Sunday, August 18, 2019

نسرين أكرم خوري: بحر في حمص






بخلاف ما يظن كثيرون، لم تكن جمهوريّة أفلاطون (أو سقراط فعلياً) تُقصي جميع الشعراء والفنّانين، بل كانت تُقصي فنّانين بعينهم. إن كنتَ تكتب في مديح الآلهة والحكّام-الآلهة فأهلاً وسهلاً بك، أما كلّ ما تبقّت من مواضيع فمرفوضة. كان الرفض، إذاً، للموضوع. وما غاب عن ذهن أنصار الجمهوريّة وأنصار الفن على السواء هو أنّ تلك الجمهوريّة لم تُخلَق للفنانين، ولا تعنيهم أساساً. كانت تلك جمهوريّة الواقع، أما عالم الفن فهو في مكان آخر تماماً. أن تخلق واقعاً قد لا يرضي أحداً، بل ربما كان من الأفضل أن لا يرضي أحداً. بكلمات أخرى، أولى شروط الفن هي هدم الشروط كلها.
وإنْ كانت الحياة/الواقع تبدأ بصرخة وتنتهي بزفرة أخيرة، كان من «الطبيعيّ» أن تبدأ رواية نسرين أكرم خوري «وادي قنديل» (منشورات «المتوسط») كما يفرض عليها واقعها هي، لا الواقع القائم. تبدأ الرواية من المقبرة، من الزفرة الأخيرة، لتنتهي بـ «البداية». وحتى البداية هنا ليست إلا رحيلاً آخر، من المطار إلى المجهول. دائرة الرحيل تلك لا ترسم حياة ثريا لوكاس فقط، بل تحكم مسار الرواية بأكملها. الشخوص كلها تولد لترحل إلى بداية جديدة، بعد أن يترك رحيل كلٍّ منها أثراً في مسار حياة الآخر، وهكذا إلى حين انفتاح الدوائر كلها. وكيلا تبدو تلك الدوائر خانقة، كانت اللعبة الذكيّة في تغيير الأمكنة والأزمنة. ينتقل القارئ بسلاسة بين المستقبل والماضي، ومن قبرص إلى اللاذقيّة وحمص وبيروت كأماكن أساسيّة، بينما تكون الأماكن الأخرى محفورةً داخل الشخوص الأخرى. كلّ شخصيّة تحمل مكانها داخلها. قد يبدو الأمر أقرب إلى نمطيّةٍ على نحوٍ ما، أرخت بثقلها قليلاً على الرواية، ولكنّ سلاسة السرد وتنوّع الشخوص بذاتهم أعادت شدّ الإيقاع مرةً أخرى.
تبدأ جدليّة الإنسان و المكان من أول الرواية إلى آخرها. بين مستقبل وماضٍ ثابتين، نجد الحاضر رجراجاً متقلّباً ضبابياً، وكأنّ المكان بذاته (وهو جوهر الحاضر) يئنّ دوماً بين ذاكرتين، ذاكرة الماضي الجارحة وذاكرة المستقبل المجهولة، ولذا كانت اللعبة الماكرة في جعل المكان وهماً لا يمكن إمساكه إلا من خلال الكلام. وحتى العنوان الذي يشير صراحةً إلى مكان ليس إلا إيهاماً لأنّ وادي قنديل نفسه كان غائباً، أو عملياً لم يكن يحضر إلا ليغيب حين يُزيحه مكان آخر من الماضي أو المستقبل. لم تقتصر لعبة التواطؤ التي خطّطت لها غيم حدّاد على جمع شخوص متنوّعة في مكان واحد لكتابة روايتها، بل أيضاً جلبت أمكنتهم معهم ليجتمع خليط الهويّات والأزمنة والأمكنة واللهجات والطوائف على شاطئٍ يتغيّر بتغيّر الرياح والأمواج، وبوطأة الحرب الثقيلة التي كبّلت الهواء نفسه. تطرح الرواية وجهات نظر عديدة، تبدأ بالحرب وتنتهي بها، ولكن من دون التخلّي عن الحياة وهمومها «الصغيرة» في الحب والجنس والتسلّط والقلق والغيرة والزّيف، بل وثمة رواية تُكتَب داخل الرواية. ولكنّ هدف نسرين خوري لم يكن كتابة رواية داخل رواية، أو تشريح حياة شخوصها، بقدر ما كان كتابة المكان، أو بالأحرى ذاكرة المكان.
لذا كانت حمص بهذه القوة في الرواية. لا لأنّها مدينة الكاتبة وبطلتها فحسب، بل لأنّها كانت، لأسباب كثيرة، صاحبة الحصة الأكبر في الحضور داخل الحرب السوريّة. وأن تحضر مدينة في الحرب بهذه القوة، يعني أنّها ستصبح مدينة الجميع بهذه الدرجة أو تلك. ربما كانت المدن والأمكنة ملك الجميع، ولكنّ الذاكرة، ذاكرة المكان، فرديّة بالضرورة. ولذا أرادت نسرين (وغيم) كتابة حمص. قد لا تشبه حمص الرواية حمص الحقيقيّة، بل ربما لم يتبقّ الكثير من حمص الحقيقيّة لأنّها حضرت كثيراً في الحرب، والحضور هنا يعني الغياب، يعني الغموض وآلاف الخيوط العصيّة على الأرشفة والكتابة، وربما لأنّ غيم «لا تُغرَم بالآخرين، بل تفاصيل تخصّهم، أو بما رغبت أن تراه فيهم»، كانت حمص غيم متوتّرةً قلقةً مثل صوت أغنيةٍ في راديو توشك بطاريّته على الانتهاء. تظهر الشخوص الحمصيّة بسرعةٍ وتختفي كما ظهرت. تحاول قول ما تستطيع، ما يتيحه لها الوقت بدل الضائع، لذا لا تقول الكثير، بل تُبقي أطراف الكلام مفتوحةً على احتمالات شتّى. كانت الفصول التي تؤرشف لحظات حمص أقرب إلى لوحات قصصيّة تنوّع إيقاع السرد، وحتى مع كونها لوحات تخص غيم وحدها، كما التقطتها ذاكرتها، إلا أنّ اختلاف الشخصيات الحمصيّة بقي مرسوماً ببراعة.
لا نعلم مستقبل الرواية السورية، ولكنّها ستكون رواية أمكنة على الأرجح. سيختفي السوريّ ويبقى مكانه. ربما هي لعنة أخرى، وربما هي الوسيلة الوحيدة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. ليس الفن مُنقِذاً بكل تأكيد، ولن يكون، ولكنّه يملك ما لا يملكه غيره. يملك الخيال. وفي متاهة الوقائع، ليس للراغب في الهرب إلا التشبّث بالخيال، والذكرى والحلم. وهذا ما فعلته نسرين أكرم خوري في «وادي قنديل». رسمت بطلتها غيم حدّاد وتركتها تُفرغ ذاكرتها وأحلامها بمدينتها البعيدة. لا وادي قنديل ولا بحر في حمص. هناك حرب وسياسة وجدالات وسجالات فقط. ولكن تمكّنت غيم من فعل ما عجز عنه الحماصنة كلهم، كما تقول النكتة الدارجة. لم تنقل البحر إلى حمص، بل أخذت حمص إلى البحر. هذا ما يفعله الخيال والفن، ويعجز عنه الواقع.    

Share:

Friday, August 2, 2019

علي سعيد: فِخاخ الذّاكرة






يشير هارولد بلوم، في معرض حديثه عن تيّار الأدب السّاخر في أميركا، إلى أنّ السّخرية لم تعد ذات جدوى في أيّامنا، إذ وصل الواقع إلى أشواط تتخطّى أقصى حدود السّخرية. بعد عقد أو أكثر على كلام بلوم، هل ما زال تحليله صالحاً؟ والأهم: هل يسري كلامه على الواقع العربيّ الذي لا يشكّل الواقعُ الأميركيّ بكل تطرّفاته حين نقارنه به إلا نكتة سمجة؟ هل يمكن للأدب السّاخر أن يصمد أمام هزليّة الواقع العربيّ التي تجاوزت حدود العبث؟ أظنّ أنّ مجال السّخرية مفتوح إلى أقصاه، إذ هي كالخيال لا حدود لها. وطالما أنّ إشارات الكتّاب أصحاب النبوءات عن الحياة التي تُحاكي «التّخييل» تجد أصداء لها في ما حدث ويحدث في حياتنا، ستبقى للسخرية مكانتها التي هُمّشت وقُزّمت في الأدب والصّحافة.
تنطلق رواية علي سعيد «كونيكا 19» (دار أثر) من حادثة بسيطة تتحوّل مع مسار الرواية إلى فانتازيا ساخرة بديعة. لا يغيب الحسّ الصحفيّ من الرواية، حتى بعد أن توقّف سعيد عن الكتابة الصحفيّة المباشرة. إذ تتشكّل الرواية من مجموعة فِخاخ متعاقبة تنفتح وتنغلق بالتّتابع وصولاً إلى النّهاية. تبدأ الحبكة من فيلم كونيكا فوتوغرافيّ قديم يبدو مثل رسالة منسيّة من الماضي، لم يعد لمُستقبِلها وجود في الحاضر. من يتذكّر الصور الفوتوغرافيّة أساساً؟ لولا دراسات فالتر بنيامين وغرترود ستاين وسوزن سونتاغ وغيرهم التي تواصل حضورها في المشهد الفكريّ لما بقي للفوتوغرافيا معنى اليوم ربّما في ظل طوفان الديجيتال و«فوريّة» الحدث. إذن تبدأ الرواية بفخّ من الماضي بالتّوازي مع عناد الراوي في معرفة محتويات هذا الفيلم القديم في ظلّ تلاشي جميع محلات التصوير الفوتوغرافيّ القديمة. وبما أنّ الصورة بمثابة ذاكرة ثابتة كامنة، تتداعى ذكريات متشابكة للراوي الأساسيّ وللمصوّر الفوتوغرافيّ الوحيد الذي ما زال يواصل مهنته (والذي سيصبح هو الراوي الثاني) وللصور نفسها (لا صور الفيلم القديم، بل صور أخرى. فلنتذكّر دوماً أنّ الرواية مجموعة فِخاخ متراكبة) وللشخوص التي تضمّها الصور ولذكرياتهم التي تحرّض ذكريات أخرى.
تنفتح الحبكة الأولى على حبكة ثانية تأخذ المساحة الأكبر من الرواية. يصبح عبد الكريم، المصوّر الفوتوغرافيّ العنيد، هو محرّك الأحداث مع وصيّة أبيه الذي يطلب منه تأدية صلوات أهملها الأب طوال 19 عاماً، ومن هنا تنطلق فانتازيا الأحداث في فصول ساخرة مضحكة نتابع فيها على التوازي رحلة تأدية الصلوات ورحلةً أخرى أجمل وأعمق، هي رحلة الذاكرة التي يتضافر فيها الماضي مع الحاضر، وتقنيّات التّصوير مع جماليّاته، والفردانيّة شبه المستحيلة لدى الفرد العربيّ مع معنى العائلة، وألوان حاضر الديجيتال مع الماضي حيث لا مكان إلا لجلال الأبيض والأسود وضبابيّة السيبيا. يُواصِل سعيد رحلة الذكريات التي تحفر في الزمن مع تشريحٍ خفيٍّ للمجتمع السعوديّ عبر جيلين، جيل الآباء وظروفهم الأكثر تحرّراً وجيل الأبناء الذين ورثوا وطأة قيود النزعة المحافِظة التي تبنّاها الآباء في أواخر حياتهم، ودمغوا بها جيلاً ولد وعاش ويواصل حياته يدفع ضرائب «صحوة» لا ذنب له فيها. هل نحن في الحاضر حقاً أم أنّ آثار الماضي تنتقل بالجينات، بكل أخطائها وجماليّاتها وتعقيداتها؟ هل نعيش سياق الحاضر كأبناء أم إنّنا نعيش سياقنا وسياق آبائنا؟ هل نقترف أخطاءنا فقط أم نرث أخطاء آبائنا أيضاً؟ تتلاحق هذه الأسئلة كلّها، وغيرها، في «كونيكا 19» التي تبدو في آن مثل شريط وثائقيّ يعرض حياة جيلين، ومثل قطرة زيت تبدأ بتفصيل صغير عابر، وتتضخّم أكثر فأكثر لتغطّي خريطة كاملة، خريطة ترسم حدود الواقع والخيال، الماضي والحاضر، الذكريات وتداعياتها، خريطة مائيّة رجراجة لا سبيل إلى توصيفها بدقّة مع تسارع الأحداث وتصادم المصائر وتداخل الذكريات. بين أيدينا رواية تبدأ من الحنين ولا تكتفي به، بل تستثمر هذا الحنين لوضع الأصابع على الجراح الكثيرة التي تُثخن جسد الحاضر. رواية تطرح الأسئلة الصحيحة في زمن الأسئلة الخاطئة. رواية تخدع القارئ الباحث عن الحبكة البسيطة، وتقدّم عالماً ظاهرياً خادعاً يخفي خلفه عوالم عديدة متباينة تستند إلى السخرية من أجل كشف بشاعة الواقع الذي نسف احتمالات الضّحك كلّها، أمام جيل شاب انتُزع منه كلّ شيء باستثناء إمكانيّة الضحك والسخرية.
يميل الكتّاب عادةً إلى الطريق الأقصر في كتابة الرواية الأولى، عبر اختيار حدّوتة بسيطة تتشابك مع السيرة الذاتيّة. ولكنّ علي سعيد اختار الطريق الأصعب عبر تقديم رواية مركَّبة حاولت مقاربة أسئلة شائكة كثيرة. وقد انفرطت الخيوط أحياناً من يد الكاتب الذي وقع في الثلث الأخير من الرواية في مطبّ التطويل، وإدخال العالم الساخر الأول (الصلوات المنسيّة)، الذي نسيه القارئ، مع العالم الثاني التشريحيّ الأعمق (رواية الأجيال والعائلة وتداعي الذكريات) الذي أوصل السرد إلى مستوى ناضجٍ عالٍ بالمقارنة مع البواكير الروائيّة المعتادة. ولكنّ المهم هنا هو ولادة روائيّ جريء لا يهاب المغامرات، وهذا هو الشرط اللازم والكافي لإدراك أنّ صاحب «كونيكا 19» يضع رهاناً كبيراً أمام نفسه ككاتب في شقّ مسيرة روائيّة واعدة، وهذا ما سنراهن عليه نحن أيضاً.          

Share:

Friday, July 5, 2019

أحمد الحقيل: رواية تخلق قارئها


  


ليس سهلاً على القارئ أن يُلاحق تدفُّق نص أحمد الحقيل، ولكنْ إنْ أسلمَ له نفسه، سيكون أمام أحد أكثر الكتّاب العرب تفرّداً، ونادراً ما تتلازم صفة التفرّد مع النّصوص الروائيّة العربيّة التي تعشق التماثل. كتابة الحقيل مراوغة بدرجة كبيرة، إذ تستعصي عليك مفاتيحها أحياناً، وينزلق منك سردها غالباً، وتتلاشى من أمامك مرجعيّاتها دوماً. ولكنّ الأهم هي أنّها تتحدّى تجاربك في القراءة حين تقدّم لك نصاً غريباً ومدهشاً وعصياً على التصنيف. «مشكلة» هذا النوع من النّصوص هي أنّها ليست لجميع القرّاء، إذ تتطلّب قارئاً واعياً منفتحاً على التجريب، ولذا سيصبح من الأسهل على القارئ المتسرّع أن يهرب من هذه الكتابة إلى كتابة باهتةٍ أخرى اعتاد على قواعدها وألعابها المكرورة. لا تحبّ التجريب؟ لا تميل إلى تحدّي نفسك؟ الحل بسيط. عد إلى ما اعتدته من قراءات، ولكنّك ستفوّت على نفسك فرصة التعرّف إلى إحدى أجمل تجارب الكتابة الروائيّة العربيّة المعاصرة.
أدخلَنا أحمد الحقيل في روايته «دوائر» (2015) إلى رحلة فانتازيّة غريبة، ولكنّه غيَّرَ وصفته الكتابيّة ليقدّم لنا روايته الجديدة «طرق ومدن» (مكتبة صوفيا الكويت) حيث تلاشت الفانتازيا الخارجيّة كلياً، وبقي «الواقع»، ولكنّ الإدهاش تضاعفَ مرات عدة ليبلغ مستوى مفاجئاً حتى لمحبّي كتابة الحقيل عموماً. لا تُسلّم الرواية نفسها لنا بالمطلق، بل تتركنا حائرين أمام مفاتيحها حتّى بعد إنهاء القراءة. هل نبدأ من تتبُّع مرجعيّاتها، أم من ملاحقة السّرد نفسه؟ أظنّ أنّ الإجابة واحدة. فسواء انطلقتَ من محاولة إيجاد ما يشبهها، أم من النص نفسه، ستصل إلى الوجهة ذاتها. أسلوب السرد الروائيّ هنا أقرب إلى روايات مابعد الحداثة، كما أنّه قريب بالدرجة ذاتها من النّصوص التراثيّة العربيّة. ولا تناقض هنا أبداً لأنّ تلك النّصوص التراثيّة ماقبل الحداثيّة نصوصٌ مابعد حداثيّة في آن إن أحسنّا قراءتها. وهنا نقطة تفرّد كتابة الحقيل التي لا نجد لها مثيلاً معاصراً (من بين ما قرأته على الأقل)، حتى لدى الروائيّين الذين اشتغلوا ضمن التيّار السرديّ نفسه، مثل فارس الشّدياق وعبد الرحمن منيف وإميل حبيبي وجمال الغيطاني وسنان أنطون. وهذا التيّار يستحق دراسة نقديّة جادّة تبيّن نقاط التّقاطع والتّوازي والاختلاف عند كلٍّ منهم.
تقوم «طرق ومدن» على فكرة بسيطة: رحلة لأصدقاء في السيارة من دون وجهة محدّدة. ولكنّ هذه الرحلة التي تبدأ بمسارات أفقيّة مثل الطّرق التي تفصل بين المدن والبلدات والقرى، تتحوّل إلى مسارات دائريّة زمنيّة تصبح فيها الذاكرة هي السيّارة الجديدة. ليست ذاكرة الراوي فقط، بل ذاكرات كثيرة تتوالد مع كلّ قصة صغيرة تبدأ من الذاكرة الشخصيّة لكلّ راوٍ ثانويّ إلى أن تتقاطع في مسارات متشابكة لترسم ذاكرة أمكنة. وهذا التّوازي بين السّرد والحدّوتة هو ما يُحوِّل «طرق ومدن» من نص غير تخييليّ إلى نص روائيّ تخييليّ. يستعير الحقيل من النّصوص التراثيّة حيويّة السّرد، لا بمعنى تداخل القصص الصغيرة فقط كما في «ألف ليلة وليلة» مثلاً، بل تلك الحيويّة التي تنبع من السّرد نفسه كما نجدها في الكتب التاريخيّة-الأدبيّة مثل «الأغاني» أو «الحيوان»، وحتّى في النّصوص التاريخيّة البحتة مثل «سيرة ابن إسحق» و«مروج الذهب» التي نجد فيها أحياناً براعةً سرديّة تفوق النصوص الأدبيّة المتعارف عليها. لولا تلك القصص الصغيرة المتناثرة لتحوّلت الرواية إلى ريبورتاج صحفيّ طويل ممتع فقط، ولكنّ هذا المزج الذكيّ نقلَ النصّ من نبرته الصحفيّة المحايدة التي تتبدّى بقوّة في الثلث الأول من الرواية، إلى موزاييك روائيّ مدهش تتّسع دوائره المتنوّعة بتنوّع قصص أصحابها في الثلث الثاني، إلى أن تضيق تدريجياً بحيث تكاد تصبح رواية سيَريّة بضمير المتكلّم في الثلث الأخير.
هل «طرق ومدن» رواية جديدة؟ نعم ولا. نعم، لأنّ الأساليب الروائيّة التقليديّة (بما فيها الحداثيّة) استُنزِفتْ تقريباً وباتت الحاجة مُلحّة إلى كتابة رواية يتنوّع فيها التّركيز بين السّرد والحدّوتة، بين أن يصبح السّرد هو البطل الأوحد كما في روايات مابعد الحداثة المعقّدة، أو أن تكون الحدّوتة هي الأساس فنجازف في الوقوع في فخ تحوّل الرواية إلى محض حكاية. ولا، لأنّ أحمد الحقيل كاتب-قارئ، استوعب الأساليب السرديّة القديمة والحديثة، وقدّم رواية عربيّة في المقام الأول، هي ابنة السرد العربيّ القديم بقدر ما هي ابنة يومها وراهنها. رواية عربيّة بقدر ما هي سعوديّة محليّة، ورواية مكان (وهذا جنس أدبيّ غائب تقريباً) ورواية ذاكرة فرديّة وجمعيّة، يتجاور فيها الشّعر الفصيح مع المحكيّ، وأحدث السيّارات والأبراج مع أقدم الأطلال، في موزاييك حكايا وأصوات تتقاطع فيها الأجيال والأزمنة، من دون أن تتلاشى فرادة صوت كاتبها. رواية مراوغة للقارئ وللكاتب في آن، إذ ينبغي للقارئ أن يتلمّسها ببطء كي يلتقط كمّ الجهد الهائل الذي بذله الحقيل في كتابتها، ومراوغة للكاتب لأنّها تتطلّب كاتباً بارعاً يُظهِر صنعته بقدر ما يُخفيها. نحن أمام رواية مختلفة بكل تأكيد، قد تشكّل أساساً ينطلق منه روائيّون لكتابة رواية تشبههم وتشبهنا وتشبه نفسها فقط. نحن أمام رواية مدهشة سنترقّب بصبر إمكانيّة أن تتفوّق عليها رواية قادمة.     

  

Share:

Friday, June 14, 2019

إبراهيم فرغلي: سِحر التّيه








يحبّ إبراهيم فرغلي لعبة الخيال ويتقنها. ينفر من الكتابة التقليديّة ومن الترتيب «الطبيعيّ» للأشياء والحياة، فيغيّرها على هواه. يكتب بعينيه وأذنيه بقدر ما يكتب بذاكرته. تتداخل الألوان والأغاني والأزمنة والأمكنة «الواقعيّة» مع عالمٍ فنتازيّ يوازي هذا الواقع ويتقاطع معه أحياناً. يتبادل العالمان التأثّر والتأثير ويتبادلان العناصر فتنتج صورة ضبابيّة غامضة تنزع من الأشياء صفاتها القديمة وتُلبِسها مظهراً جديداً، فلا يعود المكان هو المكان ولا الزمان هو الزمان، ولا حتى الإنسان كما «يُفترَض» به أن يكون. وبرغم أهميّة الطّروحات والأفكار والمشاعر التي تشكّل فضاء الكتابة عند فرغلي، إلا أنّنا لا نشعر (أو لا نريد أن نشعر) بأنّ هذا الفضاء هو فضاؤنا المعتاد. ليس هذا هو الحاضر مع أنّه يُشعرنا بقسوة أيامنا، وليس هو الماضي لأنّ الماضي كان أجمل أو لعلّ قسوة الحاضر ترغمنا على تخيّل صورةٍ ورديّة لذلك الماضي، وليس هذا هو المستقبل لأنّه سيكون مستقبلاً قاتماً يخنق الروح.
ما الذي نراه ونعيشه إذن في عالم إبراهيم فرغلي؟ يتنامى ضغط التساؤل مع روايته الجديدة «جزيرة الورد» (منشورات «المتوسط»)، إذ نرى شجرة عناوين: عنواناً رئيساً وثلاثة أغصان تمثّل عناوين فرعيّة لثلاث نوڨيلات. هذا هو المفروض، إذ يعرف متابع تجربة الكاتب أنّ اثنتين من هذه النوڨيلات («ابتسامات القدّيسين» و«جنّية في قارورة») صدرتا عامي 2004 و2006، ولكن مع انتهاء القراءة سندرك أنّنا أمام رواية واحدة فعلياً، لا تشبه الشّجرة بقدر ما تشبه ثلاثة عوالم متداخلة، لا تكتمل تجربة معايشتها إلا بقراءتها كلّها. ومن هنا كانت ضرورة كتابة الحلقة الثالثة «مفتاح الحياة» برغم الفارق الزمنيّ الطويل الذي يفصلها عن سابقتيها وبسببه في آن، وإنْ كان تطوُّر التجربة قد تبدّى في فوارق نضج الكتابة بين الحلقات الثلاث، بحيث بدا من الأفضل لو عدّل الكاتب الروايتين القديمتين بحيث تتوافقان مع مستوى البراعة العالي في الرواية الثالثة، ولكنّ هذا الأمر يعود لتقدير الكاتب، وهو رهنٌ بتلقّي كل قارئ بحسب ذائقته.
تبدو شخوص الرواية وكأنّها في سباق تتابع دائريّ لا ينتهي. يتحوّل الراوي في حلقة إلى كومبارس في حلقة أخرى فيظهر راوٍ آخر وهكذا على طول صفحات الرواية التي تُماثل المرايا. تتداخل الشخصيّات في ما بينها إلى حدّ أنّ الشخصيّة ستعجز عن الاكتمال من دون وجود الشخصيّات الأخرى، ولكنّها تصون فرادتها في الوقت ذاته. ففي لعبة الحضور والغياب، الذاكرة والحلم، الطفولة والشيخوخة، الجسد والروح، الذات والآخر، تتصادم المصائر ضمن ضبابيّة حلميّة تُخَلْخِلُ ترتيب الواقع وتُشكّل واقعاً مغايراً نتبيّن فيه بؤس عالمنا المحكوم بصفاتٍ صارمةٍ للأشياء والكلمات، المحكوم بتصنيفات لا سبيل إلى تبديدها، تلتصق بنا كلعنة أبديّة.
يتأمّل فرغلي الواقع بعينٍ واعية تدرك أدقّ التّفاصيل في هذا المجتمع المحكوم بلعنة التصنيفات، ويُطلق في الوقت ذاته خياله ليرسم عالماً مُشتهى تنتفي فيه القيود. تُشرِّح رواية «جزيرة الورد» عناصر هذا المجتمع الطائفيّة والطبقيّة والسياسيّة والاقتصاديّة، وتحاول رسم عالم ممكن آخر، تستعيد فيه مدينة المنصورة اسمها القديم الأجمل «جزيرة الورد»، ويستعيد فيه البشر حيواتهم التي سُرقت منهم بفعل البطش والقتل والتّمييز، وتترك النهاية مفتوحة مثل عينٍ تتأمّل الأفق الذي يُخفي الكثير. تُلامِس الرواية الماضي من دون أن تغرق في نوستالجيا طفوليّة، وتواجه الحاضر من دون أن تُقيِّد المشهد بصورة جامدة واحدة لا فوارق فيها، وتمدّ رأسها باتّجاه مستقبل مجهول من دون أن يُغريها تفاؤل أو تشاؤم ساذجان. وبمعزل عن التصنيفات الجديدة التي تكاد تخنق المشهد الروائيّ العربيّ، وتريد تكريس روايات مكتوبة بالمسطرة لا حياة فيها، نجد بين أيدينا رواية مكتوبةٍ ببراعة لم يُثقلها موضوعها الأساسيّ الذي يتناول أكبر قضيّة إشكاليّة مصريّة راهنة: العلاقة بين المسلمين والمسيحيّين. موضوعٌ كهذا كان سيشكّل فخاً سقط ويسقط فيه كتّاب كثيرون انشغلوا بالأفكار والتّنظيرات ونسوا أنّ الرواية عملٌ فنيّ في المقام الأول. يكتب فرغلي عن الأمكنة بتفصيل دقيق بحيث نكاد نشمّ هواء الشوارع ونُبصر الأبنية واختلاف عمارتها ونسمع الأغاني والهمسات المتسلّلة من الشّبابيك، وكأنّنا تحوَّلنا إلى أطياف كأطياف الرواية نكسر حواجز الزمان والمكان. يكتب عن الجسد والجنس بجمال لافت لا نرى مثله كثيراً في الروايات التي تنسخ ولا تُبدِع، تُقلِّد ولا تخلق. ويكتب عن فرادة ولعنة أن تكون مسلماً أو مسيحياً في مجتمع يُقدِّم الخِلاف على الاختلاف.
رواية «جزيرة الورد» مكتوبةٌ بهدوء لا افتعال فيه، وينبغي أن تُقرأ بهدوء إن أردنا فهمها والاستمتاع بها. ربّما تتكاثف الضبابيّة في بعض الفصول بحيث يضيع القارئ أحياناً، ولكنّها رحلة تيهٍ تستحق المغامرة، بحيث تترك نفسك تضيع وسط هذا الضّباب، ثم تتوقّف قليلاً لالتقاط أنفاسك وإعادة تأمّل الطريق التي قطعتها. روايةٌ مكتوبةٌ بحبّ وتُقرأ بحبّ، رواية لكاتب يعشق الخيال ويكتبه ببراعة. رواية تتطلَّب قارئاً صبوراً يدرك أنّ الجمال والأدب هما «مفتاح الحياة».              

Share:

Friday, May 31, 2019

محمد خير: مرحباً بك في المتاهة


  


هل جرّبتَ إحساس الغرق في رواية؟
ستتلاحق الإجابات بأنْ «نعم». وتتعدّد الأمثلة بتعدّد القرّاء وتنهمر علينا عناوين روايات ممتعة كثيرة. ولكنّ «المتعة» ليست القصد هنا. إذ لعلّ الإمتاع أسهل غاية يمكن لأيّ كاتب متوسّط الموهبة بلوغها، بل أتحدّث عن إحساس آخر، إحساس مختلف. إحساس أنّ الرواية تبتلعك كما فعل الحوت بيونس، بحيث لا تعود مجرّد قارئ بل تصبح شريكاً متواطئاً في هذه الجريمة اللذيذة. «جريمة» أن تقرأ وتعيش في عالمٍ اخترتَه واختارك. وبهذا المعنى لا تكون رواية محمد خير «إفلات الأصابع» (دار «الكتب خان») رواية ممتعة، فهذا التّعريف يفقدها كثيراً من جماليّتها، بل هي رواية مصيدة تمسك بتلابيب القارئ فلا يستطيع فكاكاً حتى بعد انتهاء القراءة، بل لعلّ المصيدة هي أن تبقى متورّطاً بعد القراءة تحديداً.
أظنّ أنّ هذا الإحساس مرتبط بالقصة القصيرة أكثر من الرواية. فالقصة المتقَنة (نتحدّث عن القصة كجنس أدبيّ مستقل، لا عن «استراحة» للروائيّين) تسكن ذاكرتك وروحك بطريقة تعجز عنها معظم الروايات. ومن تجربتي الشخصيّة، لم تكن تلك الروايات الاستثناء إلا روايات منطلقة من عالم القصة، و«إفلات الأصابع» إحدى تلك الروايات. إنْ كانت القصة سهماً يصيب هدفه بدقّة أو يعود إلى حالته الأصليّة عوداً خشبياً جديراً بالإهمال، فإنّ الرواية المنطلقة من عالم القصة أشبه بجعبة سهام مُصوَّبة إلى هدف واحد. البراعة هنا هي أن تجعلها تصيب الهدف نفسه بدقّة متناهية: ضياع سهم واحد كضياع السّهام كلّها، كلّ شيء أو لا شيء. هذا هو المحكّ: إما أن تكون رواية أو مجموعة أعواد خشبيّة طائشة. وقد نجح محمد خير في هذا الاختبار بقوّة، حين قدّم لنا إحدى أجمل الروايات العربيّة وأعذبها، في العقد الأخير على الأقل.
لا حدّوتة في هذه الرواية، فالرواية نفسها هي الحدّوتة. بالأحرى، عيش مجموعة الحواديت المتشظّية هو الحدّوتة. فرواية «إفلات الأصابع» ليست معنيّة بالحدث، أيّ حدث. إذ نكون معظم الأحيان بعد وقوع الحدث، بحيث نتلمّس آثاره ونحلم به، أو نحاول تخيّله. والخيال لدى محمد خير مرتبط بالأحلام دوماً، بحيث لا ندرك المكان أو الزمان بدقّة برغم الإيحاءات، وإنْ كانت أطياف الماضي مخيّمة دوماً، فتمسي الأزمنة كلّها زمناً ماضياً مستعاداً. ولكنّ الماضي هنا ليس التاريخ، بقدر ما هو تجربة فرديّة، حتّى حين يكون الحدث المنقضي حدثاً جمعياً. تاريخ قرية وهدة ليس إلا تجربة لأحد سكّانها؛ مدينة العلايلي المتكثّفة في بناية واحدة ما هي إلا تجربة أحد قاطنيها، أكانت تجربة شيرين أم سلام أم حسام أم أيّ طبيب من الأطبّاء؛ وتكاد الرواية كلّها تكون تجربة فرديّة لشخصيّة بحر، أو حتّى لنظّارته، أو ربّما هي تجربة سيف كما عرف بحر، أو هي تجربة علياء كما أثّرت على سيف، أو هي تجربة علياء حين صارت ليلى. على الأغلب لن يفهم قارئ هذه السطور شيئاً، ولكن هذه هي الحال فعلاً. فكما أنّك لا تلجأ إلى المراجعة لتفهم العمل الأدبيّ (وإنْ باتت المراجعات هذه الأيام محض ملخّصات للأعمال)، كذلك لا تلجأ إلى الملخّص لتتعرّف إلى العمل. لا معنى للعمل الأدبيّ من دون قراءته وإعادة قراءته، وهنا تحديداً كانت المصيدة الجميلة التي نصبها لنا محمد خير. رواية عصيّة على التلخيص، رواية لا تنكشف بانكشاف أحد خيوطها، رواية لا تتكشّف بالمطلق بصرف النظر عن مرات قراءتها، رواية تلتصق بك حتّى لو أفلتت أصابعك منها.
يُطرَح علينا دوماً سؤالان في عمليّة قراءة العمل الأدبيّ: كيف نقرأ ولماذا نقرأ؟ كيف نقرأ «إفلات الأصابع»؟ تريد الطريقة التقليديّة من الصفحة الأولى إلى الصفحة الأخيرة؟ حظاً سعيداً و«ابقى قابلني». هل نقرأ فصولاً متفرّقة عشوائيّة؟ ممكن، فكلّ فصل له عنوانه وحدّوتته. ستقرأ قصصاً قصيرة جميلة وإن كانت موشومةً دوماً بنقص لا يكتمل إلا بقراءة فصول أخرى. طيب، هل نجرّب ملاحقة شخصيّة أساسيّة في هذه المتاهة؟ مرحباً بك في عالم محمد خير حيث لا توجد شخصيّات أساسيّة أو ثانويّة. تريد أن تجرّب شخصيّة بحر فقط لأنّها الأكثر تواجداً؟ سيبتسم الكاتب بخبث ويتركك تجرّب، فتجد أنّ ثقتك المفرطة ستتفتّت مع مواصلة القراءة، إذ سيقودك بحر في طرق متعرّجة تنتهي بطرق متعرّجة أخرى وهكذا وصولاً (أو رجوعاً؟) إلى البداية. ولكنّك قلت إنّ الرواية منطلقة من القصص. صحيح، ولكن لا ينبغي لك أن تصدّق كلّ ما يقال.
لماذا ينبغي لنا أن نقرأ «إفلات الأصابع» إذن؟ السؤال الحقيقيّ: «لماذا نقرأ بالمطلق؟» نقرأ كي نتسلّى، أو كي نتعرّف إلى عوالم أخرى، أو كي نستمتع بالكتابة الجميلة، أو كي نهرب من الواقع، أو كي نتوه في «واقع» آخر. كلّ هذا صحيح، وكلّ هذا موجود لدى محمد خير. أمامنا رواية نادرة لحسن الحظ ولسوئه. رواية مشغولة بأناة وبراعة، رواية تسبِّب الإدمان، مثل لحن لا نشاز فيه، يتسلّل داخلك فيمسي قطعةً منك وكأنّه أُلِّف لك وحدك. هل جرّبتَ إحساس الغرق في رواية؟ لا؟ اقرأ «إفلات الأصابع». نعم؟ أحببتَ الإحساس؟ اقرأ «إفلات الأصابع». لم يعجبك الإحساس؟ إذن، هذا الرواية ليست لك. 

نُشرت في جريدة الأخبار - 29 أيار/مايو 2019    

Share:

Sunday, April 28, 2019

أدونيس: فخ إعادة تعريف البديهيّات


  


هل سيؤدّي إصدار أيّ كتاب جديد لأدونيس إلى إشعال مزيد من الجدل؟ ليس هذا هو السؤال الذي ينبغي طرحه. بل هو: هل بقي ثمة متسع للمزيد من الجدل عن أدونيس ومعه؟ طوال أكثر من نصف قرن، كان أدونيس (1930)، ولا يزال إلى حد كبير، هو الشاعر والمنظّر الأكثر إثارة للجدل في المشهد الثقافيّ العربيّ. وتتزايد أهميّة هذه المسألة مع صدور طبعة جديدة من كتابه «فاتحة لنهايات القرن: بيانات من أجل ثقافة عربيّة جديدة» (دار «الساقي»). بل، بالأحرى، تتزايد أهميّة طرح السؤال المناسب. والسؤال هنا، كما علّمنا أدونيس بنفسه عبر إشعال النيران في ركام الثقافة العربيّة والإسلاميّة، هل هناك أهميّة أساساً لإعادة طباعة كتاب عن «ثقافة عربيّة جديدة» كانت طبعته الأولى عام 1980؟
إن كان ثمة أهميّة لإصدار مثل هذا الكتاب الذي يعود تاريخ أول بياناته إلى العام 1967، فهذا يعني بالضرورة بأنّ تلك الثقافة «الجديدة» لم تتبيّن ملامحها بعد، حتى بعد 57 عاماً من إصدار بيانها الأول. وهنا المعضلة الحقيقيّة التي كان أدونيس ينبّهنا إليها منذ كتاباته النظريّة الأولى. بل ربما كان هذا التزامن بين البيان الأول الذي يؤرّخ للهزيمة الأكبر في التاريخ العربيّ المعاصر، مع الطبعة الجديدة من الكتاب التي تترافق مع «الانتكاسات» المتلاحقة للانتفاضات العربيّة، هو البداية الفعليّة التي ينبغي أن يبدأ منها أيّ نقد للكتاب، أو لأدونيس بشكل عام.
يمثّل أدونيس اليوم أحد أهم الأسماء الإشكاليّة في «زمن الانتفاضات»؛ إنّه «رمز الثورة المضادّة» عند معظم الجيل الثوريّ الشاب والأسماء الثقافيّة الأبرز، بينما هو «البوصلة» لدى من تبقّى من «عقلانيّي» الانتفاضات. هذه هي الصورة العامة التي يروّجها الجميع تقريباً. ولكن هل الصورة حقيقيّة فعلاً؟ ليس بالضرورة، إذ إنّ هذا «الجيل الثوريّ» لا يزال يحمل الفيروس «السلفيّ» القديم (سواء كانت تلك السلفيّة دينيّة أم علمانيّة). لا تزال ثقافة القطيع هي الثقافة السائدة حتى بعد الانتفاضات، بل لعلها تكرّست بشكل أكبر، بخاصة بعد تحطيم الأصنام السياسيّة القديمة، وعبادة أصنام جديدة أكثر تحجّراً، لا سيما مع ترافقها بثقافة «ارتداد» يمثّلها المثقّفون الذين كانوا يحملون لواء التنوير واليسار والتقدّم بالأمس، ليستبدلوه بلواء «الطائفيّة الثوريّة». أما الطرف الآخر الذي لا يزال على ادّعاءاته السابقة بكونه متمسّكاً بالعقلانيّة، فهو حقيقةً يتسم بموقف شديد الغموض (في أفضل الأحوال) من الاستبداد والعسكريتاريا العربيّة. ولعل هذا التوصيف للمشهد الحاليّ ليس دقيقاً بما يكفي، ولكن هذه الضبابيّة بذاتها هي ما تجعل لكتاب أدونيس اليوم هذه الأهميّة.
قال الراحل ممدوح عدوان مرة إنّ أدونيس يتعامل مع السياسة بروح الشاعر، وهنا تكمن مشكلة أدونيس. ربما كانت هذه العبارة هي الأكثر دقة في توصيف مواقف أدونيس السياسيّة، ولكنها لا تصلح لتوصيف المواقف النظريّة لأدونيس في الثقافة، بخاصة في «فاتحة لنهايات القرن». أدونيس هنا شديد الوضوح في تنظيراته الفكريّة-السياسيّة في معظم بياناته، ولذا لن تصلح «روح الشاعر» هنا ذريعة للنقد أو التبرير. لو افترضنا صحة عبارة أدونيس بأنّ الفنان «إما أن يكون حراً وإما أنه لا يكون فناناً»، فهذا يعني بالضرورة بأنّ أدونيس يرتدّ على أفكاره التنويرية القديمة، ويمكننا تبيّن هذا الأمر في مقالاته في السنتين الأخيرتين خصوصاً، ولكنه هنا سيقع في الفخ ذاته الذي نصبه للآخرين، أي إنّه سينزع عن نفسه صفة الفنان. وهنا تكمن إحدى أكثر مطبّات أدونيس النظريّة، أي، التعميم القاتل. رامبو، مثلاً، كان أحد أنبياء مجلة «شعر»، ولكنّ تاريخه الأخلاقيّ والإنسانيّ لا يؤهّله بحسب عبارة مريده الأكبر، لأن يكون فناناً. ومع ذلك، يعمد أدونيس دوماً إلى رفع ورقة رامبو بوجه كل خصومه من «المتحجّرين» في الثقافة العربيّة طوال نصف قرن. وكذلك، لا تستقيم ذريعة «روح الشاعر» في التمييز الضبابيّ الذي يكرّسه أدونيس بين إسلاميّ وآخر، أو بين ثورة وأخرى.
ولكن، من جهة أخرى، لا يمكن للغارقين في وحول الطائفيّة والتابعين الجدد للظلاميّين أن ينتقدوا أدونيس بسبب ما يظنّونه موقفاً متذبذباً من العلمانيّة أو التحرر أو التنوير. إذ إنّ توصيفه الدقيق للأكثريّة الساحقة من المثقفين العرب بأنّهم «موظّفون بالمعنى الدقيق الخاص لهذه الكلمة» لا يزال صحيحاً حتى بعد نصف قرن. هؤلاء المثقّفون أنفسهم هم اليوم، في زمن الثورة، هم الأكثر ارتداداً. وبعيداً عن السياق السياسيّ (الذي لا يمكننا فعلياً فصله عن السياق النظريّ عند أدونيس)، يتابع أدونيس تشريحه القاسي للمنظومة الفكريّة العربيّة والإسلاميّة حين يؤكّد بأنّ غربة الدين الكبرى «هي أن تصبح الكنيسة للكنيسة والجامع للجامع. هي أن يصبح الدين مؤسسة»، أو حين يشير إلى عجزنا عن تأسيس ثقافة عربيّة حقيقيّة إلا عبر لغتنا الأصليّة، إذ دون ذلك، ستبقى المعرفة «دخيلة، غريبة، وسيبقى العلم وسيلة للتعيّش»، لا أن يكون وسيلة فعليّة لأي نهضة أو ثورة. وفي الوقت ذاته، لا ينسى أدونيس أن يؤكّد دوماً، في جميع بيانات الكتاب، بأنّ الفكر يجب أن يبقى ملازماً للسياسة، بل ومرشداً لها، كيلا تصبح الثقافة «ثقافة استلاب لا ثقافة ثورة».
إذاً، نصف قرن من التشريح الأدونيسيّ العنيف للعقليّة العربيّة والإسلاميّة لم يكن كافياً لبداية تحرر فعليّ لهذه العقليّة، ومن ثم للإنسان العربيّ، ولم تكن في الوقت ذاته أساساً قوياً لأدونيس ذاته كي يبقى على أفكاره التنويريّة القديمة، لا أن يفرّغها من مضمونها السياسيّ ليبقيها تنظيرات نظريّة في الفراغ. كانت غاية كتاب «فاتحة لنهايات القرن» هي التأسيس لثقافة نقديّة عقلانيّة قد تمهّد لظهور الثورة؛ ولكن النتيجة كانت هبّة ثوريّة غير مستندة إلى الوعي. وبدلاً من أن تكون الأجيال الجديدة عقلانيّة، بدت أكثر نكوصاً من الأجيال السابقة، وأكثر تكريساً للأصنام عوضاً عن تحطيمها. لا يمكن للشتائم أو التحجّر أو الظلاميّة أن تبني نهضة؛ ولا يمكن للاستقطاب الحاليّ بين عقليّة الشتّامين وعقليّة المطبّلين أن تبني أرضيّة متينة للنقد العقلانيّ. هذه هي خلاصة الكتاب الأدونيسيّ «فاتحة لنهايات القرن»، التي تؤكّد للجميع بمن فيهم مؤلّفه، بأنّ الضبابيّة في المواقف ستجعل أيّ طبعة جديدة للكتاب بعد نصف قرن آخر مناسبة جديدة للجدل ولإعادة تعريف البديهيّات؛ وهذا الأمر بالذات هو نقيض أفكار التقدم والتنوير والثورة.    

نُشرت في جريدة «الأخبار» اللبنانيّة - 23 أيار/مايو 2014
  


Share:

Friday, April 12, 2019

نذير الزعبي: حلم ليلة منتصف قلب




حين يتأمّل المتابع الإصدارات الروائيّة السوريّة في السنوات القليلة الماضية. سيجد أنّ كلّها، أو الغالب الأعم منها، انتهى من الكتابة التوثيقيّة الآنية عن الانتفاضة المجهضة والحرب التي تلتها، وعاد بالزمن ثلاثة عقود إلى الثمانينيّات لأسباب مختلفة. فمن لم ينجح في تدوين الصّراع الجديد، قرّر تدوين الصراع القديم: نُسقِط الأحداث الراهنة على الأحداث الماضية، نضع بعض الشّخوص من خلفيّات طائفيّة مختلفة، وينتهي الأمر. فالفنّ وثيقة في نهاية المطاف، كما يدّعون. هذا ما يريده المخرج والمنتج والجمهور. ولكن ماذا عن الفن غير التوثيقيّ؟ ماذا عن الرواية كفنّ، لو سمح لنا الروائيّون والنقّاد بهذا السؤال الكافر؟ ما الذي يتبقّى للرواية السوريّة حين تغزوها الوثائقيّة الفجّة، ويسرق منها الشّعر تفاصيل حياتها اليوميّة العابرة، وتستعير منها القصّة تأمّلاتها في ما يحدث للبشر والحجر؟
لعلّ الحل هو كتابة الرواية بأدوات القصة والشعر. ولعلّ هذه هي نقطة تميّز رواية نذير الزعبي «عبيل» (دار «ثقافة»). أدرك الزعبي تغيُّر سياقات الكتابة بتغيُّر السياقات السياسيّة، فانتقل إلى القصة أولاً ومن ثمّ الرواية، من دون التخلّي عن جوهر كتاباته التجريبيّة الأولى من ناحية التركيز على التفاصيل العابرة وكتابة نثرٍ ينهل من الشّعر. اللافت في مسيرته الروائيّة هو جرأته في التّجريب وعدم الركون إلى شكل واحد أو أسلوب واحد؛ والأهم هو أنّنا أمام كاتب يتقدّم بتطوّر تصاعديّ مع كل عمل. الحصيلة حتى الآن ثلاث روايات مختلفة لغةً وأسلوباً ورؤيةً ونضجاً. كانت روايته الأولى «عشر ليالٍ وليلى» أقرب إلى الحكاية وتجميع التّفاصيل ولكنّها تومئ إلى قدوم كاتب مختلف، ومن ثم كانت الرواية الثانية «يورو» حيث تجاوز عثراته الأولى واكتشف نقطة تفرّده في المزج بين الواقعيّ والفانتازيّ، لنكون أمام رواية متميّزة لم تلق ما تستحقّ من قراءة. ثم جاءت الرواية الثالثة الآن «عبيل» حيث فاجأ الزعبي نفسه وقراءه بالانتقال إلى قفزة تطوّر مدهشة. أمامنا رواية تخلّت عن ثوبها البسيط القديم في أن تكون مجرد حكاية، وإن كانت قد واصلت تجريبيّتها من خلال تطويع فانتازيّتها، أو بالأحرى من خلال خلق «فانتازيا واقعيّة»، تنهل من القصة التقاطاتها وتأمّلاتها الهادئة، من دون التخلّي عن الشذرات الشعريّة القديمة التي باتت الآن تفاصيل منمنمة في نسيج الرواية. أما الأهم فهو منحنا إحدى أجمل الشخصيّات الروائيّة السوريّة في هذين العقدين: عبيل الذي لا يشبهه أحد، العملاق الذي يضع قدماً في وحل حياتنا وقدماً في عالمه الحلميّ الشّفيف، فيما رأسه هناك في الأعالي حيث نبدو كلّنا هنا في الأسفل، كلّنا بلا استثناء، كائنات صغيرة متماثلة رتيبة مملة كالذّباب.
نقرأ الرواية، ونعيد قراءتها، فلا نعلم تماماً ما إذا كان نذير الزعبي هو مَنْ كتب عبيل وروايته، أم أنّ عبيل هو الكاتب الفعليّ. لا أعني هنا الكليشيه المقيت بشأن الشّخوص التي تتملّص من يد كاتبها، بل الشخصيّة التي تتطوّر بتطوّر حكايتها وتعيد خلق ذاتها وروايتها وكاتبها. لا يمكن أن تكتب عملاقاً فريداً برواية تقليديّة، وبذا كانت النتيجة رواية تروي حكايتين متوازيتين بأسلوبين مختلفين، تتخلّلهما رسائل كالأحلام يكتبها عبيل لـ «ملاكه الطينيّ». تلك الرسائل هي ابنة شذرات الزعبيّ الشعريّة القديمة، وقد أمست الآن لوحات قصصيّة جميلة تسند فصول الرواية، وتصونها من التشظّي والانفراط. تمتدّ الرواية بحكايتيها على مساحة خمس سنوات تقريباً، تولد فيها حكايا متوازية ومتقاطعة، تُرسَم فيها لوحات تنجب لوحات، تبدأ فيها مسيرة هشام الأسعد الصحفيّة وتنتهي، يواصل فيها الناس المهمّشون حياتهم الرتيبة في واقعٍ خانقٍ لا مفرّ منه إلا بالبوح وكؤوس الشاي، يبقى الفقير فقيراً والغنيّ غنياً، تبقى الشوارع السوريّة على إيقاعها الرتيب الذي تقطعه أحياناً سيّارات البيجو البيضاء الأمنيّة التي ستتحوّل إلى مرسيدس بعد عقد من انتهاء الرواية، يسعى من كانوا بسطاء ومساكين إلى التأقلم والتّعايش في دنيا الوحوش التي يحاولون عبثاً اقتحامها من دون أن يتلوّثوا، تبزغ قصص الحب وتتلاشى، تكبر العائلة ويتفرّق أفرادها، يحدث كلّ هذا من خلال عدسة نذير الزعبي البارعة بإيقاعٍ بطيء يكسر القلب، ولا ينتأ من هذه اللوحة إلا عبيل.
يتماهى عبيل مع تفرّده ويحلم فنحلم معه، مثل شخصية بُتُمْ في مسرحيّة «حلم ليلة منتصف صيف». ولعلّه هو الشخص الوحيد الذي ولد، وبكى، وضحك، وعمل، وقرأ، وكتب، وبقي هو ذاته، حين ترك أحلامه تقود حياته، وبقي متمسّكاً بالحلم حتى بعد أن انمسخ الحلم إلى حقيقة. فالأحلام كالأشجار لا تموت، بل تترك بذوراً لها في الرياح والمياه والهواء كي تشبّ شجرةً من جديد. تنتهي رواية «عبيل» ولا ندرك ما إذا كنّا نحن كما ندّعي ويدّعي واقعنا الخانق، أم نحن تفاصيل في أحلام عبيل، يرانا ويتأمّلنا ويُبقينا إن أعجبناه ويغيّرنا كيفما شاء. يفتح عبيل أعيننا على عالم شاسع لن ندركه إلا إذا أسلمنا أنفسنا له ونفضنا عنّا «واقعيّتنا»، وكذلك هي روايته وكذلك هو كاتبه الذي يعدنا بأعمال روائيّة قادمة نهرب منها وإليها. 

نُشرت في جريدة «الأخبار» اللبنانيّة - 13 نيسان/أبريل 2019  

Share: