Saturday, October 24, 2020

حكايات القيوط

 


هوميشوما (يمامة الحِداد) 

 

في البدء كان شعب الحيوان قبل أن يوجد أيُّ بشر.

كان ذئب القيوط الحيوانَ الأهمَّ إذ قدَّمَ، بعد تكليفه من الروح الأكبر، الإسهامَ الأكبرَ، من بين الحيوانات الأخرى، في جعل العالم مكاناً جديراً بالعيش. ولكنْ مرّت أيّام لم يكن فيها القيوط مُكلَّفاً بأعمال من الروح الأكبر. فسلّى نفسه عبر إحداث شغبٍ وفوضى. بل إنّه كان ضحيّة شغبه مراراً، ما أثار ضحك الجميع الجميع ما عدا الخُلدة. كانت الخُلدة زوجة القيوط.

يُطلق شعبي اسم سن-كا-لپ (Sin-ka-lip) على القيوط، ومعنى الاسم «المُقلِّد». إذ كان يبتهج حينما يتهكّم من الآخرين أو يُقلِّدهم، أو حين يكتفي بمجرّد المحاولة، وكان يُسمّى أحياناً «المحتال»، لأنّه كان بارعاً في الحيل والمكائد.

الاسم الذي نطلقه على شعب الحيوان هو تشپ-تشاپ-تيكولك (Chip-chap-tiqulk) (حرف «ك» الأخير بالكاد يُلفَظ)، ونستخدم الاسم نفسه للحكايات التي تُروى عن شعب الحيوان وعن زمن الأساطير. بالنّسبة إلى الأجيال الأصغر سناً، تبدو التشپ-تشاپ-تيكولك حكايات غير معقولة؛ وهذه إحدى نتائج مدارس البِيض. ولكن بالنّسبة إلى الهنود الأكبر سناً، ليست حكايات التشپ-تشاپ-تيكولك غير معقولة أبداً؛ إذ إنّها توصيفات لما حدث فعلاً حينما كان العالم ما يزال طفلاً.

 

الروح الأكبر يُسمّي شعب الحيوان

 

نادى ها-آه إيل-مي-وهين (الروح الأكبر العظيم) شعب الحيوان ليجتمعوا. جاؤوا من أنحاء العالم كلّها. ومن ثمّ أخبرهم الروح الأكبر أنّ ثمّة تغييراً سيحدث، أنّ جنساً جديداً هم البشر سيعيشون في الأرض.

قال الروح الأكبر: «لا بدّ أن يكون لكم كلّكم يا تشپ-تشاپ-تيكولك شعب الحيوان أسماء. بعضكم يحمل أسماء، وبعضكم لم ينلها بعد. ولكن بحلول غدٍ سيكون للجميع أسماء تحملونها وتحملها ذرّيّتكم إلى آخر الزّمان. في الصّباح، حينما يظهر أوّل ضوء في النّهار، تعالوا إلى بيتي واختاروا أسماءكم. يمكن لأوّل الواصلين أن يختار الاسم الذي يشاء أو تشاء. ويمكن للتّالي اختيار أيّ اسم آخر. وهكذا إلى أن تُؤخَذ الأسماء كلّها. وسأُكلِّف كلّ واحدٍ منكم بعمل.»

أثار هذا القول حماس الحيوانات. رغب كلٌّ منهم باسمٍ جليلٍ، وبسُلطةٍ تخوّله حُكم قبيلةٍ من القبائل أو بقعة من بقاع العالم، وعَزَمَ كلٌّ منهم على الاستيقاظ باكراً وعلى الإسراع إلى بيت الروح الأكبر.

تبجَّح سن-كا-لپ القيوط بأنّه سيسبق الجميع. تجوَّل بين الحيوانات وأخبرهم أنّه سيكون أوّل الواصلين. لم يكن القيوط يحبّ اسمه؛ وأراد اسماً جديداً. لم يكن ثمّة مَنْ يحترم اسمه، المُقلِّد، ولكنّه كان يليق به. كان يُسمّى سن-كا-لپ لأنّه يحبّ تقليد الآخرين. كان يظنّ أنّ بمقدوره فعلُ كلّ ما يفعله الآخرون، وادّعى معرفة كلّ شيء. يطرح سؤالاً، وحين يأتيه الرد يندفع للقول:

- «أعرف هذا أصلاً. لا أحتاج إلى مَنْ يخبرني به.»

ولكنّ هذا الكلام المتبجّح كان يمنع القيوط من اكتساب أصدقاء. وكذلك لم يكتسب أصدقاء بسبب التصرّفات الحمقاء التي يفعلها، والحِيل الوقحة التي يحتال بها على الآخرين.

كان يتبجّح: «سأختار واحداً من أعظم ثلاثة أسماء. تلك الأسماء هي: كْلي-لاو-ناو، ابن الجبل الدبّ الأشهب، الذي سيحكم شعب البرّ ممّن يمشون على أربعة قوائم؛ ملكا-نوپس، النّسر الذي سيحكم الطَّير؛ إن-تي-تي-أوي، السبّاح البارع سمك السلمون. سيكون السلمون زعيم الأسماك التي سيقتات عليها الخلق الجديد.»

انفجر توءم القيوط، الثّعلب، بالضّحك، وهو مَنْ سينال مع شمس اليوم التالي اسم واي-آي-لوه، الفرو النّاعم: «لا تكن واثقاً جداً يا سن-كا-لپ. لعلّك ستحتفظ باسمك الذي تحمله الآن. الجميع يكره هذا الاسم. لا أحد سيطلبه.»

«سئمتُ هذا الاسم،» صاح القيوط بغضب. «فليأخذه حيوان آخر. فليأخذه أحد العجائز عجوز يعجز عن الفوز في حرب. سأكون محارباً عظيماً. يا أخي الذكيّ، سأجعلك تتملّقني حين أُسمّى الدبّ الأشهب، أو النّسر، أو السّلمون.»

سخر منه الثّعلب: «كلماتك المتبجّحة لا معنى لها. من الأفضل أن تذهب إلى خيمتك، وتأخذ قسطاً من النوم، وإلّا لن تستيقظ في الوقت المحدّد ولن تختار اسماً.»

جرَّ القيوط نفسه إلى خيمته. قال لنفسه إنّه لن ينام هذه الليلة أبداً؛ بل سيبقى مستيقظاً إلى الصباح. دخل إلى خيمته، فصاحتْ جراؤُه بصوتٍ واحد: «لي-إي-أو!» (أبي!).

كانوا جائعين، ولكنّ القيوط لم يجلب طعاماً. أمّا أمّهم، التي صار تُسمّى پل-لاكو-وهو الخُلدة، الحفّارة، بعد يوم منح الأسماء، فقد أقعتْ على قدمها عند زاوية عتبة الباب. كانت الخُلدة امرأة طيّبة، مخلصةً لزوجها على الدوام برغم تصرّفاته الدّنيئة، واختلاقه للمشكلات، وحماقته. لم تكن غيورةً يوماً، ولم تَسْتَغِبْه بكلمة، ولم تردّ على إساءاته لها بالكلام. نظرتْ إليه وقالت:

«ألم تجلب طعاماً للأطفال؟ إنّهم يتضوّرون جوعاً. لم أجد جذوراً أنبشها.»

«هو هوووه!» تذمَّر القيوط. «لستُ كائناً عادياً كي أُخاطَب بهذه الطريقة. سأصبح زعيماً عظيماً في الغد. هل تعرفين هذا؟ سيكون لي اسمٌ جديد. سأكون الدبّ الأشهب. وبذا سأَلْتَهِمُ أعدائي بسهولة. ولن أكون بحاجة إليك بعد الآن. صرتِ عجوزاً وبيتوتيّة بحيث لا تصلحين زوجةً لزعيمٍ ومحاربٍ عظيم.»

لم تنطق الخُلدة بكلمة. استدارت إلى زاوية الخيمة وجمعت عدة عظام قديمة، وضعتها في كْلِكْ-تشن (قِدْر الطبخ). وبالاستعانة بغصنين صغيرين التقطتْ أحجاراً ساخنةً من النار ورمتها في القِدْر. سرعان ما غلت المياه، وصارت هناك شوربة خفيفة للأطفال الجياع.

«اجمعي ما يكفي من الخشب للنار.» أمرها القيوط. «سأسهر طوال الليل.»

أطاعته الخُلدة. ومن ثمّ ذهبت هي وأطفالها للنّوم.

جلس القيوط ساهراً عند النار. مضى نصف الليلة. نعس. ثقل جفناه. لذا التقط قطعتَيْ خشب صغيرتين وباعد بين جفنيه. فكّر: «سأبقى مستيقظاً الآن.» ولكنّ استسلم للنّوم بعد هنيهة وجيزة، مع أنّ عينيه بقيتا مفتوحتين.

كانت الشّمس قد ارتفعت في السّماء حين استيقظ القيوط. لولا أنّ الخُلدة نادته لم يكن ليستيقظ. نادته الخُلدة. نادته وأيقظته بعد أن عادتْ باسمه من بيت الروح الأكبر. كانت الخُلدة تحبّ زوجها. ولم تكن راغبةً في أن يمتلك اسماً عظيماً فيصبح زعيماً قوياً. إذ خشيت أنّه سيتركها حينئذ. ولذا لم توقظه مع طلوع الشّمس. ولكنّها لم تصرّح بهذا له.

نصفَ مستيقظِ بعد، ظاناً أنّ الوقت ما يزال الصباح الباكر، قفز القيوط عند سماع صون الخُلدة وهرع راكضاً إلى بيت الروح الأكبر. لم يكن هناك أحد آخر من جماعة تشپ-تشاپ-تيكولك. ضحك القيوط. ودخل إلى البيت وهو يرمش بعينيه النّعستين، ثم صاح: «سأصبح كي-لاو-ناو. هذا ما سيصبح عليه اسمي.»

«أُخذ اسم الدبّ الأشهب منذ الفجر،» أجابه الروح الأكبر.

«إذن سأصبح ملكا-نوپس،» قال القيوط بصوتٍ أخفض.

«طار النّسر مع ارتفاع الشّمس،» ردَّ الروح.

«حسناً، سأُسمّى إن-تي-تي-أوي،» قال القيوط بصوتٍ خفيضٍ جداً.

«أُخذ اسم السلمون أيضاً،» فسَّرَ له الرّوح. «أُخذت الأسماء كلّها ما عدا اسمك. لم يشأ أحد سرقة اسمك منك.»

خارت ركبتا القيوط المسكين. انهار قرب النّار التي كانت تتّقد بقوّة في الخيمة، فتأثّر قلب ها-آه إيل-مي-وهين.

قال له: «سن-كا-لپ، لا بدّ أن تحتفظ باسمك. إنّه اسمٌ جيّد يليق بك. نمتَ طويلاً لأنّني أردتُ أن تكون آخر الواصلين هنا. لديّ عمل مهم لك، سيكون لديك عمل كثير تؤدّيه قبل مجيء الجنس الجديد. ستكون زعيم القبائل كلّها.

كائنات سيئة كثيرة تسكن الأرض. إنها تزعج الناس وتقتلهم، ولا يمكن للقبائل أن تتزايد كما أودّ. لا يمكن السّماح لهؤلاء إن-ألت-نا سكل-تن الوحوش التي تلتهم الناس بمواصلة ما تفعله. لا بدّ من إيقافها عند حدّها. وستقع عليك مسؤوليّة هزيمتها. وحين تفعل هذا، ومن أجل كلّ الأشياء الجيّدة التي فعلتها، ستُكرَّم وتُبجَّل من الكائنات الموجودة الآن ومن الكائنات التي ستأتي بعدها. ولكن أيضاً - ستكون موضع سخرية واحتقار على الأمور الحمقاء والدّنيئة التي ستقترفها. لا مفرّ من هذا. هذا مسار حياتك المحتوم.

«وكي أُسهّل عليك عملك، سأَهِبُكَ سكواس-تنك. إنّها قوّتك السحريّة الخاصة. لن يمتلكها أحدٌ سواك. حين تكون في خطر، ومتى ما احتجت إلى عون، استدعِ قوّتك. ستساعدك كثيراً، وبالاستعانة بها يمكن لك أن تغيّر شكلك إلى أيّة صورة أخرى، وإلى أيّ شكل يحلو لك.

«ولأخيك التوءم، واي-أي-لوه، وللآخرين، وهبتُ قوّة شو-مش. وهي قوّة هائلة. يمكن للثّعلب مستعيناً بهذه القوة أن يعيد لك حياتك لو قُتلتَ. قد تتبعثر عظامك، ولكنْ لو تبقّتْ شعرةٌ واحدةٌ من فرائك، يمكن للثّعلب أن يعيدك حياً من جديد. ويمكن للكائنات الأخرى أن تقوم بالأمر ذاته مستعينةً بقوّة شو-مش. والآن اذهب يا سن-كا-لپ! أَدِّ العمل الذي كُلِّفتَ به!»

إذن، صار القيوط زعيماً في نهاية المطاف، وأحسّ بالانتعاش من جديد. صارت عيناه مختلفتين منذ ذلك اليوم. صارتا مائلتين بما أنّه تركهما مفتوحتين وهو نائمٌ عند النار تلك الليلة. وقد أخذ الهنود، الجنس الجديد، أعينهم المائلة قليلاً من عينَيْ القيوط.

بعد ذهاب القيوط، فكّرَ الروح الأكبر أنّ من الجيّد لشعب الحيوان وللشّعب الجديد القادم أن يتمتّعا ببيت بخار الطّهارة الرّوحانيّ. ولكنّ جميع الحيوانات أخذت أسماءً لها، ولم يتبقّ أحدٌ ليأخذ اسم بيت بخار الطّهارة كْوِلْ-ستن، المدفأة. ولذا أخذتْ زوجة الروح الأكبر هذا الاسم. أرادت لجميع الكائنات أن ينتفعوا من بيت بخار الطّهارة، إذ أشفقتْ عليهم. أرادت لهم أن ينالوا مكاناً يلجؤون إليه ليطهّروا أنفسهم، مكاناً يمكن لهم فيه أن يصلّوا من أجل اكتساب القوّة والنّصيب الجيّد ومنافع الطبّ القويّة، حيث يمكن لهم أن يقارعوا المرض ويتخلّصوا من كلّ ما يكدّرهم.

تُمثّل الأضلاع، أو أعمدة الإطار، في بيت الطّهارة زوجةَ الروح الأكبر. وبما أنّها روحٌ أيضاً، فهي غير مرئيّة، ولكنّها موجودةٌ في الجوار دوماً. ثمّة أناشيد مُكرَّسةٌ لها يغنّيها الجيل الحاليّ. إنّها تسمعهم. تسمع ما يقوله النّاس، وقلبُها مفعَمٌ بالحبّ والرّحمة.

* * * * * * *

هوميشوما (يمامة الحِداد): كاتية أميركيّة من السكّان الهنود الأصليّين، اشتُهرت باسمها الأميركيّ «كرستين كْوِنْتاسكِتْ». ولدت عام 1888. اضطرت للتخلّي عن لغتها الأصليّة حتّى كادت تنساها حين تلقّت التّعليم في مدارس البعثات التّبشيريّة في ولاية واشنطن. ولكنّ قربها من جدّتها لأمّها أكسبها ذخيرةً هائلةً من القصص الفولكلوريّة التي جمعت بعضها في هذه المجموعة التي صدرت عام 1933. وكانت قد أصدرت رواية «كوغيويا» عام 1927 التي كانت إحدى أوائل الروايات التي كتبتها مؤلّفة من السكّان الأصليّين، وإنْ كانت مجموعة القصص هي التي رسّخت اسمها أكثر. توفيت عام 1936.

 

صدرت ترجمة الكتاب أخيراً عن منشورات «تكوين» (الكويت) ودار الرافدين.

 

 

 

 

 

 

 


Share:

Friday, October 9, 2020

الطيران تحت سماء واطئة




ربما كان ممدوح عدوان أكثر من استعيد في السنوات الأربع السورية الأخيرة. يكاد يكون لكلّ من استعاده «ممدوحه» الخاص؛ ولكنّ الفيديو الشهير لعدوان في اجتماع اتحاد الكتّاب العرب عام 1979 كان يغطّي على كلّ ما عداه. ممدوح هناك انتقد السلطة التي كانت في أوج قوّتها، بل حين كان الصراع الداخلي يشهد جولته الكبرى في تاريخه المعاصر وصولاً إلى انتفاضة عام 2011 والحرب التي تلتها. كان صوته آنذاك أحد أقوى الأصوات، إن لم يكن أقواها على الإطلاق. تكمن تلك القوة في كونه غير مستند إلى حزب أو طائفة أو عشيرة تدعمه؛ كان صوتاً متفرّداً حتى في أشدّ اللحظات حلكة. ولكنّ الأهم أنّ ممدوح كان معارضاً من الداخل: داخل البلاد، وداخل المؤسسة. لم يكن، آنذاك، اسماً عابراً، بل كان أحد أهم الأسماء الثقافية السورية التي تأسّس عليها المشهد الثقافي السوري وصولاً إلى منتصف التسعينيات، حين بدأ الانحدار على جميع المستويات.

تناسى البعض أنّ أهمية ذلك الفيديو لا معنى لها لو كان ذلك الفيديو لحظة عابرة. وتعززت أهمية ذلك الفيديو، كمعبّر عن الأصوات المعارضة «الإصلاحية»، مع استمرار مسيرة ممدوح عدوان الثقافية. كان معارضاً ثقافياً، لو جاز التعبير، بعدما أدرك عقم السياسة.

كان يحاول دوماً تحقيق معادلة مستحيلة في سوريا، وجميع الدول العربية، وهي أن تحافظ على نظافتك حتى بعد غرقك في المستنقع الآسن للحياة اليومية في وسط ثقافي هو الأسوأ بين جميع دول شرق المتوسط، حيث المحسوبيات والشللية، وحيث يحتل أنصاف الموهوبين والمخبرون كلّ شيء من دون ترك أي فتات لأحد. أن تعارض فساد الطبقة الحاكمة في لحظة يصبح كل من يعارضها مشبوهاً وإرهابياً ومحسوباً على قوى خارجيّة، لا يعني أنك تسبح ضد التيار فحسب، بل أنك تخلق تياراً آخر. لم يكن لذلك الفيديو معنى لو لم يكن ممدوح في الداخل، وفي اجتماع لأكبر مؤسسة ثقافية رسمية قبل تدجينها الكامل. لا معنى لذلك الفيديو إلا إذا ترافق مع العبارة اللاحقة الشهيرة لممدوح حين تحدّث عمّن هم في الخارج، ويقذفون حنينهم للوطن كعادة سريّة. لم تكن علاقة ممدوح بالوطن عادة سريّة، بل كانت علاقة شائكة بالذات والهويّة ومعنى الحضور في زمن التغييب، والصراخ في زمن السكوت.
لا معنى لذلك الفيديو حتى لو روّج له ثوريّو اليوم، بل ربما لا معنى له لأنهم هم من روّجوا له. تذكّرنا، وتذكّرهم، مسيرة ممدوح عدوان، بالمثالين اللذين يريد هؤلاء الثوريّون تناسيهما: إيران وجنوب أفريقيا؛ أو الخميني ومانديلا. لم يصنع الخميني ثورة إيران، كما لم يخلق مانديلا تمرّد السود. أي، لم تبدأ ثورة إيران من المنفى، كما لم تبدأ ثورة جنوب أفريقيا من السجن. بل ربما بالإمكان القول إنّ حضورهما كان مسرّعاً للثورة لا أكثر، إذ كانت الثورتان ناضجتين بما يكفي للقطاف. هذا ما لا يريد ثوريّو الخارج إدراكه. لا معنى للثورة عن بعد، حتى لو كان هناك رمز بحجم الخميني أو مانديلا (وهو ما تفتقده الانتفاضة السورية على أية حال). تبدأ الثورة من الداخل بالضرورة، وليس حضور الخارج (المنفى الاختياري أو القسري) أكثر من مكمّل للصورة، أو مسرّع للعمليّة. لا معنى لذلك الفيديو لو كان التاريخ السوري قد بدأ بآذار 2011 كما يريد منا الثوريون. لكن لذلك الفيديو المعنى كله، والأهميّة كلها، لو وضعناه ضمن سياق تاريخيّ دقيق يبدأ بالمسحوقين وينتهي بهم، ويمر بالضرورة بطبقة مثقّفين صادقين، بصرف النظر عن تصنيفهم، أكانوا ثوريين أم إصلاحيين.
تعيدنا ذكرى ممدوح عدوان إلى ضرورة إعادة التفكير في معنى الثورة والإصلاح، وإعادة تعريفهما. ولن يكون من الصعب، حين دراسة حياة ممدوح، الميل إلى الإصلاح، كما يمثّله هو. إصلاح بألف ثورة، هذا ما كان يمثّله ممدوح عدوان ولا يزال برغم غيابه. تتعاظم أهمية هذا الإصلاح حين نستعيد علاقة ممدوح بمجايليه المهمّشين، وبالأجيال اللاحقة التي هُمّشت بحكم الأمر الواقع بسبب الانهيار الكلي في المنظومة الثقافية والاجتماعية والسياسية السورية. كان ملجأً دائماً لهؤلاء المهمّشين، وصرختهم التي عجزوا عن إطلاقها، أو أُرغموا على ذلك. نكاد لا نعثر على شبيه له في الوسط الثقافي السوري لو استثنينا هاني الراهب وشوقي بغدادي. حين نتذكّر مقدّمته لمجموعة إبراهيم صموئيل الأولى «رائحة الخطو الثقيل» (1988)، المترافقة مع كلمة الغلاف الخلفيّ لشوقي بغدادي، سندرك معنى المثقف الحقيقي الذي لم يتردد في إعلان ولادة متأخرة لمبدع سوري في زمن الضيق والقحط. أما إن أضفنا بأنّ ذلك المبدع اسم مُغيَّب بشكل متعمَّد منذ أواخر السبعينيات، ستكتمل أمامنا صورة ممدوح كمثقّف متفرّد.
ليس نتاج ممدوح عدوان هو ما يصنع وزنه الثقافي، برغم أهمية ذلك النتاج وتنوّعه المرعب وغزارته المدهشة. سنختلف في تقييم مكانته الشعريّة، أو المسرحيّة، أو الصحافيّة، أو في الترجمة، أو السيناريو التلفزيونيّ، ولكن لا يمكن لنا الاختلاف في حضوره العظيم كمثقّف أدرك أنّ الثقافة ليست سوى لهواً ومتعة شخصيّة، وبأنّ هذا اللهو وتلك المتعة هما ما يُقلق أصحاب العروش، ولذا استمر في لهوه وعبثه ومتعته حتى أيامه الأخيرة. أدرك مبكّراً بأنّ السير في الأزقة السوريّة الموحلة يعني الاتّساخ بالضرورة، ولذا أتقن أهميّة القفز بين الوحول، كأنه يطير، كي يخفّف الاتّساخ. طيران ممدوح جعل الأجيال اللاحقة لا تدفن أجنحتها بأيديها، ولذا ستستمر لعبة الطيران، حتى وإن كانت السماء واطئة.


نُشرت في جريدة «الأخبار» اللبنانيّة 19/12/2014


Share:

Friday, October 2, 2020

خورخي لويس بورخس: الإنكليزيّ الذي لم يكن

 


 

 

لا سبيل إلى الإحاطة ببورخس، إذ يدرك القارئ أنّ كل ما يحتاج إليه هو نص واحد من نصوصه ليغرق في رماله المتحركة التي لا فكاك منها. ليست مياه كمياه إدغر آلن بو قبله أو إيتالو كالفينو بعده، بل رمال متحركة لا تختلف عن الرمال المحيطة بها، ولكنّك لن تميّز تفرّدها إلا عند الغرق. تبقى آثار الرمال حتى بوجود فلاتر الترجمة التي كانت وسيلة معظمنا للدخول إلى متاهاته. لا نعلم ما إذا كانت قراءته بالإسبانيّة أجمل من قراءته مترجَماً لأنّه أعظم مَنْ منح الترجمة مكانة أسمى من الكتابة، ليسدّد ضربته القاضية في دَيْن مؤجَّل إلى ثربانتس الذي حَكَمَ على الترجمة بأنّها لن تكون أكثر من ظل باهت، ولكنّ بورخس أمكر، حين أدرك روعة الظلال التي تكون أبهى من الأشياء. ولذا لم يتردّد في تصويب رصاصاته الذكيّة الصائبة إلى ثربانتس ولو بعد قرون طويلة حين كتب عن نفسه وعن ثربانتس وعن «كيخوته» وعن مغامرة القراءة التي باتت مقترنةً باسم بورخس على الدوام، هو والفردوس/المكتبة. ليست تلك رصاصته الوحيدة. إذ منحنا ما يقرب من مئة صفحة من الرصاص المتلاحق الذي يرسم حياته في كتاب «هوامش سيرة» الذي ترجمه لنا سنان أنطون وصدر أخيراً عن منشورات الجمل. صدر الكتيّب عام 1970 بمثابة تمهيد لطبعة أعماله الكاملة، وإنْ بات عملاً مستقلاً تنفصل فيه المقدّمة عن المتن وتبقى متّصلةً به في آن.

رصاصات متلاحقة من العبقريّ الذي انتقى مساره واعياً ولاواعياً بعيداً من مسار عائلتيه العسكريّتَيْن، وبقي يشعر بعار الفراق عن «المصير الملحميّ» إلى أن بلغ الثلاثين وأدرك أنّ ذلك المصير الملحميّ الذي تُسبغه الآلهة لا يلائمه لأنّه سيلوي أعناق المصائر والملحميّة ليكون هو هو، بلا آثار المعارك التي رسمت تاريخ عائلتيه مختلطتَيْ الجنسيّات، بل أوغل في الابتعاد إلى درجة تحويل الملاحم إلى مفارقات لغويّة باتت هي ملحمته الأثيرة، حين يبدأ كلامه عن سيرة حياته بتذكّر أنّ الشركة التي قُتل جدّه برصاصاتها هي ذاتها التي أنتجت شفرات الحلاقة التي يبدأ بها الحفيد يومه. المعامل ذاتها أنتجت سلعتين مختلفتين، ورسمت مصيرين مختلفين لبورخسَيْن متناقضين. لا نجد حضوراً واعياً لوليم فوكنر في أعمال بورخس، على أنّ أسلوب تدوينه لمفارقات العائلة فوكنريّ حتّى النخاع إذ تتناوب المشاهد التي سترسم مصائر الأجداد والأحفاد، وإنْ كان فوكنر قد تورّط في جحيم الحروب التي لم يعرفها بورخس.

ولكن مع انتهاء الطفولة، تملَّص بورخس بذكاء من فوكنر ليكتب مراهقته وصباه بمسارات أخرى لا يربط بينها وبين فوكنر إلا اللغة الإنكليزيّة (فليغفر لنا الأميركيّون الذين يصرّون على أنّ لغتهم لغة مستقلة) التي شكّلت جذر بورخس اللغويّ الفعليّ أكثر حتى من الإسبانيّة التي كان يُفترَض بها أن تكون لغته الأم. لم نظفر بأعمال إنكليزيّة لبورخس الذي أبقاها لبعض التمهيدات الموجزة لترجمات أعماله، فيما باتت الإسبانيّة قَدَره الذي لم يستسغه بدايةً ولكنّه مضى فيه راضياً وإنْ بأسلوب إنكليزيّ لا تخطئه العين المدقّقة. ولم ينج من هذه العدسة الإنكليزيّة التي يقرأ بها بورخس حتّى ثربانتس أعظم الكتّاب بالإسبانيّة صاحب أعظم عمل بالإسبانيّة: رواية «كيخوته» التي أسبغ عليها بورخس أعظم وأردأ حُكم أدبيّ حين بدت له «وكأنّها ترجمة رديئة». لم يصرّج بورخس باللغة التي بدت «كيخوته» مترجمةً منها ولكنّها الإنكليزيّة حتماً. حُكمٌ لم يكن ثربانتس ليبتهج به طبعاً، ولكنّه حكم لم يكن ليُضلّل بورخس عن جوهر عظمة «كيخوته»، أم الروايات وأعظم رواية لا تشبه الروايات في آن، حين قرأها بورخس كما يقرأ كل شيء: بوصفه مزيجاً مُحكَماً من القصة القصيرة والمقالة.

واصلت الإنكليزيّة حضورها عند بورخس منذ الطفولة إلى الشيخوخة، حتى في سنوات الدراسة التي كانت باللاتينيّة والفرنسيّة، حيث بقيت الإنكليزيّة في الظل الذي يرتاح فيه بورخس أكثر من الأضواء المباشرة. اللافت أنّه تعاملَ مع الإنكليزيّة، على عكس الغالب الأعم من متحدّثيها أو حتّى متابعي الأدب المكتوب بها؛ بدأ بورخس من الأضواء واستقرّ في الظل: بدأ بأوسكر وايلد وفوكنر وفرجنيا وولف وشيكسبير ولكنّه استقر في النهاية في هامش الأدب الإنكليزيّ كما في أعمال تشسترتن وآلن بو وفي قصص هنري جيمس، إلى أن بدأ رحلته العجيبة رجوعاً إلى الإنكليزيّة الوسيطة والقديمة التي كانت أشبه برحلة إلى الجذور الخفيّة التي طغت عليها شجرة الإسبانيّة التي لم تكن لتغريه بتطويبها وتطويب أدبها في المكانة الأسمى التي أبقاها للإنكليزيّة ولأدبها «الأغنى في العالم». ولكن أيّ أدب ذاك؟ ليس الأدب الذي يُدَرَّس أكاديمياً في تأريخ جاف ينفر منه حتّى عشّاق اللغة، بل ذلك الأدب المنسيّ الذي كان وما زال وسيبقى أدباً صعب المنال حتّى لو حكمت الموضة الأدبيّة باستعادته موقّتاً، كمقالات تومس دي كوينسي وتومس براون، وقصائد والت وتمن الذي رآه بورخس «الشاعر الأوحد».

لا يصرّح بورخس بمشاعره حيال ترجمة أعماله إلى الإنكليزيّة، ولكنّنا ندرك من كتب أخرى أنّها التجربة الأعظم في حياته حيث أُتيح له العمل على نصوصه مرتين: مرة بالإسبانيّة، وثانية بالإنكليزيّة التي كان الشريك الدائم فيها لمترجمه دي جيوفاني. اللافت أنّ الظل المنعش الذي كرّسه بورخس للإنكليزيّة انقلب إلى أضواء ساطعة معاكسة حين كانت الإنكليزيّة بوابة عبور بورخس إلى «العالميّة» وإلى الشهرة، أكان هذا في ترجمة أعماله، أو في حضوره أستاذاً زائراً في جامعات أميركيّة يُدرِّس فيها الأدب الأرجنتينيّ من دون أن يتخلّى عن عشقه في دراسة الإنكليزيّة القديمة. لم تغيّر هذه الشهرة الحارقة بورخس، لا لأنّه عصيّ على الاحتراق، بل لأنّه يعرف نفسه، ويدرك لعنة الشهرة التي يماهي بينها وبين العمى حين هاجماه بالتوازي، ويُبدي إيقاناً مدهشاً بأنّها لن تعني الكاتب الذي بدأ اللعب متأخّراً بعد أن غادرته أوهام الشباب، أو الكاتب الشيخ الذي يشير صراحة إلى أنّ أهم أعماله باتت وراء ظهره وأنّه لن يكتب أعمالاً أهم منها. لن يتوقّف عن الكتابة حتماً، بل سيبحث عن طمأنينة الوصول بعد تلك الحياة الحافلة. يختم بورخس كتابه القصير بتمنٍّ مفرط في التفاؤل والألم في أن «يُحِبّ ويُحَبّ» كي تكتمل طمأنينته المنشودة، ولكنّنا ندرك أنّ الطمأنينة ستبقى مشوبةً بالحسرة حتّى لو تحقّقت الأماني، إذ ستبقى الأحلام؛ أحلام ذلك الأرجنتينيّ الذي لم يتخلّ عن حلمه في أن يكون إنكليزياً، ولكنّه لم يكن.     

 

Share:

Wednesday, September 30, 2020

الشام أمًا وابنةً وعشيقةً: أن نعيش الحلم ونصدّقه

 


 

 

ما المقدمة التي يمكن أن تليق بشاعر كان اختزالاً لقرنين كاملين؟ انقضى القرن الأول بكل صخبه وثوراته وتداخل هويّاته وثوراته الشعرية، وبدأ القرن الثاني باضطراباته وتمرّداته، ولكنْ ثباته الشعريّ. عاش سعيد عقل بين قرنين متباينين، ورحل ليتركنا حائرين أمام شخصيته الإشكالية التي كانت مرآة لما بقي مشتركاً من هذين القرنين: بهاء الشعر، ووحل السياسة وجحيم أزليّ من الحرب. تساءل عبد الرحمن منيف يوماً عمّا إذا كانت السياسة قد ربحت إميل حبيبي، بعد أن خسره الأدب. يصدق هذا التساؤل الدقيق على سعيد عقل بالذات. الفارق هو أنّ منتقدي عنصريّة ويمينيّة عقل تشبّثوا بالجانب السياسي العابر عنده، وتغاضوا عن جوهره الفعليّ، أي الشعر.

لم يكن عقل أول شاعر تُحرقه السياسة، ولن يكون الأخير، ولكنّه لم يطرح نفسه سياسياً، بل شاعراً. لمَ نقبل «التفكير الشعري في السياسة» - على حد تعبير ممدوح عدوان - عند غيره، ونقف مطوّلاً عنده؟ هل لأنّ عنصريته كانت موجّهة إلى الفلسطينيين؟ هل كان تلقّي العنصرية سيختلف لو كان هو شاعر مقاومة وعنصرياً ضد اليهود مثلاً؟ بالطبع، لا يمكن إغفال الجانب العنصريّ والشوفينيّ لديه، ولكن ألا يُغفر له كونه عاش زمن الحرب الأهلية اللبنانية بكل قذارتها؟ بل، ألا يُغفر له أنه عاش حياة ملأى بالحروب، ابتداء بالحرب العالمية الأولى وصولاً إلى آخر اعتداءات إسرائيل والحروب الأهليّة العربية الصغيرة؟ في الحرب، أية حرب، يربح السياسيون وأمراء الحروب، ويخسر الجميع، أكانوا عنصريين أم مقاومين أم وطنيين؛ في الحرب يجنّ الجميع. في الحرب اللبنانية خسر اللبنانيون والفلسطينيون والسوريون وبقي أمراء الحرب مكرّسين على عروشهم التي دعمتها إرادة دولية وتوافق أهليّ. لا يمكن لأحد تناسي التصريحات الشهيرة لعقل عام 1982، ولكن، عند مراجعة جميع المواقف التي تلت ذلك العام الفاصل، هل كان من تبقّى من الشعراء والسياسيين أفضل منه، أو أقل سوءاً؟ في حالة سعيد عقل، بقي الشعر، ولكن في حالة عنصريي الأمس، ثوريي اليوم، لمّ يتبقّ شيء، بل باتوا هم كلّ شيء.

لنبق في الشعر إذاً، ولننس السياسة. لن تروق هذه الجملة لمناصري تلازم الفنيّ والسياسيّ بكل تأكيد، ولكن لنحاول ذلك، ولنسقط السياسة عن الجميع، من دون أن ندخل في مفاضلة تحديد الأسوأ: العنصريّ الصريح، أم الوطني الزائف. فلننس السياسة، حتى في تجلّياتها الأخيرة حين صار شعر سعيد عقل نفسه، أداة للتجاذب السياسي بين الأطراف السورية المتصارعة. ولنتحدث عن الشاعر الذي خلّد الصورة البهيّة للشام في ظل أسوأ أنظمة مرت على تاريخها. هذا ما يتبقى فعلياً من سعيد عقل؛ الشعر فحسب.

ما الذي يجعل للسيف تلك الدلالات المحبّبة لو لم يكن في شعر عقل، وما الذي يجعل لبردى عظمته لو لم تكن نسماته ابنة لقصيدة عقل؟ كتب جميع الشعراء ربما عن السيف، ولكنّ عبقريّة سعيد عقل نقلته من كونه أداة للحرب لكي يكون تفصيلاً آخر، لا يقل ألقاً عن خاتم الذهب، أو المشوار، أو الحلم، في عالمه الشعري. كلّ من يعرف بردى، بعد تحوّله إلى ساقية آسنة، سيتذكّر نسمة بردى بسخرية، ولكنّه سيتناسى المشهد الساخر مباشرة ليقع في غرام قصيدة «مُرّ بي» للمرة الألف، ويبدأ تخيّل بردى-الحلم الخاص به. هذه النقطة بالذات هي التي تجعل سعيد عقل متفرّداً. قلّة هم الشعراء الذين نقع في غرام قصائدهم بعد كل قراءة جديدة، وسعيد عقل كان أحدهم، إن لم يكن أهمّهم. هو أهمّهم لأننا لا نستطيع غربلة سطر واحد من قصائده؛ ولد الشعراء على دفعات، بينما ولد سعيد عقل شاعراً منذ قصائده الأولى. اللافت في سعيد عقل بأنه أضاف مجداً آخر في الشعر المحكيّ، بل كان ذلك الشعر بالذات مصدر قوّته وعظمته. ربما كانت روعة شآميات عقل، وشعره الفصيح بالعموم، هي أنها كانت استراحات عابرة بين جنّة الشعر المحكيّ، ولذا تسلّلت إليها ألوهيّة المحكيّ، ببساطته وعمقه وعطره. إن كان ثمة سمة غرائبية وفريدة، في آن، لشعر عقل هي أنه يبدو كالعطر بغموضه وعمقه وأثره في الروح. الروحانية بمعناها الشفيف تغلّف شعر عقل بأسره، بحيث كان ربما الشاعر الوحيد الذي تحسّ أنّ الجسد لديه أداة عابرة نحو الروح، من دون أن يفقد معناه الحسيّ المغوي.

انطلاقاً من حضور المرأة/الشام عند عقل، سندخل إلى عالم متفرد في شعره. بقيت المرأة، أكانت حقيقية أو مجازية، بكامل براءتها وإغوائها، كالأيقونات. وكذلك بقيت الشام عنده، بصرف النظر عن «واقعها» وحكّامها ورجالها. كانت الشام أماً وابنة وعشيقة لعقل، وتخصّه وحده، ولذا باتت تشكّل عند كل قارئ للشآميات، وعند كل سوريّ، تجلّياً متفرداً لشامه التي يحب، أو يكره حتى. الشعر هو ما يحضر ويبقى، أما السياسة عابرة. هذا ما ميّز سعيد عقل شعرياً: أن تكون شاعراً عربياً ينسف السياسة بالشعر يعني أن تكون مميّزاً بالضرورة. ربما كان نوعاً من الإيهام، ولكن من قال إنّ الشعر والحلم ليسا إيهاماً أساساً؟ «ان صحّ الحلم، شو صار؟»

كانت السياسة حجر عثرة في حياة سعيد عقل الممتدة مسافة قرنين؛ حجر كبير ومرهق له ولنا ربما، ولكنه مجرد حجر. هذا ما تحاول قصائده القول لنا، بالفصحى والمحكية، بشامها ولبنانها ومكّتها وصليبها وفيروزها. سيبقى لكلّ منا اعتراضاته وكرهه لخطايا عقل. ولكن، لنتوقف لحظة للتفكير: أيمكن لمن كتب كل تلك القصائد أن يهدّد فعلياً بـ «قص راس» معارضيه؟ قاطعو الرؤوس حاضرون بكثافة اليوم، وشعر سعيد عقل حاضر أبداً. المهم هو من يبقى لا من يعبر. «قال علّمتني حلوة الحلوين/ ان فلّيت اترك عطر بهالكون».  


نُشرت في جريدة «الأخبار» اللبنانيّة 29/11/2014   

Share:

Friday, August 14, 2020

أحمد مراد: اللعب بعجينة الكتابة






شكّلت رواية أحمد مراد «الفيل الأزرق» (2012) مفاجأةً حين وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة «بوكر العربيّة» عام 2014. كانت الرواية (وما تزال) أجرأ خيار لمحكّمي الجائزة وللقائمين عليها. فالرواية تنتمي إلى الأدب غير المعترف به في «جنّة» الجوائز والنّقد الأكاديميّ: رواية «بست سيلر» من «أدب الجانْر» الموجَّه إلى شرائح قرّاء محدَّدة لهم بوصلتهم الخاصة التي لا تتقاطع مع بوصلة الأدب السائد إلا نادراً. ولكنّ الرواية محض خيار جريء لا أكثر، إذ لا تمثّل أهميّة كبرى حتّى ضمن تيّار أدب الجانر العربيّ، بالرغم من انتشارها الهائل الذي جعل من كاتبها أحد أشهر الروائيّين المصريّين، بل العرب بالمطلق الآن. ولكنْ يبدو أنّ مراد حاول طوال سنوات كسر الخانة التي حبسته فيها الرواية، ومضى يشقّ طريقه في مسار روائيّ آخر، أصدر فيه ثلاث روايات، وصولاً إلى روايته الجديدة «لوكاندة بير الوطاويط» التي صدرت أخيراً عن دار الشروق.
أثارت الرواية الجديدة جدلاً آخر مختلفاً هذه المرة حين قُرصنت إلكترونياً لتثير عاصفة بشأن حقوق الملكيّة الفكريّة، وعاصفة أقل تتّصل بردود الأفعال التي حظيت بها الرواية، من النسف التام لكونها رواية «بست سيلر مراديّة أخرى»، إلى الحماس المبالغ فيه من قرّاء مراد المخلصين، وهم شريحة كبيرة لا يمكن لنا تجاهلها بحال من الأحوال. لستُ من المتابعين الدؤوبين لتجربة مراد الروائيّة، ولذا شكّلتْ روايته الجديدة مفاجأة صاعقة بالنّسبة إليّ إذ ما من مجال للمقارنة بينها وبين «الفيل الأزرق». بل لا ميالغة لو قلنا إنّهما تبدوان لكاتبيْن مختلفَيْن للوهلة الأولى، لمصلحة الرواية الجديدة بطبيعة الحال. رواية متقنة بدرجة كبيرة بدا فيها مراد أهدأ وأبرع في إدراكه لأدواته وحدودها، وللكتابة في ذاتها، إذ تعامل معها بوصفها لعبة ممتعة لا حدود لها، ممتعة لكاتبها قبل أن تكون ممتعة لغيره. بدا مراد محترفاً بدرجة عالية بالمقارنة مع مراد الهاوي قبل ثماني سنوات. وحتّى لو تجاهلنا مقارنته بروايته تلك، سنجد أنّ «لوكاندة بير الوطاويط» إحدى أجمل الروايات المصريّة الصادرة في السنوات الأخيرة، ولا تكاد تنافسها إلا روايات تُحصى على أصابع اليد الواحدة. رواية تلعب بالتاريخ وبالخيال وبالهذيانات وبالبارانويا وبالجنس وبالأزمنة وبالطبقات على هواها، لتقدّم لنا شخصيّة سليمان أفندي السيوفيّ، مصوّر الموتى السّائر في درب النبوّة والوحي؛ شخصيّة ستحفر مكاناً كبيراً لها بوصفها إحدى أجمل الشخصيّات الروائيّة في مشهد روائيّ لا ينشغل برسم الشخصيّات ولا يكترث بصنعة الخلق في الكتابة اكتراثاً كبيراً في ظل انشغال الروائيّين بصرعات الأدب التي تولد ميتة، وبكتالوغات الكتابة بالمسطرة.
سليمان أفندي هو الرواية. فاليوميات يومياته، والقاهرة قاهرته، والوحي وحيه، والنّساء نساؤه، واللغة لغته، والموتى موتاه. وفي ظل هذا التّطابق التام بين الرواية وبين الراوي ستعتمد قراءتنا للرواية على مدى تقبُّلنا لسليمان نفسه؛ إنْ أحببناه أحببنا الرواية، وإنْ نفرنا منه نفرنا من الرواية، وإنْ أسأنا فهمه (وهذا هو الأخطر) سنسيء فهم الرواية. لنا أن نقرأها قصةً بوليسيّةً تنوس بين الرعب والتّشويق، ولنا أن نقرأها دوامة بارانويا رائعة، ولنا أن نقرأها رواية تاريخيّة تنطلق من «التاريخ البديل» وسؤاله الأثير: «ماذا لو؟» ولا تنتهي به. غير أنّ كلّ قراءة من هذه القراءات ستمسي قراءة قاصرة إنْ أفردناها من بين القراءات الأخرى. نقطة قوة الرواية ونقطة ضعفها في آن هي أنّها مجموعة خيوط متشابكة تبدأ وتنتهي بسليمان السيوفي، وبطريقة تعامل مراد مع سليمان، وبمدى إخفاء مراد لصنعة الكتابة بحيث يخرج من المشهد تماماً ويتركه لصاحبه فقط. نجح مراد في هذا نجاحاً كبيراً، ولكنّه وقع في الفصول/اليوميات الأخيرة في فخ فصل الخيوط المتشابكة، فركّز حيناً على الجرائم، وفَصَلَ حيناً بين سليمان وبين وحيه، وأفرد حيناً آخر حيّزاً مبالغاً فيه للتفاصيل التاريخيّة، بحيث انتهت الرواية بثلاثة خيوط منفردة باهتة، فيما كان يُفترَض أن تكون خيطاً ثلاثياً متضافراً يتضاعف جماله بتضاعف تعقيده. ولكنّ اللغة المشغولة ببراعة بقيت العنصر الأجمل حتّى بعد تفكُّك الخيوط، بل لنا أن نرى أنّ نقطة التّجريب الأكبر كانت اللغة التي تضبط إيقاع السّرد الجنونيّ، وتبدو مرآة وبوصلة لتقلّبات سليمان الذي يبدو للوهلة الأولى راوياً غير موثوق به، فيما هو في حقيقة الأمر أكبر من هذا. إنّه نبيُّ لغةٍ في المقام الأول: يستنطق الموتى باللغة، ويقاوم الميلانخوليا باللغة، ويقارع عدوّه الهجين باللغة، ويضاجع باللغة، ويقتل باللغة، ويعقل باللغة ويُجنّ باللغة. اللغة لدى سليمان منبع خلق وكينونة قبل أن تكون وسيلة للكلام أو البوح أو الألم أو استعادة أحداث الماضي.   
نقرأ في قصة لكافكا بعنوان «الحقيقة بشأن سانتشو بانثا» فكرةً مدهشةً، وهي أنّ كيخوته ليس إلا شيطان وحي سانتشو الذي أطلق العنان لذلك الشيطان بإرادته ليعيش مغامراته. رواية كيخوته تبعاً لقراءة كافكا هنا تدور داخل ذهن سانتشو واقعاً وخيالاً، إنْ كان للواقع وللخيال معنى في دنيا كيخوته. وكذا الأمر في «لوكاندة بير الوطاويط» (أو ما يُفترَض أن تكون عليه الرواية ربما): جميع تفاصيل الرواية وخيوطها النبويّة والتاريخيّة والجنونيّة والإيروتيكيّة دوّامةٌ من دوّامات ذهن سليمان السيوفي. لا واقع ولا خيال، لا تاريخ ولا حاضر؛ بل لعلّنا نحن أيضاً تفاصيل ضمن خيالات سليمان المدهشة، خلقٌ آخر لهذا النبيّ الذي اختزل العالم كلّه في غرفته الفوضويّة وفي ذهنه المرعب، بحيث بات كلّ ما ومَنْ لا يوجد في ذهنه غير موجود، وكأنّه لم يكن، حتّى لو شهدتْ له أرقام وأحداث. ثمة نبيٌّ شقَّ البحر، وأنبياء أحيوا الموتى، وأنبياء أسبغوا البركة في الطعام والشراب، بينما نبوّة سليمان من جنس آخر: نبوّة ذهنيّة علقت في مرحلة الوحي ولم تغادره؛ وحي جنونيّ تتداخل فيه الأزمنة والأمكنة، والموت والحياة، والدنيا والآخرة في متاهة لغويّة آسرة. تلك هي «رسالة» سليمان أفندي السيوفي النبويّة في غرفته الرثة، ويومياته المبعثرة الناقصة التي نقلتها لنا رواية «لوكاندة بير الوطاويط» التي اختلف حولها القرّاء وسيختلفون. ليست محض هذيان كما رآها البعض إذ هي أبهى من هذا بكثير؛ وليست «تحفة» كما رآها قرّاء متحمّسون، لا لعلّة فيها وحسب بل لأنّ هذا الزمن ليس زمن تحف أدبيّة، أو على الأقل لا بدّ للتحفة من معالجة أبطأ وأهدأ وأعمق؛ وهي ليست «منزلة بين المنزلتين» أيضاً. إنّها رواية جميلة معقّدة زلقة كفخّ أزليّ؛ لا عجب أنّ خيوطها قد أفلتت حتّى من كاتبها في نهاية المطاف.     


Share:

Friday, August 7, 2020

عمر خليفة: كل شيء ولا شيء عن فلسطين






ما الذي نتكلّم عنه  حين نتكلّم عن فلسطين؟ كل شيء ولا شيء. هذا ما ينتابنا دوماً حين نفكّر بالكلام أو بالكتابة عن فلسطين. سادت العادة أن تكون فلسطين إما فوق الكلام أو تحت الكلام؛ إما أن نبالغ في الحديث عنها فتصبح عصيّة على المقارنة وعلى التعبير، أو أن نتجاهلها وكأنّها لم تكن، فيظنّ دافنوها أنّهم قد تخلّصوا منها حين سكتوا عنها. هل هي الأرقام والإحصائيّات؟ أم البشر والحجر؟ أم الماضي والحاضر؟ أم المستقبل الذي لا براء منه؟ أم هي بلاد كأيّة بلاد أخرى لا بدّ أن تبقى ضمن مستوى الكلام بلا إفراط وبلا تفريط؟ في أحد الأيام سألتُ صديقةً فلسطينيّة عن القدس: هل هي بجمال ما يُكتَب عنها أم أنّ قداستها تُعمينا عمّا سواها؟ هل نعبّر عنها بالوعي أم اللاوعي؟ كان جوابها أنّ القدس مدينة كغيرها، بصخبها وفوضاها وتلوّثها، وبهدوئها وتنظيمها وصفائها، ولكن ثمّة سر غريب فيها عجزت صديقتي عن إدراكه، وعجزتُ أنا عن إدراكه طبعاً، ولكنّي فهمته بالمقارنة مع علاقتي بالشام. مدينة كغيرها من المدن، وبلاد كغيرها من البلاد، لكنْ ثمّة ما هو أكبر. أمر يعجز عنه الكلام ولذا نخفق دوماً في التعبير عنه فنجعلها كل شيء ولا شيء.
هذا عن فلسطين، عن البلاد. ولكن ماذا عن ناسها؟ ماذا عن الفلسطينيّين؟ منهم مَنْ ولد وعاش وسيموت داخلها، ومنهم من ولد وعاش وسيموت خارجها، وبتنا نقرأ قصصهم الآن. ما معنى أن تكون فلسطينياً وأنت لا تمتلك من فلسطينيّتك إلا الهويّة، إلا تاريخ آبائك وأجدادك فيما أنت نصف فلسطينيّ في أفضل الأحوال؟ هل يكفي تاريخك ليؤكّد حاضرك، أم أنّ المياه قد جرت تحت جسور الزمن وانتهى الأمر. هذا ما يتناوله عمر خليفة في روايته الأولى «قابض الرمل» (دار الأهليّة). يتناول مسألة أن تكون فلسطينياً من الجيل الثالث؛ أن تكون حفيداً للفلسطينيّين المنكوبين فيما أنت في واقع الحال ابنٌ لبلاد أخرى شكَّلَتْكَ وشكَّلْتَها. يحاول خليفة أن يكتب عن هذا الجيل الثالث من خلال شريحة فلسطينيّين ثلاثينيّين وثلاثينيّات من الطبقة الوسطى، ولدوا ودرسوا وعملوا فيما فلسطين ليست أكثر من نبأ في التلفزيون ومواقع التواصل. هم بمنجاة من لعنات الذاكرة كما يظنّون، ولكنْ كان يكفي حدثٌ صغير عابر كي ينكأ جراحاً كانت خفيّة عليهم قبل أن تكون خفيّة على غيرهم. وكأنّ قَدَر الفلسطينيّين أن يبقوا فلسطينيّين حتّى حين يظنّون أنّهم أبناء جيل لم يكتوِ بنار الذاكرة.
تتلاقى مصائر أربعة صحفيّين حين يُكلَّفون بكتابة تحقيق عن ذاكرة عجوز فلسطينيّ عاش النّكبة ويأبى الحديث عنها. تتّسع دائرة المصائر شيئاً فشيئاً في دوّامة تبتلعهم وتبتلع شاباً آخر هو حفيد ذلك العجوز، بحيث تلاقت الأزمنة وتداخلت وتصادمت ليجرف الماضي كلّ شيء. فالنّكبة لم تكن بالنّسبة إلى هؤلاء الشّباب إلا حدثاً تاريخياً يمسّهم مساً طفيفاً إذ صودف أنّهم فلسطينيّون. بل كانوا يظنّون أن فلسطين أيضاً ليست إلا حدثاً في الماضي لا يمتّ بصلة لحاضرهم الغارق في محاولات العيش والحب والجنس والزواج والعمل. لم تكن إلا حدثاً بعيداً قد يمرّون به في فيلم وثائقيّ أو قد تتقاطع مع حيواتهم في مفارقات ساخرة، كما هي الحال مع الدبكة والهويّة واللهجة. تلك محض أقنعة لماضٍ لا يعنيهم، ولكنّ تلك الصدفة أمست لعنةً مزّقت الأقنعة كلّها ليدركوا أنّ تلك النّكبة التي رسمت تاريخ أجدادهم ولآبائهم سترسم مصائرهم هم أيضاً. وتتضاعف المفارقة حين نجد أنّ النكبة مسكوت عنها حتى لدى ذاكرة العجوز، ولكنّ ذلك المسكوت عنه والخفيّ والمُتجاهَل سيتفجّر لتطال شظاياه الجميع على اختلاف أجيالهم. يلعب عمر خليفة في منطقة حرجة ودقيقة للغاية، إذ يحاول تدوين تلك المفارقات الساخرة من دون أن يغرق أو يُغرِق شخوصه في لعنة الماضي. لا يتعامل خليفة مع شخوصه بحبٍّ أو بتقديس بل يسخر منهم كلّهم، ولكنّ تلك السخرية لن تكون جارحةً برغم قسوتها، إذ هي معجونةٌ بفهم الذات وفهم الشّخوص الأخرى، فالكاتب مثل شخوصه ضحيّة تلك المفارقات التي يدوّنها، وضحيّة صمت ذلك العجوز الذي يصمت فيجرح ويحكي فيجرح.
تتضاعف صعوبة الكتابة حين أراد خليفة الكتابة عن فلسطين وعن الفلسطينيّين مع إبقاء النّكبة خلفيّةً للأحداث. ليس التّحقيق الصحفيّ مركز الأحداث في نهاية المطاف، بل هم الشّباب الفلسطينيّون وحيواتهم المتقاطعة، في تشابهاتها وتبايناتها. نقرأ عنهم وعن تفاصيل حيواتهم قبل التّحقيق وبعده؛ فالجنس والأخطاء والبوح والصمت والقرب والبعد تفاصيل مهمة مثلها مثل جراح الذاكرة. ولكنّ هذا محض قناع آخر، إذ كان يُفترَض بالصحفيّين الأربعة وبالحفيد أن يعودوا إلى تفاصيلهم القديمة حالما أخفقَ التّحقيق، ولكنّهم وُشموا بذاكرة الأجداد، وما عاد أمامهم مفرّ من الإيغال في نكء تلك الجراح أكثر فأكثر، وفي مماهاة جراحهم الشخصيّة مع جرحهم الجمعيّ. ندرك حين نصل إلى الثلث الأخير من الرواية بانّ الثلثين الأوَّلَيْن ليسا إلا تمهيداً لما سيحدث. وكأنّ هذا التقسيم مرآة لحيوات الشّخوص أيضاً، فكلُّ تفاصيلهم قبل التّحقيق ليست إلا تمهيداً لما سيجدث لهم ومعهم أيضاً، ولذا كان الثّلثان بطيئين إلى درجة الملل أحياناً. ولكنّ خليفة يتقن نصب الفخاخ، ويبرع في كتابة المواقف المركّبة. فالبراعة، كلُّ البراعة، هي اللعب على الخيط الخفيّ بين سعي الشّخوص إلى اكتشاف سر صمت العجوز وبين سعيهم إلى اكتشاف ذواتهم؛ بين الانتقام الطائش من العجوز وبين الفضول الحارق لإتمام نقص الذاكرة. البراعة هي في اللعب على المعنى المزدوج لـ «التّداعي»: تداعي الحياة وتداعي الذاكرة. ندرك متأخرين، مثلنا مثل شخوص الرواية، بأنّ الذاكرة هي الحياة، حتّى لو كنّا أبناء جيل ثالث أو رابع أو خامس.
لا يمنح خليفة أسماء لشخوص الرواية، بل تمسي صفاتهم هويّة لهم. ولكنْ أدّى هذا التّجريد إلى طمس الفوارق بين الشّخوص أحياناً، وإلى تركيز متفاوت في رسم ملامحهم، بحيث كاد بعضهم يخرج من الصورة تماماً حين تحوَّلت دائرة الضوء إلى غيره. ربما كانت الرواية تحتمل تفصيلاً أكبر، ومعالجة أعمق لشخصيَّتَيْ القائد والمترجمة، مثلاً، بالمقارنة مع المعالجة الرهيفة لشخصيّتَيْ الخائنة والحفيد. ولكنّنا أمام رواية أولى مبشّرة للغاية، وأمام كاتب يتقن التقاط التفاصيل المركّبة التي تصوغ هويّاتنا وشخصيّاتنا بوصفنا بشراً عالقين في ذاكرتنا وذاكرة آبائنا؛ كاتب يرى الأقنعة التي نرتديها كلّنا، فيمزّقها بجرأة لنفهم أنفسنا أكثر، ونتلمّس هشاشتنا أكثر.         

Share:

Friday, July 24, 2020

إريش ماريا ريمارك: عن البشر وبيادق أخرى






لم يكن المعلّم الألمانيّ الشاب إريش ماريا ريمارك يتوقّع النجاح الساحق الذي نالته روايته «لا جديد في الغرب» (1929). وربّما لم يدرك أسباب ذلك النجاح حتّى بعد أن هدأت أصداء ذلك الانتشار. وعلى الأغلب أنّه لم يكن ليتخيَّل صمودها قرابة قرن كامل من القراءة وإعادة القراءة والترجمة وإعادة الترجمة. غير أنّنا اليوم قادرون أكثر على فهم تلك الرواية وفهم كاتبها وفهم أسباب نجاحها، بل قادرون على ترسيخ مكانتها أكثر عبر إعادة قراءتها مرات ومرات. سنُسطّح الرواية ونختزلها اختزالًا مُجحفًا لو قلنا إنّها رواية عن الحرب العالميّة الأولى، أو عن الحرب، أيّة حرب. الرواية تهجو النّفاق البشريّ، بل البشر كلّهم، ألمانًا وغير ألمان، من شارك في الحرب ومن لم يشارك. وبذا فهي كانت وستبقى رواية كلاسيكيّة لن تُنسى إلا بنسيان فعل القراءة في ذاته، كأيّ عمل كلاسيكيّ راسخ آخر. أسباب انتشار الرواية كثيرة ومتشابكة ومتناقضة أحيانًا: إنّها رواية كتبها جنديّ ذاق ويلات الحرب وكتب عنها؛ رواية نضجت في ذهن كاتبها ولم يدلقها مباشرةً كشتيمة، بل انتظر إلى أن اختمرت وقست أكثر؛ رواية عن الحرب العالميّة الأولى ولكنّها نُشرت في سنوات السلام التي بدت فيها الحرب محض كابوس بعيد ظنَّ الناس أنّه في الماضي فقط؛ رواية نبشت ذلك الكابوس لتنبّه الناس إلى أنّ الحرب قادمة لا محالة وأنّ الإنسان أحمق إلى درجة تكرار أخطائه ذاتها دومًا، ومنافق إلى درجة إلقاء الكذبات الممجوجة ذاتها قبل كل حرب وأثناءها وبعدها.
قراءة أخرى لريمارك؟ ترجمة أخرى لريمارك؟ هذا سؤالان متهافتان لأنّ الاستنكار الذي يغلّفهما مردودٌ على صاحبهما. نعم، لا بدّ من قراءات ومن ترجمات لهذه الرواية. ومن هنا تنبع أهميّة الترجمة الجديدة لرواية ريمارك التي صدرت أخيرًا عن دار «أثر» بترجمة ليندا حسين. إذ نقرؤها مترجمةً بترجمة دقيقة صافية عن الأصل الألمانيّ مباشرة، وبالعنوان الأدق «لا جديد على الجبهة الغربيّة». ليس هذا مجال الحديث عن الفارق بين العنوانين: «كل شيء هادئ على الجبهة الغربيّة» (كما ساد في الترجمات السابقة عن لغات وسيطة) و«لا جديد على الجبهة الغربيّة». إذ سنضيع وقتًا وجهدًا كبيرين في محاولة إقناع قراء كثيرين ببدهيّات: أهميّة الترجمة عن اللغة الأصل، والحفاظ على العنوان الأصل. المهم هنا هو أنّها ترجمة صدرت في وقتها إذ نعيش أيامًا فوضويّة تجمع طبول الحرب وهدنة السلام، وتُنذر بطبول أعلى لحروب قادمة لا محالة. مئة عام لا تكفي كي يتخلّى البشر عن حماقتهم ونفاقهم، إذ لعلنا لا نعيش إلا بالحرب ومن أجلها، أيًا تكن النتائج. وهذا ما كان بطل الرواية باول بويمر غافلًا عنه في بداية الأحداث، إذ كان في بداية الأحداث غافلًا عن الخطين المتوازيين اللذين يرسمان حياة الحرب: الأنا والنّحن. نتعرف إلى باول منذ البداية بوصفه بيدقًا من بين عشرات آلاف البيادق في الحرب، ولكنّه لا يدرك أنّه بيدق لأنّه ما يزال متذبذبًا بين الحياة المدنيّة التي لم يكد يبدأها بعد والحياة العسكريّة التي ستصبح حياته الوحيدة. ولذا يتناسى البيدق زملاءه البيادق الأخرى في السريّة التي كان تعدادها 150 جنديًا قُبيل بداية الرواية، لندرك بعد صفحات قليلة أنّ العدد تضاءل إلى 80، ليتضاءل أكثر إلى 32 مع منتصف الرواية، قبل أن يتلاشوا جميعهم وكأنّهم ما كانوا.
ربما كان باول هو ريمارك نفسه. هذا ليس مهمًا لنا، بل يهمّنا براعة تشريح ريمارك للحرب وللبيادق الألمانيّة وغير الألمانيّة التي لا تولد ولا تعيش إلا لتكون وقودًا للحرب التي لا تنتهي إلا كي تعود. فرحة باول ورفاقه بالطعام الوافر في بداية الرواية حين أصبح لكل منهم حصتان بدلًا من حصة واحدة هي فرحة الجسد الذي لم يذق إلا الحرمان. النجاة هي الهدف الأول والأخير، والجنديّ خُلق كي يموت. تلك طبيعة الأشياء كما كان باول يراها. ولكن مع اكتشافه شيئًا فشيئًا أنّ البيادق تكاد تتلاشى يتنامى الشعور الآخر الذي لا يدركه إلا مَنْ عايش تجربة النّجاة الجماعيّة. أن تنجو مع رفاقك كي تكون لنجاتك معنى، لا أن تنجو بمفردك. باول نفسه الذي فرح بحصّة الأكل المضاعفة كاد يتقيّأ بسبب غفلة المدنيّين وأنانيّتهم حين رحل ليقضي إجازته في بلدته. مدير مدرسته يريد أراضٍ كاملة كي يرضى، وليس له أن يدرك معنى البقاء على قيد الحياة لأنّه لا يعرف عن الجبهة شيئًا. غربة باول في إجازته هي نقطة التحوّل الكبرى في حياته: بدأ يدرك حقّ الإدراك أنّ حياته باتت هناك، في الجبهة، حيث الأشلاء والرصاص والنار والغاز؛ حيث لا تكون الأحلام الغبيّة بأراضٍ تُتقطَع من هذه الدولة أو تلك، بل أن يُختزَل الوجود كلّه في جسدك وجسد رفاقك، بل وفي أجساد البيادق كلّها على اختلاف جنسيّاتهم وانتماءاتهم. ليس الأعداء في الحرب بل في المدن والقصور المتخمة بالحياة. وكلُّ لحظة نجاة في الحرب باتت تعني سرقة هذه اللحظة من عدوّك الذي كان، ورفيقك في الموت الآن.
أن تسرق وجودك. هذا هو الهدف الوحيد الذي بات عشرات آلاف الشبّان يعيشونه في الحرب، وهم يدركون أنّ مصيرهم محكوم بالصدفة. ستعيش بالصدفة، وتموت بالصدفة، ويُبتَر جسدك بالصدفة. ليس منهم من سوف «يُعمَّر فيهرم»، إذ إنّهم هرموا وانتهى الأمر. باتوا على هامش الحياة التي لا تعترف بالبيادق. هم محض أرقام لا أكثر. الجنديّ رقم كذا، سيصبح السرير رقم كذا في المشفى، وربما القتيل رقم كذا في أحد المدافن الجماعيّة. مع اقترابنا من الصفحات الأخيرة سنبدأ اكتشاف معنى البرقيّة الرسميّة التي ستُلخّص حياة باول بويمر بأكملها. مات وحيدًا بعد موت رفاقه كلّهم. الصدّفة لعبت دورها مرةً أخرى لتجعله يموت في يوم هادئ لن يُكدّر الجنرالات والملوك، يوم هادئ على الجبهة ليس فيه إلا موت بيدق لن يهمّ أحدًا. لا جديد في الغرب، لا جديد في الشرق، لا جديد في الشمال، لا جديد في الجنوب. قد يموت عشرات، أو مئات، أو آلاف، أو ملايين. لا يهم. ما يزال لدينا سبعة مليارات من البشر محكومون بالصدفة ليس إلا. نجت رواية ريمارك بعد أن أحرقها هتلر من بين ما أُحرق من كتب تندّد بالحرب. لعلّها صدفة أخرى. ولكن هناك أعمال وكلمات كثيرة أحرقتها صدف أخرى لأنّها «توهن نفسيّة الأمة»، لو استعرنا العبارة الحمقاء التي تردّدها الأنظمة على اختلافها. يرى ريمارك أنّ روايته ليست إلا «محاولة فقط لحكاية ما حدث لجيلٍ دمّرته الحرب حتّى وإن كان قد نجا من نيرانها». ولكن هل نجوا حقًا؟ هل نجونا؟ هل سننجو؟ 

   

Share: