Friday, July 10, 2020

بنجامن كارتر هِت: هتلر وموت الديمقراطيّة





ستبقى أيّة محاولة لكتابة تاريخ ألمانيا بين الحربين مشيًا في حقل ألغام. فمن جهة يُفترَض بالمؤرّخ الموضوعيّة، ومن جهة أخرى لا بدّ لهذه الموضوعيّة من نتيجة محسومة سلفًا: ألمانيا المتّهم الأول والأخير في إشعال فتيل الحربين، والمتّهم الأوحد في صعود أدولف هتلر إلى السلطة. سينتأ السؤال المحرج الهامس: أيّة موضوعيّة تلك طالما أنّ النتائج مُحدَّدة مسبقًا؟ سيردّ المؤرّخون: اعتمدنا على وثائق وشهادات. هذا صحيح قطعًا، ولكنّ الوثيقة والشّهادة خاضعتان لتأويلات عديدة بالضّرورة. وفي ظل غياب تأويل الطرف الخاسر للأحداث ليس أمامنا إلا القراءة الحذرة لأيّ كتاب أو وثيقة. وبسبب استحالة تسليط أيّ ضوء ولو شحيح على تأويل الطرف الآخر، تفادى المؤرّخون محيطات دماء الحربين، وهربوا إلى الفترة التي سبقت وصول هتلر إلى الحُكم، بهدف دراسة الأسباب التي مكّنته الفوز بديمقراطيّة لا تشوبها شائبة. هل يمكن للنّاخبين انتخاب شخص سيئ وعنصريّ وشرير ودمويّ ودكتاتوريّ ... إلخ؟ الإجابة بكل بساطة: نعم. ومن هنا تنبع أهميّة كتاب المؤرّخ الأميركيّ بنجامن كارتر هِت «موت الديمقراطيّة: صعود هتلر إلى السلطة وسقوط جمهوريّة فايمار» الذي صدر أخيرًا عن دار «فواصل» بترجمة عدي جوني. يقوم الكتاب على فكرة بسيطة: أيامنا هذه تشبه ثلاثينيّات القرن العشرين، ولذا لا بدّ من دراسة تلك السنوات البعيدة كي نحاول فهم أيامنا التي تشهد صعودًا جديدًا لليمين المتطرّف وللنّزعات الشوفينيّة في ظل هدير موجات هائلة من اللاجئين إلى أوروبا.
لا يتناول الكتاب جمهوريّة فايمار (رمز الديمقراطيّة الأسمى في تاريخ ألمانيا وأوروبا) بل أواخر أيامها؛ وبالتحديد بين حدثين كبيرين: حريق الرايشستاغ [البرلمان] (27 شباط (فبراير) 1933) و«ليلة السكاكين الطويلة» (30 حزيران (يونيو) 1934). يؤرّخ هذان الحدثان إلى بداية فترة حُكم هتلر، مستشارًا لألمانيا أولًا في كانون الثاني (يناير) 1933، وصولًا إلى إحكام قبضته على منصبي المستشار والرئيس معًا في آب (أغسطس) 1934، حيث بدأ رسميًا حُكم الرايش الثالث الذي وضع آخر مسمار في نعش جمهوريّة فايمار. ثمة استعادات موجزة للحرب العالميّة الأولى وبداية تشكُّل أفكار هتلر، و أضواء خاطفة على «عمليّة فالكِري»: المحاولة الفاشلة لاغتيال هتلر عام 1944. مع تفاصيل متشعّبة كهذه كان لا بدّ من الانتقاء، لذا بدا الكتاب بفصوله الثمانية وكأنّه ثمانية مشاهد في فيلم تسجيليّ يلتقط تفاصيل متناثرة ترسم بمجموعها صورةً شاملةً بعض الشيء لألمانيا فايمار وما بعدها. مشكلة هذه الطريقة هي المجازفة بانفراط التّناغم أحيانًا بين تلك التفاصيل بحيث لا يفهم القارئ غير المطّلع نقاطًا كثيرةً في دوّامة الأسماء والتواريخ المدوّخة. ولذا تبدّى التخبّط أحيانًا بين مقدّمات الفصول التي تستلهم السرد الروائيّ في لقطات شفيفة منتقاة ببراعة لشخصيّات وأحداث، وبين الفصول نفسها التي نحت إلى أسلوب جاف أحيانًا غير بعيد من الأسلوب الأكاديميّ الذي يسم معظم الكتب التاريخيّة، على الأخص بسبب خلوّ متن الكتاب من الحواشي التي فضَّل الكاتب إزاحتها إلى ملحق في نهاية الكتاب بحيث اختلطت أفكاره مع أفكار مَرَاجعه التي استند إليها.
تلك ملاحظات نافلة لا تقلّل من أهميّة الكتاب الذي يبرع مؤلّفه في تدوين ملاحظات ثاقبة عن الحرب العالميّة الأولى ومشاعر الألمان الذين أحسّوا بالغبن بعد هزيمتهم التي تضاعفت بسبب معاهدة فرساي التي كانت سببًا جوهريًا من أسباب نقمة ألمانيا على أوروبا وصعود التيّارات المحافظة والقوميّة ومنها «حزب عمّال ألمانيا القوميّ الاشتراكيّ» الذي اشتُهر لاحقًا باسم «الحزب النازيّ». ليست تلك القوميّة المتطرّفة وليدة أفكار هتلر وحده، بل تجسُّدٌ للنقمة الألمانية المتفاقمة طوال 15 عامًا، بحيث بدا هتلر بمثابة خلاص من هذه الرمال المتحركة التي أدخلتهم إليها الأحزاب الليبراليّة والأرستقراطيّة التي رآها الألمان خائنة حين ارتضى زعماؤها عار معاهدة فرساي المجحفة. وبالرغم من محاولات هِتْ تقديم توصيف موضوعيّ للأحداث إلا أنّ بوسعنا أن نستشفّ انحيازه المتوقَّع إلى جنّة فايمار الليبراليّة، وانحيازًا أخطر إلى «عدالة» معاهدة فرساي التي يُقلِّل من وطأتها في مواضع عديدة، ويرى أنّ الألمان بالغوا في توصيف ظلمها، بل إنّهم لم يُبْدوا «أدنى امتنان» للفرنسيّين حين انسحبوا من الراين عام 1930.
ولكنّ ذلك الانحياز الجزئيّ لا ينسحب على تحليلات المؤلّف الصائبة حيال أسباب انتشار النازيّة لدى البروتستانت في المناطق الريفيّة، ولدى بروتستانتيّي الطبقة الوسطى المدينيّة. وكذا الأمر بالنّسبة إلى تشريحه الدقيق للأحزاب الألمانيّة وللمؤامرات الكثيرة المناصرة لهتلر والمناوئة له في آن التي يمكن لنا أن نستشف منها على نحو غير مباشر أنّ البديل لن يكون أفضل بالضرورة. فالشيوعيّون لن يكونوا أقلّ دمويّة أو دكتاتوريّة من النازيّين لو وصلوا إلى الحُكم، والأرستقراطيّون لن يكترثوا للأزمة الاقتصاديّة الطاحنة التي أنهكت الألمان؛ أما ليبراليّو الوسط والديمقراطيّون الاجتماعيّون الذين لا يخفي المؤلّف انحيازه لهم فقد أضاعوا الفرصة تلو الأخرى في تحالفات خاطئة وفي سذاجة سياسيّة، على عكس النازيّين الذين أتقنوا قراءة التحوّلات السياسيّة الداخليّة والخارجيّة وقراءة مشاعر الناس وانتهزوا الفرص بحزمٍ دمويّ من جهة، وبذكاء بالغ حين استثمروا أحدث وسائل الدعاية في حملاتهم الانتخابيّة وفي الإعلام الذي كان بيد يوزف غوبلز، ملك البروباغندا السياسيّة.
يشير المفكّر الإنكليزيّ أيزيا برلن إلى وجوب عدم التعامل مع النازيّين بكونهم مجانين، بل بكونهم بشرًا يمكن لهم ارتكاب أفظع الجرائم مع بقائهم بشرًا «طبيعيّين» وقعوا ضحيّة تضليلٍ هائل وأوهام فادحة وتلقينٍ خاطئ. هذا ما نجح فيه هِتْ بدرجة كبيرة إذ تناول النازيّين بكونهم ألمانًا وأوروبيّين ضمن ظروف استثنائيّة، ولكنّه غفل عن تبيان الصورة الأخرى الأهم: مشاعر الألمان أنفسهم أو مشاعر الأجانب غير الأوروبيّين الذين لم يروا الوحشيّة أو لم يكترثوا لها بقدر اكتراثهم بالاستقرار الاقتصاديّ والوضع المعيشيّ. نجد تلك الصورة لدى الراحل عمر فرّوخ في سيرته «غبار السنين» التي دوَّن فيها مشاعره أثناء دراسته في ألمانيا هتلر بين عامي 1935-1937، حيث يركّز على التّنظيم والاستقرار، مقلّلًا من أهميّة القبضة القاسية للنّظام على الحريّة الشخصيّة، إذ يرى تلك القيود «نعمة على أصحاب الاستقامة في الحياة. وقد كان الجهاز الحكوميّ يخدم المواطن والغريب على أنّهما إنسانان». يتحدّث فرّوخ تبعًا لأخلاقه المحافظة ونفوره من السياسة، وهذا ما يتشاركه مع ألمان كثيرين بطبيعة الحال، ولكنّهم يتناسون الصورة الأكبر التي تضمّ ضحايا لا حصر لهم قُتلوا لأسباب واهية. الصورة الكبرى متاحة لنا اليوم، ولعلّنا نجد من يرسمها بلا أدنى تحفّظات.
 
  
Share:

Friday, June 19, 2020

نيل غايمان: أبواب الخيال






ليس لكلمة «fiction» الإنكليزية، ولمثيلاتها في اللغات الأجنبية، مقابل عربيّ دقيق. لن تفيدنا كلمة «أدب» أو «سرد»، لأنّ «فكشن» تتّسع لمعنيَيْ الكتابة التخييليّة والخيال في آن. الكتابة مرتبطةٌ بالخيال، بل لعلها هي الخيال؛ فحتّى الكتابة «الواقعيّة» تخييليّة بصرف النّظر عن مدى صدقها ووثائقيّتها. لا بدّ من خيال كي تكتمل الكتابة وتبتعد من مجال الوثيقة الجافة والتقارير الرسميّة. ولكنْ مع تعاظم الكتابة الواقعيّة تقلّصت حصّة التّخييل لصالح «الصدق»، إلى درجة بات فيها كلُّ خياليٍّ يعني زيفًا، أو ابتعادًا من الواقع/الحقيقة. ولكنّ حصة الخيال حافظت على هيمنتها في الأدب الذي انسحب إلى الهامش: الأدب البوليسيّ، الخيال العلميّ، الرعب، الفانتازيا، وغيرها، والتي اختُصرت في مصطلح «أدب الجانْر». نادرةٌ هي المحاولات الناجحة لمزاوجة هذين النوعين الأدبيّين، وبذا صار لكلّ نوع جمهوره وقراؤه، وصار لكلٍّ منهما نقّاده أيضًا. صار من «الطبيعيّ» ألّا نطلب من كتّاب الجانْر أن يكونوا تولستوي مثلًا لأنّهم يكتبون في عالم متباين عن عالمه، ولكنّنا نلجأ إليهم حين نريد الخيال؛ وحاجتنا إلى الخيال جوهريّة كحاجتنا إلى الحب وإلى الهرب. نحتاج إلى الهرب من عالمنا فنلجأ إلى الخيال، وهي ليست حاجة نافلة أبدًا.
هذا بالضبط ما أرادته بطلتنا الصغيرة في نوڤيلا نيل غايمان «كورالاين» (منشورات «تكوين» - الكويت) التي قدّمها لنا هشام فهمي في ترجمة ممتازة، مواصلًا بها مشواره في تقديم أدب الجانْر إلى القارئ العربيّ. تودّ كورالاين أن تهرب من عالمها الخانق، ومن رتابة والديها وعالميهما، فتورّطنا معها في رحلة هربها تلك. الفارق هو أنّ كورالاين عاشت هذا العالم فيما نحن نقرؤه خيالًا. وفي هذا الفارق بالذات نلتقط معنى الفن. تبدأ رحلة كورالاين من باب يُفضي إلى حائط مغلق، ولكنّنا ندرك منذ البداية بأنّ هذا الباب سيكون مفتاح رحلتنا القادمة. المشكلة الأزليّة التي يعاني منها كتّاب الجانْر هي أنّ أدواتهم مكشوفة لأنّ الكتّاب الذين سبقوهم استخدموها. وستكمن البراعة في كيفيّة استثمار هذه الأدوات، وفي جذبنا إلى عالمٍ مختلف برغم إدراكنا بأنّه سيكون مختلفًا. حين تُدير المفتاح في الباب سنترقّب هذا الاختلاف. ولكن ليست كلُّ الأبواب سواء، ولذا ما من داعٍ إلى المقارنة مع «ألِس في بلاد العجائب» لأنّها مقارنة مجحفة بحق كورالاين وكاتبها على السواء، مع أنّ غايمان وقع أحيانًا في فخ استنساخ ألِس، ولكنّ كورالاين أذكى فجنّبته وجنّبتنا خيبة المقارنات.
تهرب كورالاين من الرتابة ومن عالم «لا» إلى عالم يبدو أجمل لأنّه عالمٌ ينتظرها هي بالذات. ستتحقّق أحلامها ورغباتها وخيالاتها كلّها، لأنّه عالم «نعم» المغري. ستجد أمًا أخرى وأبًا آخر وبيتًا آخر وجيرانًا آخرين ولكنّهم في الوقت ذاته يشبهون أمها وأباها وبيتها وجيرانها الأصليّين. براعة غايمان هي في مزج العالمين بحيث تضاعفَ تردُّد كورالاين، وتضاعفت حيرتنا بشأن العالم «الأصليّ» بين هذين العالمين. أين العالم الموازي حقًا؟ هل هو عالم الرتابة الخانقة، أم عالم الأحلام التي توشك على التحقّق؟ عالم ما وراء الباب شديد الإغواء. الطعام أشهى، الحيوانات تنطق، الألعاب أجمل. المشكلة الوحيدة هي أنّ سكّان هذا العالم استبدلوا أعينهم بأزرار. والدان بأعين طبيعيّة ولكنّهما مشغولان على الكمبيوتر ويتفنّنان في قول «لا» لابنتهما، أم والدان يلبّيان كلَّ ما ترغب ولكنّ أعينهما أزرار؟ إغراء «نعم» أقوى، ولا مشكلة في الأزرار. هذا ما تكاد كورالاين تختاره لولا أنّها تنبّهت فجأةً إلى أنّ هذا العالم الحُلُميّ لا أحلام فيه. ما معنى الفردوس إنْ لم تكن قادرًا على الحلم، إنْ تحقّق كلّ ما تريد؟ تلاشي الخيال في هذا العالم الخياليّ يعني كابوسًا بالضرورة. وهنا بدأت رحلة كورالاين.
حين تعي كورالاين أنّ خيار «نعم» ليس خيارًا حقًا بل هو الخيار الأوحد، ستُدرك أنّ عالم الرتابة القديم أجمل لأنّ خياراته أكثر. وهنا ندخل إلى الكابوس الفعليّ. ليست الأزرار مشكلتَنا الوحيدة في نهاية المطاف، بل إنّنا في عالم ينتزع منك روحك، وإنسانيّتك، ومعنى بشريّتك. نرافق كورالاين في مغامرتها الشرسة الآن، في رحلة مقاومتها لسيّدة ذلك العالم الكابوسيّ. الرحلة طويلة، طويلة لدرجة أنّنا أحسسنا بالملل أحيانًا، ولكنّ كورالاين تنتصر وتعود إلى عالمها. تتضاعف خيبتنا لهذه النهاية غير المنطقيّة بعد الإملال الذي فرضه علينا غايمان لولا تنبُّهنا فجأةً إلى أنّ الكتاب لم ينته بعد. هذا ما ندركه نحن وتجهله كورالاين. لا يمكن لك الهرب من الكابوس تمامًا، لأنّه سكنَك ولو مؤقتًا، وعلقت آثاره بك. وهنا تبدأ الفصول الأخيرة التي غفرنا فيها لغايمان حين أدركنا أنّه نجح في خداعنا لندخل الآن في الرحلة الحقيقيّة التي ستنتهي نهاية سعيدة طبعًا. طبعًا؟ لسنا متأكدين لا نحن ولا كورالاين برغم هدوئنا النسبيّ وعودتنا إلى الرتابة الجميلة ورفض طلباتنا.
صحيحٌ أنّ والديها صارا ألطف وأكثر حنانًا، وصحيحٌ أنّها حظيت بقطٍّ جميل رافقها في مغامراتها بين العالمين، وصحيحٌ أنّها باتت أقرب إلى جيرانها الذين أدركوا نطق اسمها الصحيح (كورالاين لا كارولاين من فضلك!)، وصحيحٌ أنّها صارت تتقبّل أشياء ما كانت تتقبّلها قبل مغامرتها، كأن تأكل بيتزا رديئة أعدّها أبوها، ولكنّ الكابوس لم ينته تمامًا (لا، كابوس آخر غير البيتزا الرديئة)، أو على الأقل لا نعلم إنْ كان قد انتهى حقًا، لأنّ الخيال موجود. وطالما أنّ الخيال موجود فهذا يعني أنّ الخيارات مفتوحة كلّها. ولعلّ هذا ما تريد نوڤيلا «كورالاين» أن تقوله: هناك أحلام وهناك كوابيس بالمقابل، هناك «لا» وهناك «نعم» بالمقابل، وهناك أبواب، أبواب كثيرة تُفضي إلى عوالم كثيرة. أيّها أفضل؟ ليس مهمًا طالما أنّ بوسعك أن تهرب حين تشاء وتعود حين تشاء وتَقْبل حين تشاء. 
     

Share:

Friday, June 12, 2020

ليديا أفيلوفا: تعال وخذ حياتي






سنقترف مجازفةً محفوفةً بالمخاطر لو انزلقنا إلى مماهاة الكاتب بشخوصه. يصدق هذا على معظم الكتّاب، ولكنّه يصدق بشدّة على أنطون بافلوفتش تشيخوف. لدينا ما يقارب 600 قصة، وما يقارب 20 مسرحيّة مختلفة الطول تضمّ آلاف الشخصيّات، ومن الطبيعيّ أن نجد شخصيّات عديدة تتشابه مع شخصيّته بهذا القدر أو ذاك، ولكنّ هذا لن يفيد تشيخوف ولن يفيدنا. ليس لنا إلا اللجوء إلى المصادر التي تناولت سيرته وحياته، وهي مصادر شحيحة بكل أسف ولكنّها تقدّم شخصيّة متناغمة على اختلاف كتّابها ومدى قربهم من تشيخوف: طيّب، متواضع، لطيف، ذكيّ، ساخر، غاضب بحقّ حينما يستلزم الأمر، وصموت حينما يستلزم الأمر. تزوّج في سنّ متأخّرة نسبيًا عام 1901 بالممثلة المسرحيّة أولغا كنيبر زواجًا من دون بهرجة ومن دون حبّ عاصف، إذ واصل قضاء سنوات مرضه الأخيرة في يالطا فيما واصلت حياتها المهنيّة في مسارح موسكو إلى حين وفاته عام 1904. كان هذا التفصيل الأخير محلّ جدالٍ دائم بشأن علاقات تشيخوف النسائيّة: هل واصل علاقاته العابرة التي كان مولعًا بها قبل زواجه أم استكان لعزلته من دون علاقات؟ ليس لدينا أدلّة حاسمة، باستثناء أمرين: قصّته العظيمة «السيّدة صاحبة الكلب» التي ماهى نقّاد كثيرون بين بطلها غوروف وكاتبها تشيخوف، ولكن لا ينبغي أن ننسى أنّ القصة نُشرت عام 1899 قبل عامين من زواجه بصرف النظر عن مدى تشابه الشخصيّتين؛ ومذكّرات الكاتبة الروسيّة ليديا أفيلوفا «تشيخوف في حياتي» التي صدرت أخيرًا عن دار «فواصل» بترجمة نوفل نيّوف.
تتمحور المذكّرات حول علاقة الحب التي عاشتها أفيلوفا مع تشيخوف، أم لعلها علاقة حب عاشاها معًا طوال عشر سنوات؟ تؤكّد أفيلوفا على الاحتمال الثاني بطبيعة الحال، ولكنّها واجهت وستواجه مخالفين كثيرين يعتقدون أنّها تخيّلتْ أو بالغت في أحداث كثيرة بحيث «أرغمت» تشيخوف على أن يكون بطلًا في قصة حب لم يعشها، أو على الأقل لم يتعامل معها يكونها قصة حب. كان لدينا عشرات الرسائل المتبادلة بينهما، تخلّصت أفيلوفا من معظمها، وبذا لم يبق لدينا إلا رسائل قليلة ليست فيها أدنى حميميّة، ولدينا أقوال أفيلوفا، فقط. تشيخوف عاجز عن الرد بطبيعة الحال لأنّ المذكّرات نُشرت بعد وفاته، ولم يُعثَر على رسائل شخصيّة بين أوراقه تضمّ ما يتجاوز علاقة معرفة لا تصل إلى مرحلة صداقة عميقة. كيف نقرأ الكتاب إذن؟ لدينا احتمالان: إما أن نقرأه بوصفه كتابًا مُتخيَّلًا، وبذا سنضمن قراءة شديدة الإمتاع، والتقاطات ذكيّة من المؤلّفة لمظاهر بعينها من مظاهر شخصيّة تشيخوف؛ وإما أن نتعامل معه بوصفه شهادة واقعيّة صادقة، ولا بدّ لنا حينئذ من مقارنة المعلومات التي فيه مع المعلومات الني نعرفها من المصادر الأخرى التي تضمّ أدلّة أكثر وأصدق، ولكن لن تكون النتيجة لصالح المؤلّفة قطعًا.
تنقسم المذكّرات إلى قسمين يحضر تشيخوف في القسم الأول منها بوصفه الكاتب المُرشِد المتواضع أكثر من أيّ صفة أخرى؛ لا نجد في الحوارات أو الرسائل أو اليوميّات ما هو أكثر من نصائح بشأن الكتابة يقدّمها الكاتب الأكثر خبرة للكاتبة التي تحاول شقّ طريقها. سنجد تلك العبارات التشيخوفيّة الثاقبة حين يتحدث عن أنواع الكتّاب وعن الزاوية التي يفضّل أن يرى الحياة والكتابة منها، وسنجد نصائح لا يمكن التشكيك بمدى تشيخوفيّتها أبدًا كما حين يشير إلى أنّ على الكاتبة ألّا تكتب «وإنّما أن تطرّز الورقة بحيث يكون العمل شديد الدقة والبطء». ولكن حين ننتقل إلى الصعيد الشخصيّ وإلى المحاورات الحميمة التي كتبتها أفيلوفا، لن يكون بوسعنا الركون إلى أقوالها وحدها لأنّها تكتب عن تشيخوف مختلف عن ذاك الذي نعرفه؛ يبدو تشيخوف أفيلوفا مستهترًا، مزاجيًا، وينطق بعبارات حمقاء متناقضة لا تشبه عباراته الدقيقة التي عرفناها من مصادر أخرى، تلك العبارات التي لا فرق فيها بين النطق وبين الكتابة، عبارات مُصاغة ببراعة من عقلّ ألمعيّ حتى حين يخاطب أبسط الأشخاص. أما في القسم الثاني الأجمل نجد أن تشيخوف الكاتب قد تلاشى تقريبًا وحلّ محلّه تشيخوف العاشق كما تصرّ أفيلوفا، مع أنّ الرسائل المرفقة بالمذكّرات لا تضمّ ما يومئ إلى هذا العشق، بل لا تعدو كونها رسائل عاديّة بتوقيع شبه رسميّ. وأخيرًا نقع على فصل مفرط الرقة في علاقة جميلة حين توصي أفيلوفا على تعليقة ذهبيّة على شكل كتاب حفرت على وجهها الأول اسم تشيخوف وعنوان أعماله، وعلى الوجه الآخر رسالة مرمّزة برقم صفحة من أعمال تشيخوف، تضم العبارة التي تودّ أفيلوفا إيصالها إلى تشيخوف: «إذا ما احتجتِ يومًا إلى حياتي تعالي وخذيها». وسنجد هذه العبارة ذاتها على ميداليّة مماثلة مع أرقام صفحات مختلفة على لسان تريغورِنْ في مسرحيّة «النورس». لحظة الاكتشاف وانغلاق دائرة الترميزات الشفيفة لحظة مدهشة لو كانت قد حدثت حقًا، ولكنْ مرة أخرى لا سبيل إلى التأكد لأنّ أفيلوفا تشير إلى أنّ الأرقام الجديدة التي وردت في المسرحيّة تشير إلى عبارة أخرى تخص الحفلات التنكريّة من أحد أعمال أفيلوفا، بما أنّها حضرت مع تشيخوف حفلةً تنكّرية قبل فترة وجيزة من عرض «النورس». لعل هذا ليس مهمًا، سواء صحّت رواية أفيلوفا أم لا، إذ ستبقى هي وروايتها لهذه الحادثة مرتبطةً بالمسرحيّة كلّما قرأنا أو شاهدنا ذلك المشهد، وهو أحد أجمل مشاهد المسرحيّة، على الأخص حين نتذكّر إشارات نقديّة عديدة تقول إنّ تشيخوف رسم صورة ساخرة من نفسه في شخصيّة تريغورِنْ.
يقول غوركي في عبارته الشهيرة عن تشيخوف: «يُخيَّل إليّ أنّ كلَّ من يكون في حضرة تشيخوف يشعر برغبةٍ لاواعيةٍ في أن يكون أبسط، وأصدق، وأقرب إلى حقيقته». لعلّ أفيلوفا هي الاستثناء لهذه القاعدة الغوركيّة، أو لعلّها لم تُحسن الاستفادة من درس تشيخوف إذ لا تبدو أبسط وأقرب إلى حقيقتها، ولا نعلم ما إذا كانت أصدق. لا نجد تشيخوف في هذه المذكّرات، بل نجد صورة مختلفة له. ربما كانت صورة أجمل بالنسبة إلى أفيلوفا، ولكنّها ليست صورة تشيخوف. ربما تكمن المفارقة في أنّ أكثر أعمال أفيلوفا تخييلًا هو مذكّراتها التي تروي حكاية أحد أعظم من رسم الواقع من دون أن يتخلّى عن براعة التخييل. ولعل هذا هو الدرس الذي استمدّته أفيلوفا من تشيخوف وأتقنته: الواقع لا يهم، اكتب حياةً أقسى من الواقع وأبهى منه في آن.        

Share:

Saturday, May 16, 2020

سعد الله ونوس: ذاكرة أقوى من الموت



لا نعلم سر سعد الله ونّوس الذي أفضى به إلى قلب كيمياء مسرحه كلّها خلال فترة صمته الموجزة الثانية (1990-1993) التي أنتج بعدها أعظم مسرحيّاته. وحتّى تلك المسرحيّات السّبع الأهم متباينة في ما بينها بدرجة مدهشة، ولكن لا بدّ من قاسم مشترك بينها حتمًا. ستختلف الإجابات باختلاف القراءات والتأويلات، ولكن لعل أهمّ سبب في هذه المرحلة الأخيرة الفاتنة هو أنّ ونّوس سمح لذاته بالتسلّل في دفعات متزايدة، سمح لذاكرته أن تنحت مسارًا لها داخل المسرحيّات. الجميل في الأمر هو أنّ ذات ونّوس كانت سرديّة لا مسرحيّة. تنامت جرعة السّرد بالتدريج لتحفر مسارًا تجريبيًا غاب عن أعماله الأولى، وأُلمح إليه إلماحًا طفيفًا في «الاغتصاب» (1989). تجريب فنيّ يتداخل فيه الدراميّ بالسرديّ بحيث لا تقتصر مهمّة السّرد بكونه مجرّد «جوقة» للتّعقيب والتّفسير، بل دخل السرد إلى جسد المسرحيّة نفسها: صارت الشّخوص تُعبّر عن أنفسها أكثر ببوح مونولوغيّ يصل أحيانًا إلى صفحتين أو ثلاث، وتشظّت الفصول والمشاهد التّقليديّة إلى منمنمات وتفاصيل بحيث بتنا أقرب إلى موزاييك أو مونتاج مسرحيّ لم يكن الشّكل القديم لمسرحيّاته الأولى يسمح به. اكتشفنا في التقاطاتٍ سريعةٍ ونّوس السّارد الذي كانت أعماله الأخيرة تعد بحضور أقوى للسرد، وهذا ما فعله حقًا حين فاجأنا بكتابه البديع «عن الذاكرة والموت» (1996)، وهو أحد أجمل الكتب السرديّة العربيّة.
كتاب «عن الذاكرة والموت» عصيّ على التصنيف كما هي حال مسرحيّاته الأخيرة وأكثر. يضع ونّوس على الغلاف تصنيفًا محايدًا: «نصوص»، ثم نجد الكتاب مقسومًا إلى قسمين: «نصوص قديمة ومهملة» أقرب إلى القصص القصيرة من دون أن ينطبق عليها التّعريف بدقّة؛ و«نصوص جديدة» فيها نص واضح هو مسرحيّة «بلاد أضيق من الحب»، ونصان/متاهتان قريبان من السيرة الذاتيّة وبعيدان منها في آن: «ذاكرة النبوءات» أقرب إلى اليوميات، ولكنّ نص «رحلة في مجاهل موت عابر» لا مثيل له عربيًا (ربّما نتذكّر هنا كتب حسين البرغوثي بوصفها أقرب مثال مشابه): يوميات، تأملات، پاروديا، نص ميثولوجيّ قصير، ونص دراميّ يكاد يكون مسرحيّة، أحلام، كوابيس، ونصوص قصيرة قريبة من جوّ القسم الأول من الكتاب، ولكنّها موحّدة في ثيمة واحدة: الذباب. يشير ونّوس هنا بين الهزل والجد إلى أنّه يودّ لو أدخلَ نصوص الذّباب في قسم (بعنوان «ذبابيّات») في المجلد النظريّ من أعماله الكاملة، ولكنّه فضَّلَ تركها في كتابه السرديّ، وأدخلها ببراعة بحيث نجدها حلقةً من حلقات تأمّلاته الهذيانيّة بفعل آثار الجرعة الكيميائيّة التي كادت تودي به، ولكنّها أكثر بكثير من مجرّد هذيانات.
يتكون كرّاس «ذبابيّات» من نصين/قصتين، يليه تداعيات ذاكرة وتأملات في عالم الذباب، ويختتمه بملحق عن علاقة الذباب بالإنسان، أو بالأحرى مظاهر علاقات الذباب بالإنسان وهي كثيرة حقًا. يلفتنا في النصوص الذبابيّة كلّها تكرار ونّوس لعبارة «لم أكن أعلم» التي توحي بندم لأنّه فوّت فرصة تأمّل هذا المخلوق العجيب، وتوحي من جهة أخرى بخيبته من مدى ضحالة معرفة الإنسان وضآلة وجوده. يروي ونّوس في نص «الذبابة الجائعة» قصة يوم واحد من حياة ذبابة، وكأنّه يكتب پاروديا للأعمال المسرحيّة الملتزمة بضوابط الوحدات الأرسطويّة الثلاث. يوم واحد لا يعني الكثير في حياة البشر إلا لو رواها سوفوكليس أو جويس، ولكنّه عالمٌ بأكمله بالنّسبة إلى ذبابة وحيدة جائعة تخوض مغامرتها الوجوديّة: «كانت الغرفة واسعة كالعالم. ... كان كل شيء عجيبًا ومدهشًا في الوقت نفسه. وإلى حزنها انضافت رعشة الرعب». رعب بسبب الإنسان طبعًا الذي لا يترك لها فرصةً للتأمل ويسحقها لتسقط على الأرض وينتهي وجودها من دون أن تكون قد عرفت شيئًا. هذا الجوّ الوجوديّ ليس بعيدًا من جوّ مسرحيّاته الأولى، ولكنّ النص الثاني «بعد ظهر دمشقيّ» يبدو بمثابة صلة وصل عجيبة بين العالم الوجوديّ القديم وعالم المسرحيّات الجديدة. الفارق هو أنّنا نتابع بعيني ذبابة تراقب مضاجعة رتيبة في ظهيرة رتيبة في مدينة رتيبة: «تطير الذبابة، وتحط على المصباح الكهربائيّ المتدلّي من السقف. تنظر من أعلى. ترتفع إليتا الرجل. تهويان. تشعر الذبابة بالتقزّز والحزن». تنتهي القصة فنشعر بخواء هائل، يمتزج بأسى حين يواصل ونّوس تأملاته في الفروق بين المضاجعة (التسافد؟) البشريّة وبين العمليّة الجنسيّة لذى الذّباب التي يمكن لعبارة «ممارسة الحب» الباهتة - التي نتحايل بها على الرقابة كيلا نسمّي الجنس جنسًا -  أن تنطبق على الذّباب ولكن ببعد جماليّ رهيف يقصد الحب في ذاته، لا بكونه مجازًا. يفاجئنا ونّوس باستخدام مفردات صوفيّة، وكأنّ الحب والجنس عند الذباب وَجْدٌ، لا محض ممارسة ميكانيكيّة: «حين يلتحم ذكر الذباب بأنثاه، يبدو وكأنّهما دخلا حالة من الوجد الغامض، وقررا ألا ينفصلا ما دامت فيهما قوة أو حياة. ... كان ينبغي أن أكبر، وأن أفشل في الحب مرات عديدة، كي أكتشف أنّ الإنسان يفتقر كثيرًا إلى الحساسيّة والجمال اللذين يتحابّ بهما الذّباب. وفي لحظات .. كثيرًا ما حسدتُ الذّباب على تلك القدرة على الطيران بأجنحة أربعة، وبشهوة تتدفّق في العروق متجدّدة ومديدة».
يشير ونّوس (في حواره مع ماري إلياس في مجلة «الكرمل» عام 1996) إلى أنّ هوسه بالذّباب قديم منذ أيام يفاعته في قريته حيث كان الذبابُ «الحاضرَ/الموجودَ الذي لا نعي وجوده إلا كعامل إزعاج، ولكنه في الحقيقة وجود يوازي وجودنا بشكل كامل، فلماذا لا نتبنى وجهة نظره من وقت لآخر؟». وبذا، لا تقتصر تأمّلات ونّوس على الجانب الجنسيّ من جوانب حياة الذباب، بل يواصل تداعياته ليروي لنا كيف يشهد الذباب انكسارات الإنسان، وكيف تتداخل حياته بحياة البشر في تفاصيلها كلّها. ويتكشّف له ولنا أنّنا ضئيلون حتّى بالمقارنة مع كائن نراه مقرفًا زائدًا عن الحاجة. ولكنّ قَلْب وجهات النّظر سيعني الكثير/ على الأخص حين يختم ونّوس «ذبابيّاته» بحادثة جعلته يربط الذّباب بالسياسة على الدوام، حين رأى لافتة كرتونيّة في كشك مخابرات على الحدود السوريّة-اللبنانيّة كُتب عليها: «الفم المغلق لا يدخله الذباب»، ويُجْمِل الحادثة في عبارة واحدة: «وبهذا المعنى فإنّ الصمت يجنّبنا الذّباب، ويجنّبنا أيضًا المتاعب السياسيّة». ولكنّ ونّوس لم يصمت حتّى في فترات صمته بل واصل إبداعه مسرحًا وسردًا في سباق مع العمر القصير، ونوَّع بين صراخ السبعينيّات وهدوء الثمانينيّات وهمس التسعينيّات، ليبرهن أخيرًا، في المسرحيّات وفي كتابه السرديّ على الأخص، على أنّ الذاكرة أقوى من الموت.     

Share:

Sunday, April 12, 2020

مقطع من مسرحيّة أنتوني وكليوپاترا




كليوپاترا:
هاتي ثوبي، ألبسيني تاجي.
فيَّ اشتياقاتٌ أبديّةٌ. وبعد الآن
لن تُرطّب عصارةُ عنب مصر هاتين الشّفتين.
هيّا، هيّا، إيراس الطيّبة! عجّلي! يُخيَّل أنّي أسمع
أنتوني ينادي: أراه ينتصب
ليُبجِّلَ فعلي النّبيل. أسمعه يهزأ
من نصيب قيصر، الذي تهبه الآلهةُ للرجال
كي تُبرّر غضبها اللاحق. جئتُ يا زوجي!
لذاك الاسم شجاعتي تبرهن لقبي!
أنا نارٌ وهواء: وعنصراي الآخران
أهبهما لحياةٍ أحطّ. هل انتهيتما؟
تعاليا إذن، وخذا آخر دفءٍ من شفتيّ.
[تقبّلهما وتسقط إيراس ميتة]
وداعًا شارميان العذبة. وداعًا طويلًا يا إيراس.
هل الأفعى في شفتيّ؟ هل سقطتِ؟
إنْ كان لكِ أن تفارقي الطبيعة بهذا الرّفق،
فإنّ لدغة الموت مثل قرصة المحبوب
تُوجِعُ وتُشتهى. أتستلقين بلا حراك؟
إذْ تلاشيتِ هكذا، قولي للعالم
إنّه لا يستحق إيذانًا بالوداع.

شارميان:
تبدّدي أيّتها السّحابة الكثيفة، وأمطري، كي يسعني أن أقول
إنّ الآلهة ذاتها تبكي!

كليوپاترا:
هذا يبرهن أنّي دنيّة:
لو لاقتْ أنتوني ذي شعر الخواتم قبلي،
سيُبادرها، وسيُنْفِقُ تلك القبلة
جنّتي التي أريد. [تخاطب أفعى أخرى تضعها في صدرها] تعالي أيّتها البائسة المميتة،
بأنيابكِ الحادّة عقدةُ الحياةِ المتشابكة
ستُحَلُّ فورًا: أيّتها الحمقاء السامّة البائسة
اغضبي وأنهي عملك. آه، لو كان لكِ أن تنطقي،
كنتُ سأسمعكِ تنادين قيصر العظيم حمارًا قد غُلب.

شارميان:
يا نجمة الشّرق!

كليوپاترا:
صمتًا، صمتًا!
ألا ترين طفلتي على صدري
ترضع كي تُنيم المرضعة؟

شارميان:
انكسر يا قلب! انكسر!

كليوپاترا:
حلوٌ كالبلسم، عذبٌ كالهواء، رقيقٌ مثل ..
آه أنتوني! [تخاطب أفعى أخرى] لا، سآخذكِ أنتِ أيضًا.
لمَ ينبغي لي أن أبقى ...

شارميان:
في هذا العالم الوحشي؟ إذن، وداعًا.
والآن تبجّحْ، يا موت، فلديكَ الآن
فتاةٌ لا مثيل لها. يا نوافذ [العينين] أغلقي
ولن تُرى فيبي الذهبيّة [ الشمس] بعد اليوم
بعينين لهما هذا الجلال الملكيّ كلّه! تاجكِ مائلٌ.
سأسويّه، وألهو من ثمّ ...

الحارس:
أين الملكة؟

شارميان:
أخفض صوتك ولا توقظها.

الحارس:
لقد أرسلَ قيصر ...

شارميان:
رسولًا بطيئًا.








Share:

Saturday, February 15, 2020

نغوغي وا ثيونغو: عن الهويّات المُستعارة






إنْ جازَ لنا اختزال السّرد الأفريقيّ (الأسود) في القرن العشرين في ثالوث، لن نتردّد طويلاً في حسم خياراتنا: وولي شوينكا، وتشنوا أتشيبي، ونغوغي وا ثيونغو. أضلاع هذا المثلّث السرديّ أسماء لها وزنها عالمياً، وإنْ كان النّيجيريّان مهيمنَيْن على الساحة أكثر من الكينيّ وا ثيونغو لأسباب كثيرة، ليس أقلّها جائزة نوبل التي نالها شوينكا، والأضواء الساطعة المُسلّطة على أعمال تشنوا أتشيبي. ثمّة سببٌ آخر أهم: بقي أتشيبي وشوينكا يكتبان بالإنكليزيّة، بينما هجرها وا ثيونغو وعاد إلى لغته الأصليّة، الكيكويو؛ كانت رواية «تويجات الدم» (1977) آخر عمل أدبيّ له بالإنكليزيّة، وإنْ كان قد واصل كتابة المقالات بها. لم يكن خياره الجريء في الكتابة بالكيكويو محض تغيير أداة تعبير، بل كان استعادةً لصوته ولهويّته ولوجوده، واستعادة لاسمه، حين نبذ اسم جيمس نغوغي، واعتنق اسمه الأفريقيّ. أرّختْ لحظةُ هجر الإنكليزيّة والعودة إلى الجذور لمسارٍ جديدٍ في حياته كلّها، ودمغتْ أعماله اللاحقة، وكأنّه ما يزال يناضل لينزع كلَّ أثر من آثار الصوت المستعار، واللغة المستعارة، والاسم المستعار، والهويّة المستعارة.  
يمكن لنا عدّ كتاب «الكتّاب في السياسة» (1982، 1997) الذي صدرت ترجمته أخيراً عن ابن النديم للنشر ودار الروافد الثقافية (ترجمة عهود المخيني) جزءاً آخر لكتابه «تصفية استعمار العقل» (1986)، أو ربّما مرآةً أخرى له. يقدّم لنا وا ثيونغو في «الكتّاب في السياسة» أربع عشرة مقالة وملحقاً، حيث حذف ثلاث مقالات من الطبعة الأولى، وأضاف أربعاً ضاعف فيها جرعة السياسة. ليس هذا مستغرباً من كاتب يرى أنّ «الكتّاب والمفكّرين حيوانات سياسيّة حتّى وإنْ احتجّوا أنّهم يقبعون في ملكوت الأفكار النقيّة». يرى وا ثيونغو أنّ كلَّ كاتبٍ هو كاتبٌ في السياسة بالضّرورة، وهنا يتقاطع رأيه مع رأي الراحل عبد الرحمن منيف وعبارته الدقيقة: «حتّى اللاسياسة هي سياسة»، بمعنى أنّ السياسة عنصرٌ جوهريٌّ لدى الكاتب حتّى لو تظاهر بنبذها، لأنّ هذا النّبذ موقف سياسيٌّ بحدّ ذاته. سنجد تقاطعات كثيرة بين الكاتبين، على الأخص سعيهما لإبداع أدب أصيل لا يستعير أصابع الآخرين، وإنْ كان هذا يحتاج إلى بحثٍ مستقل نقارن فيه بين كتاب وا ثيونغو وبين كتاب منيف «بين الثقافة والسياسة» (1998).
تتركّز السياسة في القسم الثاني من الكتاب: «الكلمات والسُّلطات»، حيث يشدّد وا ثيونغو على حريّة التّعبير في أفريقيا النيوكولونياليّة التي عملت سُلطاتها بمنهجيّةٍ على وأد الثقافة المحليّة بغية إلحاقها بثقافة أوروبا الكولونياليّة، إلى درجة أنّ الكتّاب الأفارقة صاروا يميّزون أنفسهم تبعاً لتصنيفات اللغة الأوروبيّة التي يكتبون بها، وبحيث يكون مصيُر أيّة محاولة للإفلات من قبضة اللغة الأجنبيّة المهيمنة التّضييقَ أو الاعتقالَ. اعتُقل وا ثيونغو نهاية عام 1977 إلى نهاية عام 1978 بسبب كتابته وإنتاجه لمسرحيّة «سأتزوّج حين أشاء»، واضطرّ بعدها إلى العيش في المنفى. لم يكن موضوع المسرحيّة، الذي يصوّر الصراع على الأرض والوجود بين الفلاحين الكينيّين وبين الكولونياليّة العسكريّة والدينيّة، السببَ الأساسيّ للاعتقال، بل لأنّ تلك المسرحيّة كُتبت بالكيكويو، اللغة المحليّة التي يفهمها الناس، بحيث انتقلوا أخيراً من كونهم مجرّد شخوص في أعمال مكتوبة باللغة الكولونياليّة إلى فاعلين أساسيّين في خلق العمل المكتوب باللغة المحليّة. من هنا ندرك ذكاء السُّلطة التي كانت ستغضّ الطّرف عن المسرحيّة لو كُتبت بالإنكليزيّة، أو ربّما ستكتفي برقابة بسيطة، لا أن تُسارع إلى إلغائها واعتقال كاتبيها في سجنٍ مشدَّد. ولكنّ هذا الذّكاء ينحدر إلى غباءٍ هزليّ بعد تسع سنوات حين يصدر أمرٌ عام 1986 بإلقاء القبض على ماتيغاري، الشخصيّة الرئيسة في رواية وا ثيونغو. وحين اكتشفت السُّلطة أنّ ماتيغاري شخصيّة متخيّلة، منعت تداول الكتاب. وبذا يومئ وا ثيونغو إلى أنّ قَدَر الكاتب الأفريقيّ مُعلَّقٌ بلحظات الذكاء والغباء التي تنوس السُّلطة بينهما؛ مصير الكاتب والكتابة مرهونٌ بمزاجيّة سُلطة تسعى جاهدةً إلى إبقاء آثار الكولونياليّة حتّى بعد خروج الاحتلال المباشر، بل ربّما تضاعفها درجات حين يصبح الصراع صراعَ سلطةٍ وشعب، لا صراع احتلال ومقاومة. تريد الكتابة كما يحلو لك؟ اكتب بلغة أجنبيّة لا يفهمها الناس، وإلا سنسحقك. هذا هو خطاب السُّلطات في أفريقيا (ودول كثيرة في آسيا وأميركا الجنوبيّة)، لأنّها تخشى من شيء واحد فقط: وعي الناس لهويّتهم وكينونتهم. أن تكتب بلغتك المحليّة يعني بالضرورة تشجيع الناس على إدراك ذواتهم، وهنا مكمن الخطر.
راديكاليّة أفكار وا ثيونغو ليست محض سياسيّة، إذ يشدّد على نقطة يتناساها معظم المناضلين: المناهج الدراسيّة في المدارس والجامعات. يرى وا ثيونغو أنّ تدريس الأدب ليس عمليّة بريئة، لأنّ حصر التدريس بلغةٍ أجنبيّة وبأعمال أجنبيّة (أوروبيّة على الأخص) يُضاعف اغتراب الأفارقة عن واقعهم ووجودهم. لنا أن نتخيّل أنّ الطفل الأفريقيّ يتعرّف إلى الثّلج قبل أن يعرف نباتات بيئته، ويتحدّث الإنكليزيّة أو الفرنسيّة أو البرتغاليّة بطلاقة ولا يعرف لغته المحليّة، لندرك أنّ مفهوم الاغتراب لا يقتصر على المجالين السياسيّ والاقتصاديّ، بل لعلّ الاغتراب الأخطر هو الاغتراب التعليميّ والثقافيّ. ومن هنا يركّز وا ثيونغو على وجوب رَدْكَلة التّعليم بحيث تكون الأولويّة للأدب المحليّ والأفريقيّ (في القارة وفي المهجر)، ومن ثمّ أدب آسيا وأميركا اللاتينيّة، ومن ثمّ آداب أوروبا وباقي العالم، إذ «على المرء أن يعرف مكان وقوفه حتّى يعرف الاتّجاهات التي عليه خوضها». لنا بالطبع أن نختلف مع وا ثيونغو في تعميمه المجحف أحياناً لكلّ ما هو أجنبيّ، ولتأويلاته الخاصة للآداب الأوروبيّة، ولكن تلك نقاط قابلة للنّقاش ولا تغيّر من جوهر أهميّة طروحاته الجريئة.
تبقى نقطة أخيرة لا بدّ من إيضاحها، حين يشير وا ثيونغو إلى أنّ مقالات الكتاب «يمكن جمعها في سؤال: ما جدوى الأدب في الحياة؟»، وإلى وجوب أن «يعكس الأدب الذي ندرّسه ... ماضي كينيا العظيم الحافل بالصراعات البطوليّة ضد الهيمنة الأجنبيّة». نفهم قصد وا ثيونغو، وقصد منيف، حين يشيران إلى أهميّة أن يكون الأدب «ملتزماً»، ولا تعارض بين كلامهما وبين وجوب التّشديد على جماليّات الأدب. أعمالهما مكتوبة بجمال وبراعة قبل أن تكون ملتزمة، لأنّهما يدركان حتماً أنّ الأفكار وحدها لا تؤسّس لأدبٍ أصيل، إذ سنضيف إلى اغترابنا اغتراباً آخر حين نحوّل الأدب إلى شعارات صرفة. الفكرتان متضافرتان، وإنْ لم يوضحهما وا ثيونغو صراحةً.    



Share:

Friday, January 31, 2020

جوزيف كامبل: عن أساطيرنا وأساطيرهم






في مصادفة جميلة، نشهد استعادةً عربيّة هذا العام لأعمال الباحث الأميركيّ في الميثولوجيا جوزيف كامبل. صدرتْ بالتّزامن تقريباً ترجماتٌ لثلاثة كتب له: «البطل بألف وجه» (منشورات تكوين، ترجمة محمد جمال)، «سُبُل النّعيم» (دار نينوى، ترجمة نور الحريري)، و«أساطير نحيا بها» (دار فواصل، ترجمة أحمد م. أحمد). ستقتصر هذه المراجعة على الكتاب الأخير الذي يعدّه قرّاء كثيرون أفضل مدخل إلى أعمال هذا الباحث الذي كان اسمه (وما يزال) مهيمناً بدرجة كبيرة في حقل باحثي الميثولوجيا منذ خمسينيّات القرن الماضي. لعلّه الأشهر بينهم، ولكنّه ليس الأفضل بالضّرورة، على الأخص في ميثولوجيا حضارات الشّرق التي اعتمد بدرجةٍ كبيرةٍ في التّنظير فيها على أعمال باحثين هنود وصينيّين ويابانيّين لم تُكتَب لهم شهرته. ولكن هذا بحثٌ آخر ليس هذا مكان التفصيل فيه، وإنْ تبدّى لنا شيءٌ منه في كتاب «أساطير نحيا بها».
من بين قرابة خمس وعشرين محاضرة ألقاها كامبل في برنامج «محاضرات منتدى جمعيّة كوبر» الأميركيّ بين عامي 1958 و1971، انتقى الباحث «دزّينة خبّاز» منها، كما يقول الإنكليز: أي ثلاث عشرة محاضرة، دمج اثنتين منها في محاضرة واحدة، ونشر الكتاب عام 1972. العنوان الذي اختاره كامبل فضفاض بعض الشيء، لأنّه لا يُحدّد مُراد الباحث بدقّة، إذ نجد عناوين عديدة يكاد لا يربط بينها رابط باستثناء إيراد بعض الأمثلة الميثولوجيّة فيها. تتناول المحاضرات موضوعات كثيرة: من الدين والأسطورة والعلاقة بينهما، إلى بحثٍ تفصيليّ بعض الشيء في الفروق بين الشرق والغرب، إلى الفن والرسم، وفلسفة الزن، وميثولوجيات الحب والحرب، وصولاً إلى الفصام وغزو الفضاء.
يبدو كامبل في أقصى درجات ثقته وعلمه حين يتحدّث عن الأساطير والملاحم الغربيّة وعن الأعمال الأدبيّة الحديثة التي استُمدّت منها، أكانت «كوميديا» دانتي أو روايات جيمس جويس أو توماس مان. ونتحسّر أحياناً حين لا يُسهب في التّحليل وفي تبيان العلاقة بين تلك الأعمال وبين سياقها الاجتماعيّ والسياسيّ والأخلاقيّ في العالم الغربيّ من الثلاثينيّات إلى الستّينيّات. ولكنّ ذلك الألق يبهت كلّما دنا كامبل من الشرق، إذ يقع في فخّ التّنميط الغربيّ للشّرق، وفي مأزق الانتقاء الاعتباطيّ للأساطير كي تلائم الفكرة التي يودّ معالجتها. ينزع كامبل سياق الميثولوجيات الشرقيّة فيُجرّدها من معناها أو يُغيّره أحياناً، فيما يُبقي سياق الأساطير الغربيّة، على الأخص حين يعقد مقارنات غريبة بين نصوص قديمة وحديثة، ويُعمّم نتائجه لتشمل حضارة أو حضارات بأكملها، كما فعل حينما قارَنَ بين نصوص الأوبنشاد الهنديّة وبين «الكوميديا الإلهيّة» والروايات الغربيّة، كي يصل إلى نتيجة مفادها أنّ الغرب منح الفرد تفرّداً شخصيّاً، بينما الشرق (كلُّ الشرق) لا يتعامل مع الفرد إلا بكونه جزءاً من جماعة، متناسياً أنّ الفاصل الزمنيّ بين طرفي المقارنة يصل إلى 1500 عام أحياناً، ومتجاهلاً أنّ معنى الفرد ومقوّماته وتفرّداته لا تُعطي المعنى ذاته شرقاً وغرباً. ولكنّ هذا كلّه لن يُشكّل فارقاً حين تكون الخُلاصة التي يودّ كامبل الوصول إليها هي أنّ «[حقوق الفرد وحريّته] هي «الشيء الجديد» العظيم حقاً الذي نُمثّله للعالم وذلك ما يُشكّل جهرنا الغربيّ بالمثال الأعلى الإنسانيّ الروحيّ على أكمل وجه، الصحيح إلى أقصى إمكانيّة جنسنا البشريّ». وحينما تنتأ مشكلة تُخرِّب على كامبل نتيجته التّعميميّة فإنّه يلجأ إلى فبركة تقسيم اعتباطيّ للشرق والغرب كي يمنح تناغماً زائفاً لطروحاته. فالخط الفاصل بين الشرق وبين الغرب يشقّ إيران بحيث يكون يمينها شرقاً (الهند والشرق الأقصى)، ويسارها شرقاً آخر ولكنّه بات غرباً (المشرق وأوروبا). وبذا نزع كامبل من حضارات حوض المتوسط شرقيّتها ودمجها بغربٍ مُتخيَّل هو أوروبا التي لم تكن قد ولدت أصلاً حين قامت الحضارات القديمة.
يغفل كامبل عن تقسيمه الاعتباطيّ هذا حين يتورّط بمقارنة بين «سِفْر أيوب» ومسرحيّة «برومثيوس مغلولاً» المنسوبة إلى أسخولوس. بحسب تقسيمه السابق، نحن أمام نصّين متزامنين من ثقافتين «غربيّتين» (مع أنّ اليونان لم تُحسَم غربيّتها أصلاً، عدا عن أنّ «العهد القديم» ليس غربياً)، ولكنّه يُقلِّل من قيمة أيّوب الخانع أمام قوّة يهوه، ويُعلي من شأن برومثيوس الذي تمرّد على زيوس، مشيراً في عبارةٍ هازئة: «واليوم نُسلّم بذلك في قلوبنا، ولو أنّ ألسنتنا تعلّمت أن تلهج سعيدةً بذكر أيّوب». ليس هذا مجال البحث في مدى صحّة تأويل «سِفر أيّوب»، ولكنّ كامبل يتناسى أنّ برومثيوس ليس متمرّداً إلى هذه الدرجة، وأنّ صراعه مع زيوس محضُ نزاع بين آلهة وأنصاف آلهة، لا معنى لمقارنته مع «نزاع» بين آلهة وبشر. ولكنّنا سنفهم هذه التحيّزات الكامبليّة لأنّ كامبل (وهذا يدعو للصّدمة من باحث في الميثولوجيا) يتعامل مع الميثولوجيا بوصفها خرافات، لا بوصفها محاولات لعقلنة اللاعقلانيّ؛ عدا عن أهوائه الرافضة للدين والتي تؤثّر سلباً على فهمه للأساطير ولتأويله لها. بالمقارنة، لن نجد هذا الاستخفاف لدى الرعيل الأول من باحثي الميثولوجيا في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، مثل فردرش ماكس مولر، حيث كان انفتاحهم الدينيّ وسيلةً لفهمٍ أعمق لتلك الميثولوجيات الشرقيّة، حين كانوا يبحثون عن المشترك بين الميثولوجيات بغية استيعاب الفوارق.
وبالمقابل، وبسبب جهل كامبل باللغات الشرقيّة وبتنوّع فلسفاتها (يتحدّث كامبل عن هندوسيّة واحدة وعن بوذيّة واحدة طامساً الفروق الهائلة بين المدارس الفلسفيّة/الدينيّة الكثيرة)، سنجد أنّ أضعف فصلين من فصول الكتاب هما الفصلان المتّصلان بالشّرق اتّصالاً تاماً: «إلهام الفن الشرقيّ»، و«الزن»، وهما مجالان تخصّصيان برع فيهما خبيران شرقيّان لم ينالا شهرة كامبل لأسباب كثيرة: د. ت. سوزوكي في فلسفة الزن، وأناندا كوماراسوامي في الفنّ الهنديّ. ومن هنا بالذات، ندرك أهميّة ترجمة الأعمال التي كتبها أبناء تلك الحضارات لأنّهم أدرى بشؤون فلسفاتهم، على أهميّة طروحات مرتشيا إلياده وجوزيف كامبل وغيرهما من الخبراء الغربيّين. كتاب «أساطير نحيا بها» كتاب هام يستحق الترجمة والقراءة بلا شك، إذ يقدّم طروحات عديدة بعضها لم يُقدَّم بالعربيّة من قبل عن الأسطورة ومعناها ودورها في الحياة. ولكنّه مثل معظم الكتب الغربيّة لا يخلو من تحيّزات وأفكار مغلوطة عن ثقافات وحضارات لاقتْ تنميطات وتعميمات برغم تنوّعها الهائل وبرغم التّباين الشّاسع، والتّعارض أحياناً، بين فلسفاتها.

Share: