية «قاف قاتل، سين سعيد» معنيّة بتحطيم الأوهام، أو بتعريفها أولاً بغية فهمها وتحطيمها. وهذا لا يقتصر على أوهام القارئ في هذه المتاهة السرديّة بل على الشخوص أنفسهم. يظنّ كلٌّ من عادل وفهد أنّهما قد وصلا إلى «الحل» الذي هو حل لغز حياتهما، ولكن بوسيلتين متعارضتين: عادل بالكلمات وفهد بالصور. ولا يقتصر هذا التّعارض على الوسائل؛ فالوسائل ليست إلا أدوات عصر كلٍّ منهما. لا يثق فهد بالكلمات كثيراً بل يثق بما رأته عيناه وبما حاول ذهنه تفسير تلك الرؤى، بينما لا يثق عادل إلا بالكلمات لا لكونها محلّ ثقة بقدر ما هي الوسيلة الوحيدة لنسف ما رآه ويحاول نسيانه. ولعلّ أكبر ضحيّة للأوهام هنا (إلى جانب القارئ) هو الراوي ماجد الذي يظنّ أنّه يمتلك مفاتيح فهم حياته وحيوات غيره ولكنّ اجتماع الكلمات والصور بدَّد كلَّ ما ظنَّ أنّه فهمه. بات العالم محض دخان. ولعلّ أكبر وهمٍ تحطَّم هو ظنُّ ماجد بأنّه يشبه عمّه بينما هما مختلفان بدرجة كبيرة: ماجد مهووس بإصلاح الأعطاب وبإيجاد معانٍ للأشياء عبر الكتابة، بينما عادل لا يكترث لمعنى الأشياء بل يهرب منها إلى الكتابة كي يخلق عالماً يرتاح فيه أكثر بعد أن سحقه العالم الواقعيّ؛ ماجد يعيش الحكاية، بينما عادل يخلقها. وهذا هو الفارق الذي تقوم عليه الرواية، وإنْ كان إصرار البصيّص على استخدام الفصحى حتّى في الحوارات قد طمس الفوارق بين مفردات الشّخوص المختلفين بالضّرورة، ماجد وعادل على الأخص، وماجد وفهد بدرجةٍ أقل، وشلّة المراهقة التي يتوه القارئ أحيانًا بين أفرادها.
لا تكتفي الرواية بتقديم عوالم زمنيّة متباينة، بل تقدّم لنا أيضاً عوالم طقس وعوالم مكان تُسهم بدورها في اكتمال الوهم وتبديده. شهر أغسطس يحكم عالم الحاضر بقوّة: عالم شمسٍ تبدّد أيّة فسحةٍ للهرب، عالم مواجهة مع ذوبان الأشياء وانهيارها وسرابها؛ الشّتاء والأمطار تحكمان عالم الماضي بدرجةٍ كبيرة: عالم تكوُّن الأشياء، وانغسالها، عالم حلم ينتظر شمساً تُحرقه لتعود قبضةُ السّراب. وكذلك تتأرجح الرواية بين الكويت وأيّ مكانٍ آخر عداها. تبدو الأماكن الأخرى أجمل دوماً، ولعلّها ملجأ أو هروب، وكأنّها عالمٌ آخر لا يشبه الكويت في شيء، عالم راحةٍ على الدوام، أكان مكاناً تقرؤه الشّخوص أو تسافر إليه أو تتخيّل أنّها فيه أو تتمنّى لو كانت فيه أو عادت إليه. يقدّم لنا عبد الله البصيّص في روايته «قاف قاتل، سين سعيد» عالماً قاسياً خانقاً يتذبذب بين خيارات لا يكون السؤال الأهم فيها: «أيُّ خيار أفضل؟» بل «أيّ خيار أقل وطأة؟»؛ عالماً تتبدّد فيه معاني الأشياء التي كنّا نظنّ أنّنا نفهمها؛ عالماً لا يعتمد على رؤانا وحدها بل على رؤى غيرنا، وعلى رؤى أزمنةٍ متداخلةٍ قد تُسهم في نفض أوهامنا.     

Share:

Thursday, November 28, 2019

أويانغ جيانغ خي: ما (لا) يُعرَف







لم أكن أعرف أويانغ جيانغ خي. تقتصر معرفتي في الشعر الصينيّ على قصائد متفرّقة لشاعرين: دو فو، ولي باي. الأدب الصينيّ عقدة ذنب كبرى حتمًا، لو قارنتُها بالأدب اليابانيّ أو الكوريّ حتّى. خفّتْ وطأة الذّنب قليلًا حين علمتُ أنّ أويانغ غير معروف خارج أوساط المتخصّصين في الأدب الصينيّ عربيًا؛ بل إنّ شعره لم يُترجَم إلى الإنكليزيّة مثلًا إلا قبل عشر سنوات أو أقل. وهنا تتجلّى أهميّة مشاريع المترجمين عن الصينيّة في ترجمة الأدب الصينيّ الحديث، ومشروع يارا المصري في ترجمة الشعر والنوفيلا على الأخص. لعلّ الصين ما تزال بعيدة، إذ نحتاج إلى عشرات الكتب كي نُقرّب المسافات قليلًا، ولكنّ الصين لم تعد كلاسيكيّة بالنسبة إلينا، ولم تعد مقتصرةً على كونفوشيوس ولاوتسي. ثمّة صين جديدة تقترب شيئًا فشيئًا في الترجمات. ثمة صين أخرى مختلفة حتّى عن صين النوبليّ مو يان.
لم أكن أعرف أويانغ جيانغ خي، إلى أن صدرت مختاراته «شيء اسمه حجر» (دار «مسعى»، ترجمة يارا المصري، تقديم أدونيس). ولكنْ أعرف وأحبّ أسماءً كتبَ عنها في قصائده: شوبان، شوستاكوفتش، جاكلين دو بريه، وأدونيس. ولو اقتفينا نصيحته في ملاحقة الكلمات وحدها (الأسماء في حالتنا هنا)، سنتعرّف إلى صوت شعريّ مدهش، يكتب عبر المحو. قصائد أويانغ لا تمنحك نفسها كاملة مهما تعدّدت القراءات، بل يتراكم التّكثيف (والغموض اللذيذ) مع كلّ قراءة جديدة. يكتب القصيدة الطويلة بمزاج القصيدة القصيرة، ويكتب القصيدة القصيرة بمزاج الجملة البرقيّة المختزلة، ويكتب الجملة بمزاج الكلمة وجبال معانيها وإيحاءاتها اللانهائيّة. إنْ كانت الكتابة ترجمةً في ذاتها، بمعنى تحوُّلها من فكرةٍ ذهنيّة إلى منطوق، ومن منطوق إلى مكتوب، ومن مكتوبٍ إلى فكرةٍ ذهنيّة مرة أخرى، فإنّ قصائد أويانغ تجسُّدٌ مدهشٌ لمعنى الترجمة حين تتحوّل الكلمات-الرموز (بالمعنيين الحرفيّ والمجازيّ) إلى عوالم منمنمة متناثرة. لا يكتب أويانغ عن «العالم»، بل عن عوالم صغيرة متناثرة، قد تكون وردةً أو نورًا أو خريفًا أو شمسًا أو روحًا أو نارًا أو حجرًا. لا ينشغل بكتابة قصيدةٍ شاملةٍ حتّى حين تكون قصيدته طويلة، بل يكتب بعين العابر دومًا. يبدأ الزمن عنده ببداية القصيدة ويتبدّد بانتهائها، بحيث يبدو أويانغ مثل نحلةٍ لا تستقرّ إلا كي تطير من جديد. ولعلّ هذا هو مكمن صعوبة قصائده وغموضها، إذ يبدو كَمَنْ يريد أن يُدخِل في القصائد كلّ ما تراه عيناه وكلّ ما قرأه وعاشه وخبره. تتشابك الإحالات مع الكتب، مع التاريخ، مع السفر، مع الطبيعة، مع الروحانيّة، مع الجسد، مع الموسيقا، مع الحياة، ومع الموت في أسطر قليلة لا تترك للقارئ فُسحةً لالتقاط أنفاسه. لا يغوص أويانغ في قلب الأشياء كما اعتدنا من الشّعراء، بل يمسّ وجوهها مسًا رقيقًا، ولكنّه يترك بصمةً متفرّدةً تبدو في أحيان كثيرة أعمق من بصمة من تأمّلوا ونبشوا وغاصوا واستقرّوا. 
لا يمكن لي إحكام قبضتي على قصائد أويانغ لسببين أساسيّين، بمعزل عن صعوبة قصائده: أولًا، لا أعرف الصينيّة، بل قرأت «شيء اسمه حجر» بالعربيّة مع بضع قصائد أخرى بالإنكليزيّة؛ وثانيًا، الكتاب قصائد مختارة قد لا تعبّر بالضّرورة عن عالم أويانغ كلّه. ولكن يمكن لي أن أستشعر ميلًا واضحًا لديه إلى الصّمت، يصل أحيانًا إلى درجات «صارخة». أعني أن تجربة قراءة القصائد (وإعادة قراءتها) تُحرّض في الذهن فكرةَ أنّ الأشياء تُجرَّد من أصواتها حين تدخل إلى قصائده، ليصبح المشهد قريبًا من الأفلام الصامتة؛ وليس من قبيل المصادفة ولع أويانغ بالثّلج وتساقطه، وبالخريف، وبسكون الليل، وبإغماض العينين. ولا يعني هذا بطبيعة الحال جمودًا أو رتابةً، بل على العكس: تكتسب الأشياء معانٍ ودلالات جديدة حين تفقد أصواتها وتتماهى مع الهدوء الذي يميّز نبرة أويانغ. ليس هدوء التأمّل «الكلاسيكيّ» المُفضي إلى الروحانيّة بالضّرورة، بل أقرب إلى تأمّل العالم بعينَيْ فراشة تطير بخفوت وتُدرك ما لا ندركه في ضجيجنا. أويانغ مُغرَمٌ بالإنصات لا بالبوح؛ بالنّظر لا بالنّطق؛ حيث يتوازى خلق الكلمات والآذان، وحيث يكون الهدوء الحُلُميّ أبهى صورةٍ من صور العالم، وحيث تُرتَّب الأشياء في مرايا متقابلة: النّجوم والغيوم، الزّهور والأعين، الضوء والنسيان، الورد واللهب، الخفوت والرِّقّة. هو عالم أحياء، عالم حاضرٍ من حيث الجوهر، لا يكترث للماضي وللأسلاف ولا يكترث للخلود وللمستقبل. عالم تحوّلاتٍ تنكمش فيه السرعة، والطيش، واللهاث، بحيث يستقر في نهاية واحدة هشّة متدفّقة مخربشة، غير معنيّة بانضباط العالم الواقعيّ أو هندسته المنطقيّة.
ما الشِّعر؟ لعلّه أصعب سؤال على الإطلاق. ولكن لعلّ الشِّعر يُعرَف بالشّعراء. ليس الشعر هو ما يُفهَم بالضّرورة بل ما يُحَس. قصائد أويانغ جيانغ خي صعبة، وشاعرها يُدرك صعوبتها، ولا يطلب ولا يريد من قارئها فهمها كليًا، بل يصرّ على وجوب إفراد فسحةٍ للغموض؛ إذ يقول في قصيدة «جاء أدونيس» (وهي من أجمل القصائد المختارة إلى جانب «مَنْ يذهب ومَنْ يبقى»، و«مصنع الزجاج»، و«أعبر الميدان ساعةَ الغروب»): «من فضلك تحدّث إلى شخصٍ بعيدٍ بقَدْرٍ من لغةٍ غامضة». وكأنّ أويانغ يومئ إلى أنّ الغموض يتوازى مع المسافة، وإلى أنّ المسافة ضروريّة كي تصل الرسالة، وكأنّما الشعر رسائل بين الغرباء، وكأنّنا نقترب من المعرفة أكثر كلّما ابتعدنا من الكلمات الواضحة التي اهترأت من فرط استخدامها. يقدّم أويانغ لنا في قصائده كلّ ما لا يُعرَف، بحيث يكون هذا الجهل والضبابيّة جوهر بشريّتنا التي لا تكتمل إلا بالنّقصان. لسنا خالدين، ولن نكون. إنّنا عابرون، «نسافر ولا نرحل» كما يؤكّد أويانغ. وربّما نقترب ممّا يُعرَف حين ندرك ما لا يُعرَف، أو ربّما لا بدّ من سرٍّ ضبابيٍّ كي نكون بشرًا، وكي نكون شعراء أو نُدرك الشِّعر.  

           

Share:

Friday, September 6, 2019

عبير إسبر: ذاكرة مكان/ما كان







يرحل السوريّون وتبقى أمكنتهم. تُدمَّر الأمكنة وتبقى ذاكرتها. يبقى السوريّون في ترحالهم ويكتبون هذه الذّاكرة، ذاكرة المكان، ذاكرة ما كان. في العلاقة الديالكتيكيّة بين البشر والأمكنة، يبدو أنّ لعنة مصائر السوريّين قد اختارت الأمكنة لا البشر. ليست اللعنة سيّئة بالمطلق إذ أبقت الذاكرة الأجمل بالضّرورة، وكلّ ما كان أجمل بالضّرورة في ظلّ واقعٍ يوغل في السّواد أكثر فأكثر. انطلاقاً من هذا الماضي بالذّات كُتبت وستُكتَب حكايا السوريّين. بمعنى ما فإنّ السوريّين يكتبون الماضي ليهربوا من الحاضر وليفتحوا بوّابات المستقبل، يكتبون الذّاكرة ليقاوموا النّسيان وليخلقوا ذاكرة جديدة؛ يكتبون ما كان لرسم ما سيكون. المفارقة هنا هي أنّ الذّاكرة الجديدة ليست إلا وهم الذّاكرة القديمة. ما سيكون ليس إلا وهماً لما كان. والكتابة «وهمٌ» بمعنى من المعاني، وترسيخ لهذا الوهم. وليس الوهم سيّئاً بالمطلق حين لا يبقى لنا ملاذ غيره.
لا تحاول عبير إسبر في روايتها الجديدة «سقوط حر» (دار نوفل) التّنظير للحاضر، بل تُصرِّح بالهروب منه إلى وهم، إلى هذيان، إلى تشظٍّ، إلى ذاكرة. تقلب الرواية منطق «الواقع» بحيث تصبح الذاكرة هي الجوهر، لا خلفيّة الحدث. والذاكرة في «سقوط حر» هي ذاكرة أمكنة في الجوهر، وليس البشر إلا خلفيّة لها، يترسّخ حضورهم أو يخفت بترسُّخ الذاكرة/المكان وخفوتها. نبدأ من دمشق وننتهي إليها وفيها. وفي الوقت ذاته، نبدأ من ياسمينا داغر وننتهي إليها. ولكنّ هذا لا يعني أنّ ياسمينا هي دمشق أو أنّ ياسمينا هي البطلة أصلاً برغم هيمنة حضورها على طول الرواية القصيرة. تحاول ياسمينا إقناع نفسها وإقناعنا بأنّها هي من تُحرِّك الحدث، وتنقلنا بين الأزمنة والأمكنة، بينما هي في واقع الأمر تعيش وهم الرواية، وهم الحكاية، وهم الذاكرة، وهم البوح. إن كان هناك تشابه بين ياسمينا وحكايتها، فالتّشابه ليس إلا في كونهما معًا (الراوية وروايتها) صورة لحكاية أكبر تُحرّكها قوّة أكبر: صورة/وهم لحكاية دمشق (بوصفها صورةً مصغّرة عن سوريا) تُحرّكها ذاكرة دمشق. وكأنّنا ندرك أثناء القراءة وبعدها بأنّنا كلّنا بيادق في يد هذه الذاكرة، تُحرّكنا كما شاءت وتشاء، وتمنحنا وهم الإرادة. ولو أردنا التقاط العنصر الذي يسم الرواية ويحكمها، فهو وهم الإرادة هذا. تظنّ كلّ شخصيّة من شخصيّات الرواية بأنّها سيّدة مصيرها، وبأنّها تمتلك الحرّيّة، وتمتلك إرادة تحريك غيرها من الشّخصيّات، ولكنّ الحقيقة أبسط (وأسوأ؟): ما من أحد يمتلك الإرادة، وما من أحد يمتلك الحريّة. والمفارقة (في الواقع والرواية على السّواء) هي أنّ قدوم الحريّة التي بشّرت بها الانتفاضة/الحرب كشفت خواء الحريّة الشخصيّة التي كنّا نظنّ امتلاكها؛ وكانت ياسمينا على الأخص تظنّ امتلاكها.
تغوص عبير إسبر في الشّجن كما لم تغرق من قبل. تُدخلنا عبير منذ الجملة الأولى في عالمٍ كئيبٍ لا متنفّس فيه، في سجن بأسوار عالية كلّ حدودها ألم. ولو أردنا تلخيص رواية «سقوط حر» في صفة واحدة لقلنا إنّها مؤلمة. قد تبدو الصفة «عاديّة» للوهلة الأولى، ولكنّ الحقيقة هي عكس الظاهر تماماً. إذ برغم كمّ الألم الذي يكفي السوريّين أجيالاً، لا نجد أعمالاً مؤلمة كثيرة، بل نقرأ دوماً أعمالًا تستجدي الألم. والفارق ضخم بين الحالتين. لا تستجدي عبير إسبر أيّة مشاعر من قارئها، بل تجذبه من عنقه وتغوص معه في الألم. تُذكّرنا الرواية بما كنّا نغفل عنه: جمال دمشق مؤلم. جمال دمشق التي كانت مؤلم أكثر. ذاكرة جمال دمشق التي كانت مؤلمة أكثر وأكثر. ولعلّ هذه الالتقاطة البارعة هي حامل الرواية الحقيقيّ. يصل جمال السّرد إلى أقصاه حين تنحت الروائيّة دمشقها، بحيث تبدو الأمكنة الباقية باهتةً بالمقارنة، كلّها بلا استثناء، بما فيها قرية العائلة، أو بيروت الصّخب، أو دبيّ الحلم، أو مونتريال السّكينة. هل هذه الشام (وهو اسم دمشق الأجمل) هي الشام حقاً؟ هذا ليس مهماً. هل هذه الشام هي شامنا، أو شام أيٍّ منا؟ هذا ليس مهماً كذلك. هل هذه الشام هي شام عبير إسبر؟ لا نعلم تماماً، ولكن هذا أيضاً ليس مهماً. مرةً أخرى تلتقط عبير ببراعة فكرة أنّ الشام بصرف النّظر عن أيّ شام نتحدّث هي المكان (بأل التّعريف)، وكلّ ما عداها مكان كغيره من الأمكنة. هذا ما يحس به كلّ من يسكن الشام، أكان من أبنائها أو من عابريها. كلُّ من يسكن الشّام سيصبح من أهلها. هذا ما نغفل عنه، وتذكّرنا به عبير بقسوةٍ جميلة مؤلمة.
ولهذا ربّما يتعثّر السّرد بدرجات متفاوتة كلّما ابتعدت ياسمينا عن الشّام. تحاول ياسمينا إقناعنا بأنّ محور الرواية هو جريمة قتل، حين أفلتت يدي أبيها العجوز عمداً، ليسقط سقوطه الحر، ولتسقط هي سقوطها الحر عبر الهروب. ولكنّ محور الرواية الحقيقيّ هو هذا الهروب: هروب ياسمينا داغر من شام ياسمينا داغر، لا من أهلها، أو عشيقها، أو جريمتها، أو قريتها، أو ذاكرتها حتّى. وهل يكون الهروب من الشّام إلا سقوطاً حراً بالضّرورة؟ لهذا بالذات كانت العودة غير المبرّرة ربّما لياسمينا إلى الشّام. هل عادت حقاً، أم أنّ العودة وهم آخر، هذيان آخر من هذيانات ابنة الحريّة؟ هل حدثت الجريمة حقاً أم أنّها وهم آخر؟ السّرد ضبابيّ هنا، والذّاكرة ضبابيّة، وحتّى الأوهام باتت ضبابيّة. وكلُّ ما بقي هو شام ياسمينا، وربّما شام عبير، وربّما شامنا كلّنا، وربّما شام أيّ منّا.      

Share:

Sunday, August 18, 2019

نسرين أكرم خوري: بحر في حمص






بخلاف ما يظن كثيرون، لم تكن جمهوريّة أفلاطون (أو سقراط فعلياً) تُقصي جميع الشعراء والفنّانين، بل كانت تُقصي فنّانين بعينهم. إن كنتَ تكتب في مديح الآلهة والحكّام-الآلهة فأهلاً وسهلاً بك، أما كلّ ما تبقّت من مواضيع فمرفوضة. كان الرفض، إذاً، للموضوع. وما غاب عن ذهن أنصار الجمهوريّة وأنصار الفن على السواء هو أنّ تلك الجمهوريّة لم تُخلَق للفنانين، ولا تعنيهم أساساً. كانت تلك جمهوريّة الواقع، أما عالم الفن فهو في مكان آخر تماماً. أن تخلق واقعاً قد لا يرضي أحداً، بل ربما كان من الأفضل أن لا يرضي أحداً. بكلمات أخرى، أولى شروط الفن هي هدم الشروط كلها.
وإنْ كانت الحياة/الواقع تبدأ بصرخة وتنتهي بزفرة أخيرة، كان من «الطبيعيّ» أن تبدأ رواية نسرين أكرم خوري «وادي قنديل» (منشورات «المتوسط») كما يفرض عليها واقعها هي، لا الواقع القائم. تبدأ الرواية من المقبرة، من الزفرة الأخيرة، لتنتهي بـ «البداية». وحتى البداية هنا ليست إلا رحيلاً آخر، من المطار إلى المجهول. دائرة الرحيل تلك لا ترسم حياة ثريا لوكاس فقط، بل تحكم مسار الرواية بأكملها. الشخوص كلها تولد لترحل إلى بداية جديدة، بعد أن يترك رحيل كلٍّ منها أثراً في مسار حياة الآخر، وهكذا إلى حين انفتاح الدوائر كلها. وكيلا تبدو تلك الدوائر خانقة، كانت اللعبة الذكيّة في تغيير الأمكنة والأزمنة. ينتقل القارئ بسلاسة بين المستقبل والماضي، ومن قبرص إلى اللاذقيّة وحمص وبيروت كأماكن أساسيّة، بينما تكون الأماكن الأخرى محفورةً داخل الشخوص الأخرى. كلّ شخصيّة تحمل مكانها داخلها. قد يبدو الأمر أقرب إلى نمطيّةٍ على نحوٍ ما، أرخت بثقلها قليلاً على الرواية، ولكنّ سلاسة السرد وتنوّع الشخوص بذاتهم أعادت شدّ الإيقاع مرةً أخرى.
تبدأ جدليّة الإنسان و المكان من أول الرواية إلى آخرها. بين مستقبل وماضٍ ثابتين، نجد الحاضر رجراجاً متقلّباً ضبابياً، وكأنّ المكان بذاته (وهو جوهر الحاضر) يئنّ دوماً بين ذاكرتين، ذاكرة الماضي الجارحة وذاكرة المستقبل المجهولة، ولذا كانت اللعبة الماكرة في جعل المكان وهماً لا يمكن إمساكه إلا من خلال الكلام. وحتى العنوان الذي يشير صراحةً إلى مكان ليس إلا إيهاماً لأنّ وادي قنديل نفسه كان غائباً، أو عملياً لم يكن يحضر إلا ليغيب حين يُزيحه مكان آخر من الماضي أو المستقبل. لم تقتصر لعبة التواطؤ التي خطّطت لها غيم حدّاد على جمع شخوص متنوّعة في مكان واحد لكتابة روايتها، بل أيضاً جلبت أمكنتهم معهم ليجتمع خليط الهويّات والأزمنة والأمكنة واللهجات والطوائف على شاطئٍ يتغيّر بتغيّر الرياح والأمواج، وبوطأة الحرب الثقيلة التي كبّلت الهواء نفسه. تطرح الرواية وجهات نظر عديدة، تبدأ بالحرب وتنتهي بها، ولكن من دون التخلّي عن الحياة وهمومها «الصغيرة» في الحب والجنس والتسلّط والقلق والغيرة والزّيف، بل وثمة رواية تُكتَب داخل الرواية. ولكنّ هدف نسرين خوري لم يكن كتابة رواية داخل رواية، أو تشريح حياة شخوصها، بقدر ما كان كتابة المكان، أو بالأحرى ذاكرة المكان.
لذا كانت حمص بهذه القوة في الرواية. لا لأنّها مدينة الكاتبة وبطلتها فحسب، بل لأنّها كانت، لأسباب كثيرة، صاحبة الحصة الأكبر في الحضور داخل الحرب السوريّة. وأن تحضر مدينة في الحرب بهذه القوة، يعني أنّها ستصبح مدينة الجميع بهذه الدرجة أو تلك. ربما كانت المدن والأمكنة ملك الجميع، ولكنّ الذاكرة، ذاكرة المكان، فرديّة بالضرورة. ولذا أرادت نسرين (وغيم) كتابة حمص. قد لا تشبه حمص الرواية حمص الحقيقيّة، بل ربما لم يتبقّ الكثير من حمص الحقيقيّة لأنّها حضرت كثيراً في الحرب، والحضور هنا يعني الغياب، يعني الغموض وآلاف الخيوط العصيّة على الأرشفة والكتابة، وربما لأنّ غيم «لا تُغرَم بالآخرين، بل تفاصيل تخصّهم، أو بما رغبت أن تراه فيهم»، كانت حمص غيم متوتّرةً قلقةً مثل صوت أغنيةٍ في راديو توشك بطاريّته على الانتهاء. تظهر الشخوص الحمصيّة بسرعةٍ وتختفي كما ظهرت. تحاول قول ما تستطيع، ما يتيحه لها الوقت بدل الضائع، لذا لا تقول الكثير، بل تُبقي أطراف الكلام مفتوحةً على احتمالات شتّى. كانت الفصول التي تؤرشف لحظات حمص أقرب إلى لوحات قصصيّة تنوّع إيقاع السرد، وحتى مع كونها لوحات تخص غيم وحدها، كما التقطتها ذاكرتها، إلا أنّ اختلاف الشخصيات الحمصيّة بقي مرسوماً ببراعة.
لا نعلم مستقبل الرواية السورية، ولكنّها ستكون رواية أمكنة على الأرجح. سيختفي السوريّ ويبقى مكانه. ربما هي لعنة أخرى، وربما هي الوسيلة الوحيدة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. ليس الفن مُنقِذاً بكل تأكيد، ولن يكون، ولكنّه يملك ما لا يملكه غيره. يملك الخيال. وفي متاهة الوقائع، ليس للراغب في الهرب إلا التشبّث بالخيال، والذكرى والحلم. وهذا ما فعلته نسرين أكرم خوري في «وادي قنديل». رسمت بطلتها غيم حدّاد وتركتها تُفرغ ذاكرتها وأحلامها بمدينتها البعيدة. لا وادي قنديل ولا بحر في حمص. هناك حرب وسياسة وجدالات وسجالات فقط. ولكن تمكّنت غيم من فعل ما عجز عنه الحماصنة كلهم، كما تقول النكتة الدارجة. لم تنقل البحر إلى حمص، بل أخذت حمص إلى البحر. هذا ما يفعله الخيال والفن، ويعجز عنه الواقع.    

Share:

Friday, August 2, 2019

علي سعيد: فِخاخ الذّاكرة






يشير هارولد بلوم، في معرض حديثه عن تيّار الأدب السّاخر في أميركا، إلى أنّ السّخرية لم تعد ذات جدوى في أيّامنا، إذ وصل الواقع إلى أشواط تتخطّى أقصى حدود السّخرية. بعد عقد أو أكثر على كلام بلوم، هل ما زال تحليله صالحاً؟ والأهم: هل يسري كلامه على الواقع العربيّ الذي لا يشكّل الواقعُ الأميركيّ بكل تطرّفاته حين نقارنه به إلا نكتة سمجة؟ هل يمكن للأدب السّاخر أن يصمد أمام هزليّة الواقع العربيّ التي تجاوزت حدود العبث؟ أظنّ أنّ مجال السّخرية مفتوح إلى أقصاه، إذ هي كالخيال لا حدود لها. وطالما أنّ إشارات الكتّاب أصحاب النبوءات عن الحياة التي تُحاكي «التّخييل» تجد أصداء لها في ما حدث ويحدث في حياتنا، ستبقى للسخرية مكانتها التي هُمّشت وقُزّمت في الأدب والصّحافة.
تنطلق رواية علي سعيد «كونيكا 19» (دار أثر) من حادثة بسيطة تتحوّل مع مسار الرواية إلى فانتازيا ساخرة بديعة. لا يغيب الحسّ الصحفيّ من الرواية، حتى بعد أن توقّف سعيد عن الكتابة الصحفيّة المباشرة. إذ تتشكّل الرواية من مجموعة فِخاخ متعاقبة تنفتح وتنغلق بالتّتابع وصولاً إلى النّهاية. تبدأ الحبكة من فيلم كونيكا فوتوغرافيّ قديم يبدو مثل رسالة منسيّة من الماضي، لم يعد لمُستقبِلها وجود في الحاضر. من يتذكّر الصور الفوتوغرافيّة أساساً؟ لولا دراسات فالتر بنيامين وغرترود ستاين وسوزن سونتاغ وغيرهم التي تواصل حضورها في المشهد الفكريّ لما بقي للفوتوغرافيا معنى اليوم ربّما في ظل طوفان الديجيتال و«فوريّة» الحدث. إذن تبدأ الرواية بفخّ من الماضي بالتّوازي مع عناد الراوي في معرفة محتويات هذا الفيلم القديم في ظلّ تلاشي جميع محلات التصوير الفوتوغرافيّ القديمة. وبما أنّ الصورة بمثابة ذاكرة ثابتة كامنة، تتداعى ذكريات متشابكة للراوي الأساسيّ وللمصوّر الفوتوغرافيّ الوحيد الذي ما زال يواصل مهنته (والذي سيصبح هو الراوي الثاني) وللصور نفسها (لا صور الفيلم القديم، بل صور أخرى. فلنتذكّر دوماً أنّ الرواية مجموعة فِخاخ متراكبة) وللشخوص التي تضمّها الصور ولذكرياتهم التي تحرّض ذكريات أخرى.
تنفتح الحبكة الأولى على حبكة ثانية تأخذ المساحة الأكبر من الرواية. يصبح عبد الكريم، المصوّر الفوتوغرافيّ العنيد، هو محرّك الأحداث مع وصيّة أبيه الذي يطلب منه تأدية صلوات أهملها الأب طوال 19 عاماً، ومن هنا تنطلق فانتازيا الأحداث في فصول ساخرة مضحكة نتابع فيها على التوازي رحلة تأدية الصلوات ورحلةً أخرى أجمل وأعمق، هي رحلة الذاكرة التي يتضافر فيها الماضي مع الحاضر، وتقنيّات التّصوير مع جماليّاته، والفردانيّة شبه المستحيلة لدى الفرد العربيّ مع معنى العائلة، وألوان حاضر الديجيتال مع الماضي حيث لا مكان إلا لجلال الأبيض والأسود وضبابيّة السيبيا. يُواصِل سعيد رحلة الذكريات التي تحفر في الزمن مع تشريحٍ خفيٍّ للمجتمع السعوديّ عبر جيلين، جيل الآباء وظروفهم الأكثر تحرّراً وجيل الأبناء الذين ورثوا وطأة قيود النزعة المحافِظة التي تبنّاها الآباء في أواخر حياتهم، ودمغوا بها جيلاً ولد وعاش ويواصل حياته يدفع ضرائب «صحوة» لا ذنب له فيها. هل نحن في الحاضر حقاً أم أنّ آثار الماضي تنتقل بالجينات، بكل أخطائها وجماليّاتها وتعقيداتها؟ هل نعيش سياق الحاضر كأبناء أم إنّنا نعيش سياقنا وسياق آبائنا؟ هل نقترف أخطاءنا فقط أم نرث أخطاء آبائنا أيضاً؟ تتلاحق هذه الأسئلة كلّها، وغيرها، في «كونيكا 19» التي تبدو في آن مثل شريط وثائقيّ يعرض حياة جيلين، ومثل قطرة زيت تبدأ بتفصيل صغير عابر، وتتضخّم أكثر فأكثر لتغطّي خريطة كاملة، خريطة ترسم حدود الواقع والخيال، الماضي والحاضر، الذكريات وتداعياتها، خريطة مائيّة رجراجة لا سبيل إلى توصيفها بدقّة مع تسارع الأحداث وتصادم المصائر وتداخل الذكريات. بين أيدينا رواية تبدأ من الحنين ولا تكتفي به، بل تستثمر هذا الحنين لوضع الأصابع على الجراح الكثيرة التي تُثخن جسد الحاضر. رواية تطرح الأسئلة الصحيحة في زمن الأسئلة الخاطئة. رواية تخدع القارئ الباحث عن الحبكة البسيطة، وتقدّم عالماً ظاهرياً خادعاً يخفي خلفه عوالم عديدة متباينة تستند إلى السخرية من أجل كشف بشاعة الواقع الذي نسف احتمالات الضّحك كلّها، أمام جيل شاب انتُزع منه كلّ شيء باستثناء إمكانيّة الضحك والسخرية.
يميل الكتّاب عادةً إلى الطريق الأقصر في كتابة الرواية الأولى، عبر اختيار حدّوتة بسيطة تتشابك مع السيرة الذاتيّة. ولكنّ علي سعيد اختار الطريق الأصعب عبر تقديم رواية مركَّبة حاولت مقاربة أسئلة شائكة كثيرة. وقد انفرطت الخيوط أحياناً من يد الكاتب الذي وقع في الثلث الأخير من الرواية في مطبّ التطويل، وإدخال العالم الساخر الأول (الصلوات المنسيّة)، الذي نسيه القارئ، مع العالم الثاني التشريحيّ الأعمق (رواية الأجيال والعائلة وتداعي الذكريات) الذي أوصل السرد إلى مستوى ناضجٍ عالٍ بالمقارنة مع البواكير الروائيّة المعتادة. ولكنّ المهم هنا هو ولادة روائيّ جريء لا يهاب المغامرات، وهذا هو الشرط اللازم والكافي لإدراك أنّ صاحب «كونيكا 19» يضع رهاناً كبيراً أمام نفسه ككاتب في شقّ مسيرة روائيّة واعدة، وهذا ما سنراهن عليه نحن أيضاً.          

Share:

Friday, July 5, 2019

أحمد الحقيل: رواية تخلق قارئها


  


ليس سهلاً على القارئ أن يُلاحق تدفُّق نص أحمد الحقيل، ولكنْ إنْ أسلمَ له نفسه، سيكون أمام أحد أكثر الكتّاب العرب تفرّداً، ونادراً ما تتلازم صفة التفرّد مع النّصوص الروائيّة العربيّة التي تعشق التماثل. كتابة الحقيل مراوغة بدرجة كبيرة، إذ تستعصي عليك مفاتيحها أحياناً، وينزلق منك سردها غالباً، وتتلاشى من أمامك مرجعيّاتها دوماً. ولكنّ الأهم هي أنّها تتحدّى تجاربك في القراءة حين تقدّم لك نصاً غريباً ومدهشاً وعصياً على التصنيف. «مشكلة» هذا النوع من النّصوص هي أنّها ليست لجميع القرّاء، إذ تتطلّب قارئاً واعياً منفتحاً على التجريب، ولذا سيصبح من الأسهل على القارئ المتسرّع أن يهرب من هذه الكتابة إلى كتابة باهتةٍ أخرى اعتاد على قواعدها وألعابها المكرورة. لا تحبّ التجريب؟ لا تميل إلى تحدّي نفسك؟ الحل بسيط. عد إلى ما اعتدته من قراءات، ولكنّك ستفوّت على نفسك فرصة التعرّف إلى إحدى أجمل تجارب الكتابة الروائيّة العربيّة المعاصرة.
أدخلَنا أحمد الحقيل في روايته «دوائر» (2015) إلى رحلة فانتازيّة غريبة، ولكنّه غيَّرَ وصفته الكتابيّة ليقدّم لنا روايته الجديدة «طرق ومدن» (مكتبة صوفيا الكويت) حيث تلاشت الفانتازيا الخارجيّة كلياً، وبقي «الواقع»، ولكنّ الإدهاش تضاعفَ مرات عدة ليبلغ مستوى مفاجئاً حتى لمحبّي كتابة الحقيل عموماً. لا تُسلّم الرواية نفسها لنا بالمطلق، بل تتركنا حائرين أمام مفاتيحها حتّى بعد إنهاء القراءة. هل نبدأ من تتبُّع مرجعيّاتها، أم من ملاحقة السّرد نفسه؟ أظنّ أنّ الإجابة واحدة. فسواء انطلقتَ من محاولة إيجاد ما يشبهها، أم من النص نفسه، ستصل إلى الوجهة ذاتها. أسلوب السرد الروائيّ هنا أقرب إلى روايات مابعد الحداثة، كما أنّه قريب بالدرجة ذاتها من النّصوص التراثيّة العربيّة. ولا تناقض هنا أبداً لأنّ تلك النّصوص التراثيّة ماقبل الحداثيّة نصوصٌ مابعد حداثيّة في آن إن أحسنّا قراءتها. وهنا نقطة تفرّد كتابة الحقيل التي لا نجد لها مثيلاً معاصراً (من بين ما قرأته على الأقل)، حتى لدى الروائيّين الذين اشتغلوا ضمن التيّار السرديّ نفسه، مثل فارس الشّدياق وعبد الرحمن منيف وإميل حبيبي وجمال الغيطاني وسنان أنطون. وهذا التيّار يستحق دراسة نقديّة جادّة تبيّن نقاط التّقاطع والتّوازي والاختلاف عند كلٍّ منهم.
تقوم «طرق ومدن» على فكرة بسيطة: رحلة لأصدقاء في السيارة من دون وجهة محدّدة. ولكنّ هذه الرحلة التي تبدأ بمسارات أفقيّة مثل الطّرق التي تفصل بين المدن والبلدات والقرى، تتحوّل إلى مسارات دائريّة زمنيّة تصبح فيها الذاكرة هي السيّارة الجديدة. ليست ذاكرة الراوي فقط، بل ذاكرات كثيرة تتوالد مع كلّ قصة صغيرة تبدأ من الذاكرة الشخصيّة لكلّ راوٍ ثانويّ إلى أن تتقاطع في مسارات متشابكة لترسم ذاكرة أمكنة. وهذا التّوازي بين السّرد والحدّوتة هو ما يُحوِّل «طرق ومدن» من نص غير تخييليّ إلى نص روائيّ تخييليّ. يستعير الحقيل من النّصوص التراثيّة حيويّة السّرد، لا بمعنى تداخل القصص الصغيرة فقط كما في «ألف ليلة وليلة» مثلاً، بل تلك الحيويّة التي تنبع من السّرد نفسه كما نجدها في الكتب التاريخيّة-الأدبيّة مثل «الأغاني» أو «الحيوان»، وحتّى في النّصوص التاريخيّة البحتة مثل «سيرة ابن إسحق» و«مروج الذهب» التي نجد فيها أحياناً براعةً سرديّة تفوق النصوص الأدبيّة المتعارف عليها. لولا تلك القصص الصغيرة المتناثرة لتحوّلت الرواية إلى ريبورتاج صحفيّ طويل ممتع فقط، ولكنّ هذا المزج الذكيّ نقلَ النصّ من نبرته الصحفيّة المحايدة التي تتبدّى بقوّة في الثلث الأول من الرواية، إلى موزاييك روائيّ مدهش تتّسع دوائره المتنوّعة بتنوّع قصص أصحابها في الثلث الثاني، إلى أن تضيق تدريجياً بحيث تكاد تصبح رواية سيَريّة بضمير المتكلّم في الثلث الأخير.
هل «طرق ومدن» رواية جديدة؟ نعم ولا. نعم، لأنّ الأساليب الروائيّة التقليديّة (بما فيها الحداثيّة) استُنزِفتْ تقريباً وباتت الحاجة مُلحّة إلى كتابة رواية يتنوّع فيها التّركيز بين السّرد والحدّوتة، بين أن يصبح السّرد هو البطل الأوحد كما في روايات مابعد الحداثة المعقّدة، أو أن تكون الحدّوتة هي الأساس فنجازف في الوقوع في فخ تحوّل الرواية إلى محض حكاية. ولا، لأنّ أحمد الحقيل كاتب-قارئ، استوعب الأساليب السرديّة القديمة والحديثة، وقدّم رواية عربيّة في المقام الأول، هي ابنة السرد العربيّ القديم بقدر ما هي ابنة يومها وراهنها. رواية عربيّة بقدر ما هي سعوديّة محليّة، ورواية مكان (وهذا جنس أدبيّ غائب تقريباً) ورواية ذاكرة فرديّة وجمعيّة، يتجاور فيها الشّعر الفصيح مع المحكيّ، وأحدث السيّارات والأبراج مع أقدم الأطلال، في موزاييك حكايا وأصوات تتقاطع فيها الأجيال والأزمنة، من دون أن تتلاشى فرادة صوت كاتبها. رواية مراوغة للقارئ وللكاتب في آن، إذ ينبغي للقارئ أن يتلمّسها ببطء كي يلتقط كمّ الجهد الهائل الذي بذله الحقيل في كتابتها، ومراوغة للكاتب لأنّها تتطلّب كاتباً بارعاً يُظهِر صنعته بقدر ما يُخفيها. نحن أمام رواية مختلفة بكل تأكيد، قد تشكّل أساساً ينطلق منه روائيّون لكتابة رواية تشبههم وتشبهنا وتشبه نفسها فقط. نحن أمام رواية مدهشة سنترقّب بصبر إمكانيّة أن تتفوّق عليها رواية قادمة.     

  

Share: