Friday, August 7, 2020

عمر خليفة: كل شيء ولا شيء عن فلسطين






ما الذي نتكلّم عنه  حين نتكلّم عن فلسطين؟ كل شيء ولا شيء. هذا ما ينتابنا دوماً حين نفكّر بالكلام أو بالكتابة عن فلسطين. سادت العادة أن تكون فلسطين إما فوق الكلام أو تحت الكلام؛ إما أن نبالغ في الحديث عنها فتصبح عصيّة على المقارنة وعلى التعبير، أو أن نتجاهلها وكأنّها لم تكن، فيظنّ دافنوها أنّهم قد تخلّصوا منها حين سكتوا عنها. هل هي الأرقام والإحصائيّات؟ أم البشر والحجر؟ أم الماضي والحاضر؟ أم المستقبل الذي لا براء منه؟ أم هي بلاد كأيّة بلاد أخرى لا بدّ أن تبقى ضمن مستوى الكلام بلا إفراط وبلا تفريط؟ في أحد الأيام سألتُ صديقةً فلسطينيّة عن القدس: هل هي بجمال ما يُكتَب عنها أم أنّ قداستها تُعمينا عمّا سواها؟ هل نعبّر عنها بالوعي أم اللاوعي؟ كان جوابها أنّ القدس مدينة كغيرها، بصخبها وفوضاها وتلوّثها، وبهدوئها وتنظيمها وصفائها، ولكن ثمّة سر غريب فيها عجزت صديقتي عن إدراكه، وعجزتُ أنا عن إدراكه طبعاً، ولكنّي فهمته بالمقارنة مع علاقتي بالشام. مدينة كغيرها من المدن، وبلاد كغيرها من البلاد، لكنْ ثمّة ما هو أكبر. أمر يعجز عنه الكلام ولذا نخفق دوماً في التعبير عنه فنجعلها كل شيء ولا شيء.
هذا عن فلسطين، عن البلاد. ولكن ماذا عن ناسها؟ ماذا عن الفلسطينيّين؟ منهم مَنْ ولد وعاش وسيموت داخلها، ومنهم من ولد وعاش وسيموت خارجها، وبتنا نقرأ قصصهم الآن. ما معنى أن تكون فلسطينياً وأنت لا تمتلك من فلسطينيّتك إلا الهويّة، إلا تاريخ آبائك وأجدادك فيما أنت نصف فلسطينيّ في أفضل الأحوال؟ هل يكفي تاريخك ليؤكّد حاضرك، أم أنّ المياه قد جرت تحت جسور الزمن وانتهى الأمر. هذا ما يتناوله عمر خليفة في روايته الأولى «قابض الرمل» (دار الأهليّة). يتناول مسألة أن تكون فلسطينياً من الجيل الثالث؛ أن تكون حفيداً للفلسطينيّين المنكوبين فيما أنت – في واقع الحال – ابنٌ لبلاد أخرى شكَّلَتْكَ وشكَّلْتَها. يحاول خليفة أن يكتب عن هذا الجيل الثالث من خلال شريحة فلسطينيّين ثلاثينيّين وثلاثينيّات من الطبقة الوسطى، ولدوا ودرسوا وعملوا فيما فلسطين ليست أكثر من نبأ في التلفزيون ومواقع التواصل. هم بمنجاة من لعنات الذاكرة كما يظنّون، ولكنْ كان يكفي حدثٌ صغير عابر كي ينكأ جراحاً كانت خفيّة عليهم قبل أن تكون خفيّة على غيرهم. وكأنّ قَدَر الفلسطينيّين أن يبقوا فلسطينيّين حتّى حين يظنّون أنّهم أبناء جيل لم يكتوِ بنار الذاكرة.
تتلاقى مصائر أربعة صحفيّين حين يُكلَّفون بكتابة تحقيق عن ذاكرة عجوز فلسطينيّ عاش النّكبة ويأبى الحديث عنها. تتّسع دائرة المصائر شيئاً فشيئاً في دوّامة تبتلعهم وتبتلع شاباً آخر هو حفيد ذلك العجوز، بحيث تلاقت الأزمنة وتداخلت وتصادمت ليجرف الماضي كلّ شيء. فالنّكبة لم تكن بالنّسبة إلى هؤلاء الشّباب إلا حدثاً تاريخياً يمسّهم مساً طفيفاً إذ صودف أنّهم فلسطينيّون. بل كانوا يظنّون أن فلسطين أيضاً ليست إلا حدثاً في الماضي لا يمتّ بصلة لحاضرهم الغارق في محاولات العيش والحب والجنس والزواج والعمل. لم تكن إلا حدثاً بعيداً قد يمرّون به في فيلم وثائقيّ أو قد تتقاطع مع حيواتهم في مفارقات ساخرة، كما هي الحال مع الدبكة والهويّة واللهجة. تلك محض أقنعة لماضٍ لا يعنيهم، ولكنّ تلك الصدفة أمست لعنةً مزّقت الأقنعة كلّها ليدركوا أنّ تلك النّكبة التي رسمت تاريخ أجدادهم ولآبائهم سترسم مصائرهم هم أيضاً. وتتضاعف المفارقة حين نجد أنّ النكبة مسكوت عنها حتى لدى ذاكرة العجوز، ولكنّ ذلك المسكوت عنه والخفيّ والمُتجاهَل سيتفجّر لتطال شظاياه الجميع على اختلاف أجيالهم. يلعب عمر خليفة في منطقة حرجة ودقيقة للغاية، إذ يحاول تدوين تلك المفارقات الساخرة من دون أن يغرق أو يُغرِق شخوصه في لعنة الماضي. لا يتعامل خليفة مع شخوصه بحبٍّ أو بتقديس بل يسخر منهم كلّهم، ولكنّ تلك السخرية لن تكون جارحةً برغم قسوتها، إذ هي معجونةٌ بفهم الذات وفهم الشّخوص الأخرى، فالكاتب – مثل شخوصه – ضحيّة تلك المفارقات التي يدوّنها، وضحيّة صمت ذلك العجوز الذي يصمت فيجرح ويحكي فيجرح.
تتضاعف صعوبة الكتابة حين أراد خليفة الكتابة عن فلسطين وعن الفلسطينيّين مع إبقاء النّكبة خلفيّةً للأحداث. ليس التّحقيق الصحفيّ مركز الأحداث في نهاية المطاف، بل هم الشّباب الفلسطينيّون وحيواتهم المتقاطعة، في تشابهاتها وتبايناتها. نقرأ عنهم وعن تفاصيل حيواتهم قبل التّحقيق وبعده؛ فالجنس والأخطاء والبوح والصمت والقرب والبعد تفاصيل مهمة مثلها مثل جراح الذاكرة. ولكنّ هذا محض قناع آخر، إذ كان يُفترَض بالصحفيّين الأربعة وبالحفيد أن يعودوا إلى تفاصيلهم القديمة حالما أخفقَ التّحقيق، ولكنّهم وُشموا بذاكرة الأجداد، وما عاد أمامهم مفرّ من الإيغال في نكء تلك الجراح أكثر فأكثر، وفي مماهاة جراحهم الشخصيّة مع جرحهم الجمعيّ. ندرك حين نصل إلى الثلث الأخير من الرواية بانّ الثلثين الأوَّلَيْن ليسا إلا تمهيداً لما سيحدث. وكأنّ هذا التقسيم مرآة لحيوات الشّخوص أيضاً، فكلُّ تفاصيلهم قبل التّحقيق ليست إلا تمهيداً لما سيجدث لهم ومعهم أيضاً، ولذا كان الثّلثان بطيئين إلى درجة الملل أحياناً. ولكنّ خليفة يتقن نصب الفخاخ، ويبرع في كتابة المواقف المركّبة. فالبراعة، كلُّ البراعة، هي اللعب على الخيط الخفيّ بين سعي الشّخوص إلى اكتشاف سر صمت العجوز وبين سعيهم إلى اكتشاف ذواتهم؛ بين الانتقام الطائش من العجوز وبين الفضول الحارق لإتمام نقص الذاكرة. البراعة هي في اللعب على المعنى المزدوج لـ «التّداعي»: تداعي الحياة وتداعي الذاكرة. ندرك متأخرين، مثلنا مثل شخوص الرواية، بأنّ الذاكرة هي الحياة، حتّى لو كنّا أبناء جيل ثالث أو رابع أو خامس.
لا يمنح خليفة أسماء لشخوص الرواية، بل تمسي صفاتهم هويّة لهم. ولكنْ أدّى هذا التّجريد إلى طمس الفوارق بين الشّخوص أحياناً، وإلى تركيز متفاوت في رسم ملامحهم، بحيث كاد بعضهم يخرج من الصورة تماماً حين تحوَّلت دائرة الضوء إلى غيره. ربما كانت الرواية تحتمل تفصيلاً أكبر، ومعالجة أعمق لشخصيَّتَيْ القائد والمترجمة، مثلاً، بالمقارنة مع المعالجة الرهيفة لشخصيّتَيْ الخائنة والحفيد. ولكنّنا أمام رواية أولى مبشّرة للغاية، وأمام كاتب يتقن التقاط التفاصيل المركّبة التي تصوغ هويّاتنا وشخصيّاتنا بوصفنا بشراً عالقين في ذاكرتنا وذاكرة آبائنا؛ كاتب يرى الأقنعة التي نرتديها كلّنا، فيمزّقها بجرأة لنفهم أنفسنا أكثر، ونتلمّس هشاشتنا أكثر.         

Share:

Friday, July 24, 2020

إريش ماريا ريمارك: عن البشر وبيادق أخرى






لم يكن المعلّم الألمانيّ الشاب إريش ماريا ريمارك يتوقّع النجاح الساحق الذي نالته روايته «لا جديد في الغرب» (1929). وربّما لم يدرك أسباب ذلك النجاح حتّى بعد أن هدأت أصداء ذلك الانتشار. وعلى الأغلب أنّه لم يكن ليتخيَّل صمودها قرابة قرن كامل من القراءة وإعادة القراءة والترجمة وإعادة الترجمة. غير أنّنا اليوم قادرون أكثر على فهم تلك الرواية وفهم كاتبها وفهم أسباب نجاحها، بل قادرون على ترسيخ مكانتها أكثر عبر إعادة قراءتها مرات ومرات. سنُسطّح الرواية ونختزلها اختزالًا مُجحفًا لو قلنا إنّها رواية عن الحرب العالميّة الأولى، أو عن الحرب، أيّة حرب. الرواية تهجو النّفاق البشريّ، بل البشر كلّهم، ألمانًا وغير ألمان، من شارك في الحرب ومن لم يشارك. وبذا فهي كانت وستبقى رواية كلاسيكيّة لن تُنسى إلا بنسيان فعل القراءة في ذاته، كأيّ عمل كلاسيكيّ راسخ آخر. أسباب انتشار الرواية كثيرة ومتشابكة ومتناقضة أحيانًا: إنّها رواية كتبها جنديّ ذاق ويلات الحرب وكتب عنها؛ رواية نضجت في ذهن كاتبها ولم يدلقها مباشرةً كشتيمة، بل انتظر إلى أن اختمرت وقست أكثر؛ رواية عن الحرب العالميّة الأولى ولكنّها نُشرت في سنوات السلام التي بدت فيها الحرب محض كابوس بعيد ظنَّ الناس أنّه في الماضي فقط؛ رواية نبشت ذلك الكابوس لتنبّه الناس إلى أنّ الحرب قادمة لا محالة وأنّ الإنسان أحمق إلى درجة تكرار أخطائه ذاتها دومًا، ومنافق إلى درجة إلقاء الكذبات الممجوجة ذاتها قبل كل حرب وأثناءها وبعدها.
قراءة أخرى لريمارك؟ ترجمة أخرى لريمارك؟ هذا سؤالان متهافتان لأنّ الاستنكار الذي يغلّفهما مردودٌ على صاحبهما. نعم، لا بدّ من قراءات ومن ترجمات لهذه الرواية. ومن هنا تنبع أهميّة الترجمة الجديدة لرواية ريمارك التي صدرت أخيرًا عن دار «أثر» بترجمة ليندا حسين. إذ نقرؤها مترجمةً بترجمة دقيقة صافية عن الأصل الألمانيّ مباشرة، وبالعنوان الأدق «لا جديد على الجبهة الغربيّة». ليس هذا مجال الحديث عن الفارق بين العنوانين: «كل شيء هادئ على الجبهة الغربيّة» (كما ساد في الترجمات السابقة عن لغات وسيطة) و«لا جديد على الجبهة الغربيّة». إذ سنضيع وقتًا وجهدًا كبيرين في محاولة إقناع قراء كثيرين ببدهيّات: أهميّة الترجمة عن اللغة الأصل، والحفاظ على العنوان الأصل. المهم هنا هو أنّها ترجمة صدرت في وقتها إذ نعيش أيامًا فوضويّة تجمع طبول الحرب وهدنة السلام، وتُنذر بطبول أعلى لحروب قادمة لا محالة. مئة عام لا تكفي كي يتخلّى البشر عن حماقتهم ونفاقهم، إذ لعلنا لا نعيش إلا بالحرب ومن أجلها، أيًا تكن النتائج. وهذا ما كان بطل الرواية باول بويمر غافلًا عنه في بداية الأحداث، إذ كان في بداية الأحداث غافلًا عن الخطين المتوازيين اللذين يرسمان حياة الحرب: الأنا والنّحن. نتعرف إلى باول منذ البداية بوصفه بيدقًا من بين عشرات آلاف البيادق في الحرب، ولكنّه لا يدرك أنّه بيدق لأنّه ما يزال متذبذبًا بين الحياة المدنيّة التي لم يكد يبدأها بعد والحياة العسكريّة التي ستصبح حياته الوحيدة. ولذا يتناسى البيدق زملاءه البيادق الأخرى في السريّة التي كان تعدادها 150 جنديًا قُبيل بداية الرواية، لندرك بعد صفحات قليلة أنّ العدد تضاءل إلى 80، ليتضاءل أكثر إلى 32 مع منتصف الرواية، قبل أن يتلاشوا جميعهم وكأنّهم ما كانوا.
ربما كان باول هو ريمارك نفسه. هذا ليس مهمًا لنا، بل يهمّنا براعة تشريح ريمارك للحرب وللبيادق الألمانيّة وغير الألمانيّة التي لا تولد ولا تعيش إلا لتكون وقودًا للحرب التي لا تنتهي إلا كي تعود. فرحة باول ورفاقه بالطعام الوافر في بداية الرواية حين أصبح لكل منهم حصتان بدلًا من حصة واحدة هي فرحة الجسد الذي لم يذق إلا الحرمان. النجاة هي الهدف الأول والأخير، والجنديّ خُلق كي يموت. تلك طبيعة الأشياء كما كان باول يراها. ولكن مع اكتشافه شيئًا فشيئًا أنّ البيادق تكاد تتلاشى يتنامى الشعور الآخر الذي لا يدركه إلا مَنْ عايش تجربة النّجاة الجماعيّة. أن تنجو مع رفاقك كي تكون لنجاتك معنى، لا أن تنجو بمفردك. باول نفسه الذي فرح بحصّة الأكل المضاعفة كاد يتقيّأ بسبب غفلة المدنيّين وأنانيّتهم حين رحل ليقضي إجازته في بلدته. مدير مدرسته يريد أراضٍ كاملة كي يرضى، وليس له أن يدرك معنى البقاء على قيد الحياة لأنّه لا يعرف عن الجبهة شيئًا. غربة باول في إجازته هي نقطة التحوّل الكبرى في حياته: بدأ يدرك حقّ الإدراك أنّ حياته باتت هناك، في الجبهة، حيث الأشلاء والرصاص والنار والغاز؛ حيث لا تكون الأحلام الغبيّة بأراضٍ تُتقطَع من هذه الدولة أو تلك، بل أن يُختزَل الوجود كلّه في جسدك وجسد رفاقك، بل وفي أجساد البيادق كلّها على اختلاف جنسيّاتهم وانتماءاتهم. ليس الأعداء في الحرب بل في المدن والقصور المتخمة بالحياة. وكلُّ لحظة نجاة في الحرب باتت تعني سرقة هذه اللحظة من عدوّك الذي كان، ورفيقك في الموت الآن.
أن تسرق وجودك. هذا هو الهدف الوحيد الذي بات عشرات آلاف الشبّان يعيشونه في الحرب، وهم يدركون أنّ مصيرهم محكوم بالصدفة. ستعيش بالصدفة، وتموت بالصدفة، ويُبتَر جسدك بالصدفة. ليس منهم من سوف «يُعمَّر فيهرم»، إذ إنّهم هرموا وانتهى الأمر. باتوا على هامش الحياة التي لا تعترف بالبيادق. هم محض أرقام لا أكثر. الجنديّ رقم كذا، سيصبح السرير رقم كذا في المشفى، وربما القتيل رقم كذا في أحد المدافن الجماعيّة. مع اقترابنا من الصفحات الأخيرة سنبدأ اكتشاف معنى البرقيّة الرسميّة التي ستُلخّص حياة باول بويمر بأكملها. مات وحيدًا بعد موت رفاقه كلّهم. الصدّفة لعبت دورها مرةً أخرى لتجعله يموت في يوم هادئ لن يُكدّر الجنرالات والملوك، يوم هادئ على الجبهة ليس فيه إلا موت بيدق لن يهمّ أحدًا. لا جديد في الغرب، لا جديد في الشرق، لا جديد في الشمال، لا جديد في الجنوب. قد يموت عشرات، أو مئات، أو آلاف، أو ملايين. لا يهم. ما يزال لدينا سبعة مليارات من البشر محكومون بالصدفة ليس إلا. نجت رواية ريمارك بعد أن أحرقها هتلر من بين ما أُحرق من كتب تندّد بالحرب. لعلّها صدفة أخرى. ولكن هناك أعمال وكلمات كثيرة أحرقتها صدف أخرى لأنّها «توهن نفسيّة الأمة»، لو استعرنا العبارة الحمقاء التي تردّدها الأنظمة على اختلافها. يرى ريمارك أنّ روايته ليست إلا «محاولة فقط لحكاية ما حدث لجيلٍ دمّرته الحرب – حتّى وإن كان قد نجا من نيرانها». ولكن هل نجوا حقًا؟ هل نجونا؟ هل سننجو؟ 

   

Share:

Friday, July 10, 2020

بنجامن كارتر هِت: هتلر وموت الديمقراطيّة





ستبقى أيّة محاولة لكتابة تاريخ ألمانيا بين الحربين مشيًا في حقل ألغام. فمن جهة يُفترَض بالمؤرّخ الموضوعيّة، ومن جهة أخرى لا بدّ لهذه الموضوعيّة من نتيجة محسومة سلفًا: ألمانيا المتّهم الأول والأخير في إشعال فتيل الحربين، والمتّهم الأوحد في صعود أدولف هتلر إلى السلطة. سينتأ السؤال المحرج الهامس: أيّة موضوعيّة تلك طالما أنّ النتائج مُحدَّدة مسبقًا؟ سيردّ المؤرّخون: اعتمدنا على وثائق وشهادات. هذا صحيح قطعًا، ولكنّ الوثيقة والشّهادة خاضعتان لتأويلات عديدة بالضّرورة. وفي ظل غياب تأويل الطرف الخاسر للأحداث ليس أمامنا إلا القراءة الحذرة لأيّ كتاب أو وثيقة. وبسبب استحالة تسليط أيّ ضوء ولو شحيح على تأويل الطرف الآخر، تفادى المؤرّخون محيطات دماء الحربين، وهربوا إلى الفترة التي سبقت وصول هتلر إلى الحُكم، بهدف دراسة الأسباب التي مكّنته الفوز بديمقراطيّة لا تشوبها شائبة. هل يمكن للنّاخبين انتخاب شخص سيئ وعنصريّ وشرير ودمويّ ودكتاتوريّ ... إلخ؟ الإجابة بكل بساطة: نعم. ومن هنا تنبع أهميّة كتاب المؤرّخ الأميركيّ بنجامن كارتر هِت «موت الديمقراطيّة: صعود هتلر إلى السلطة وسقوط جمهوريّة فايمار» الذي صدر أخيرًا عن دار «فواصل» بترجمة عدي جوني. يقوم الكتاب على فكرة بسيطة: أيامنا هذه تشبه ثلاثينيّات القرن العشرين، ولذا لا بدّ من دراسة تلك السنوات البعيدة كي نحاول فهم أيامنا التي تشهد صعودًا جديدًا لليمين المتطرّف وللنّزعات الشوفينيّة في ظل هدير موجات هائلة من اللاجئين إلى أوروبا.
لا يتناول الكتاب جمهوريّة فايمار (رمز الديمقراطيّة الأسمى في تاريخ ألمانيا وأوروبا) بل أواخر أيامها؛ وبالتحديد بين حدثين كبيرين: حريق الرايشستاغ [البرلمان] (27 شباط (فبراير) 1933) و«ليلة السكاكين الطويلة» (30 حزيران (يونيو) 1934). يؤرّخ هذان الحدثان إلى بداية فترة حُكم هتلر، مستشارًا لألمانيا أولًا في كانون الثاني (يناير) 1933، وصولًا إلى إحكام قبضته على منصبي المستشار والرئيس معًا في آب (أغسطس) 1934، حيث بدأ رسميًا حُكم الرايش الثالث الذي وضع آخر مسمار في نعش جمهوريّة فايمار. ثمة استعادات موجزة للحرب العالميّة الأولى وبداية تشكُّل أفكار هتلر، و أضواء خاطفة على «عمليّة فالكِري»: المحاولة الفاشلة لاغتيال هتلر عام 1944. مع تفاصيل متشعّبة كهذه كان لا بدّ من الانتقاء، لذا بدا الكتاب بفصوله الثمانية وكأنّه ثمانية مشاهد في فيلم تسجيليّ يلتقط تفاصيل متناثرة ترسم بمجموعها صورةً شاملةً بعض الشيء لألمانيا فايمار وما بعدها. مشكلة هذه الطريقة هي المجازفة بانفراط التّناغم أحيانًا بين تلك التفاصيل بحيث لا يفهم القارئ غير المطّلع نقاطًا كثيرةً في دوّامة الأسماء والتواريخ المدوّخة. ولذا تبدّى التخبّط أحيانًا بين مقدّمات الفصول التي تستلهم السرد الروائيّ في لقطات شفيفة منتقاة ببراعة لشخصيّات وأحداث، وبين الفصول نفسها التي نحت إلى أسلوب جاف أحيانًا غير بعيد من الأسلوب الأكاديميّ الذي يسم معظم الكتب التاريخيّة، على الأخص بسبب خلوّ متن الكتاب من الحواشي التي فضَّل الكاتب إزاحتها إلى ملحق في نهاية الكتاب بحيث اختلطت أفكاره مع أفكار مَرَاجعه التي استند إليها.
تلك ملاحظات نافلة لا تقلّل من أهميّة الكتاب الذي يبرع مؤلّفه في تدوين ملاحظات ثاقبة عن الحرب العالميّة الأولى ومشاعر الألمان الذين أحسّوا بالغبن بعد هزيمتهم التي تضاعفت بسبب معاهدة فرساي التي كانت سببًا جوهريًا من أسباب نقمة ألمانيا على أوروبا وصعود التيّارات المحافظة والقوميّة ومنها «حزب عمّال ألمانيا القوميّ الاشتراكيّ» الذي اشتُهر لاحقًا باسم «الحزب النازيّ». ليست تلك القوميّة المتطرّفة وليدة أفكار هتلر وحده، بل تجسُّدٌ للنقمة الألمانية المتفاقمة طوال 15 عامًا، بحيث بدا هتلر بمثابة خلاص من هذه الرمال المتحركة التي أدخلتهم إليها الأحزاب الليبراليّة والأرستقراطيّة التي رآها الألمان خائنة حين ارتضى زعماؤها عار معاهدة فرساي المجحفة. وبالرغم من محاولات هِتْ تقديم توصيف موضوعيّ للأحداث إلا أنّ بوسعنا أن نستشفّ انحيازه المتوقَّع إلى جنّة فايمار الليبراليّة، وانحيازًا أخطر إلى «عدالة» معاهدة فرساي التي يُقلِّل من وطأتها في مواضع عديدة، ويرى أنّ الألمان بالغوا في توصيف ظلمها، بل إنّهم لم يُبْدوا «أدنى امتنان» للفرنسيّين حين انسحبوا من الراين عام 1930.
ولكنّ ذلك الانحياز الجزئيّ لا ينسحب على تحليلات المؤلّف الصائبة حيال أسباب انتشار النازيّة لدى البروتستانت في المناطق الريفيّة، ولدى بروتستانتيّي الطبقة الوسطى المدينيّة. وكذا الأمر بالنّسبة إلى تشريحه الدقيق للأحزاب الألمانيّة وللمؤامرات الكثيرة المناصرة لهتلر والمناوئة له في آن التي يمكن لنا أن نستشف منها – على نحو غير مباشر – أنّ البديل لن يكون أفضل بالضرورة. فالشيوعيّون لن يكونوا أقلّ دمويّة أو دكتاتوريّة من النازيّين لو وصلوا إلى الحُكم، والأرستقراطيّون لن يكترثوا للأزمة الاقتصاديّة الطاحنة التي أنهكت الألمان؛ أما ليبراليّو الوسط والديمقراطيّون الاجتماعيّون الذين لا يخفي المؤلّف انحيازه لهم فقد أضاعوا الفرصة تلو الأخرى في تحالفات خاطئة وفي سذاجة سياسيّة، على عكس النازيّين الذين أتقنوا قراءة التحوّلات السياسيّة الداخليّة والخارجيّة وقراءة مشاعر الناس وانتهزوا الفرص بحزمٍ دمويّ من جهة، وبذكاء بالغ حين استثمروا أحدث وسائل الدعاية في حملاتهم الانتخابيّة وفي الإعلام الذي كان بيد يوزف غوبلز، ملك البروباغندا السياسيّة.
يشير المفكّر الإنكليزيّ أيزيا برلن إلى وجوب عدم التعامل مع النازيّين بكونهم مجانين، بل بكونهم بشرًا يمكن لهم ارتكاب أفظع الجرائم مع بقائهم بشرًا «طبيعيّين» وقعوا ضحيّة تضليلٍ هائل وأوهام فادحة وتلقينٍ خاطئ. هذا ما نجح فيه هِتْ بدرجة كبيرة إذ تناول النازيّين بكونهم ألمانًا وأوروبيّين ضمن ظروف استثنائيّة، ولكنّه غفل عن تبيان الصورة الأخرى الأهم: مشاعر الألمان أنفسهم أو مشاعر الأجانب غير الأوروبيّين الذين لم يروا الوحشيّة أو لم يكترثوا لها بقدر اكتراثهم بالاستقرار الاقتصاديّ والوضع المعيشيّ. نجد تلك الصورة لدى الراحل عمر فرّوخ في سيرته «غبار السنين» التي دوَّن فيها مشاعره أثناء دراسته في ألمانيا هتلر بين عامي 1935-1937، حيث يركّز على التّنظيم والاستقرار، مقلّلًا من أهميّة القبضة القاسية للنّظام على الحريّة الشخصيّة، إذ يرى تلك القيود «نعمة على أصحاب الاستقامة في الحياة. وقد كان الجهاز الحكوميّ يخدم المواطن والغريب على أنّهما إنسانان». يتحدّث فرّوخ تبعًا لأخلاقه المحافظة ونفوره من السياسة، وهذا ما يتشاركه مع ألمان كثيرين بطبيعة الحال، ولكنّهم يتناسون الصورة الأكبر التي تضمّ ضحايا لا حصر لهم قُتلوا لأسباب واهية. الصورة الكبرى متاحة لنا اليوم، ولعلّنا نجد من يرسمها بلا أدنى تحفّظات.
 
  
Share:

Friday, June 19, 2020

نيل غايمان: أبواب الخيال






ليس لكلمة «fiction» الإنكليزية، ولمثيلاتها في اللغات الأجنبية، مقابل عربيّ دقيق. لن تفيدنا كلمة «أدب» أو «سرد»، لأنّ «فكشن» تتّسع لمعنيَيْ الكتابة التخييليّة والخيال في آن. الكتابة مرتبطةٌ بالخيال، بل لعلها هي الخيال؛ فحتّى الكتابة «الواقعيّة» تخييليّة بصرف النّظر عن مدى صدقها ووثائقيّتها. لا بدّ من خيال كي تكتمل الكتابة وتبتعد من مجال الوثيقة الجافة والتقارير الرسميّة. ولكنْ مع تعاظم الكتابة الواقعيّة تقلّصت حصّة التّخييل لصالح «الصدق»، إلى درجة بات فيها كلُّ خياليٍّ يعني زيفًا، أو ابتعادًا من الواقع/الحقيقة. ولكنّ حصة الخيال حافظت على هيمنتها في الأدب الذي انسحب إلى الهامش: الأدب البوليسيّ، الخيال العلميّ، الرعب، الفانتازيا، وغيرها، والتي اختُصرت في مصطلح «أدب الجانْر». نادرةٌ هي المحاولات الناجحة لمزاوجة هذين النوعين الأدبيّين، وبذا صار لكلّ نوع جمهوره وقراؤه، وصار لكلٍّ منهما نقّاده أيضًا. صار من «الطبيعيّ» ألّا نطلب من كتّاب الجانْر أن يكونوا تولستوي مثلًا لأنّهم يكتبون في عالم متباين عن عالمه، ولكنّنا نلجأ إليهم حين نريد الخيال؛ وحاجتنا إلى الخيال جوهريّة كحاجتنا إلى الحب وإلى الهرب. نحتاج إلى الهرب من عالمنا فنلجأ إلى الخيال، وهي ليست حاجة نافلة أبدًا.
هذا بالضبط ما أرادته بطلتنا الصغيرة في نوڤيلا نيل غايمان «كورالاين» (منشورات «تكوين» - الكويت) التي قدّمها لنا هشام فهمي في ترجمة ممتازة، مواصلًا بها مشواره في تقديم أدب الجانْر إلى القارئ العربيّ. تودّ كورالاين أن تهرب من عالمها الخانق، ومن رتابة والديها وعالميهما، فتورّطنا معها في رحلة هربها تلك. الفارق هو أنّ كورالاين عاشت هذا العالم فيما نحن نقرؤه خيالًا. وفي هذا الفارق بالذات نلتقط معنى الفن. تبدأ رحلة كورالاين من باب يُفضي إلى حائط مغلق، ولكنّنا ندرك منذ البداية بأنّ هذا الباب سيكون مفتاح رحلتنا القادمة. المشكلة الأزليّة التي يعاني منها كتّاب الجانْر هي أنّ أدواتهم مكشوفة لأنّ الكتّاب الذين سبقوهم استخدموها. وستكمن البراعة في كيفيّة استثمار هذه الأدوات، وفي جذبنا إلى عالمٍ مختلف برغم إدراكنا بأنّه سيكون مختلفًا. حين تُدير المفتاح في الباب سنترقّب هذا الاختلاف. ولكن ليست كلُّ الأبواب سواء، ولذا ما من داعٍ إلى المقارنة مع «ألِس في بلاد العجائب» لأنّها مقارنة مجحفة بحق كورالاين وكاتبها على السواء، مع أنّ غايمان وقع أحيانًا في فخ استنساخ ألِس، ولكنّ كورالاين أذكى فجنّبته وجنّبتنا خيبة المقارنات.
تهرب كورالاين من الرتابة ومن عالم «لا» إلى عالم يبدو أجمل لأنّه عالمٌ ينتظرها هي بالذات. ستتحقّق أحلامها ورغباتها وخيالاتها كلّها، لأنّه عالم «نعم» المغري. ستجد أمًا أخرى وأبًا آخر وبيتًا آخر وجيرانًا آخرين ولكنّهم في الوقت ذاته يشبهون أمها وأباها وبيتها وجيرانها الأصليّين. براعة غايمان هي في مزج العالمين بحيث تضاعفَ تردُّد كورالاين، وتضاعفت حيرتنا بشأن العالم «الأصليّ» بين هذين العالمين. أين العالم الموازي حقًا؟ هل هو عالم الرتابة الخانقة، أم عالم الأحلام التي توشك على التحقّق؟ عالم ما وراء الباب شديد الإغواء. الطعام أشهى، الحيوانات تنطق، الألعاب أجمل. المشكلة الوحيدة هي أنّ سكّان هذا العالم استبدلوا أعينهم بأزرار. والدان بأعين طبيعيّة ولكنّهما مشغولان على الكمبيوتر ويتفنّنان في قول «لا» لابنتهما، أم والدان يلبّيان كلَّ ما ترغب ولكنّ أعينهما أزرار؟ إغراء «نعم» أقوى، ولا مشكلة في الأزرار. هذا ما تكاد كورالاين تختاره لولا أنّها تنبّهت فجأةً إلى أنّ هذا العالم الحُلُميّ لا أحلام فيه. ما معنى الفردوس إنْ لم تكن قادرًا على الحلم، إنْ تحقّق كلّ ما تريد؟ تلاشي الخيال في هذا العالم الخياليّ يعني كابوسًا بالضرورة. وهنا بدأت رحلة كورالاين.
حين تعي كورالاين أنّ خيار «نعم» ليس خيارًا حقًا بل هو الخيار الأوحد، ستُدرك أنّ عالم الرتابة القديم أجمل لأنّ خياراته أكثر. وهنا ندخل إلى الكابوس الفعليّ. ليست الأزرار مشكلتَنا الوحيدة في نهاية المطاف، بل إنّنا في عالم ينتزع منك روحك، وإنسانيّتك، ومعنى بشريّتك. نرافق كورالاين في مغامرتها الشرسة الآن، في رحلة مقاومتها لسيّدة ذلك العالم الكابوسيّ. الرحلة طويلة، طويلة لدرجة أنّنا أحسسنا بالملل أحيانًا، ولكنّ كورالاين تنتصر وتعود إلى عالمها. تتضاعف خيبتنا لهذه النهاية غير المنطقيّة بعد الإملال الذي فرضه علينا غايمان لولا تنبُّهنا فجأةً إلى أنّ الكتاب لم ينته بعد. هذا ما ندركه نحن وتجهله كورالاين. لا يمكن لك الهرب من الكابوس تمامًا، لأنّه سكنَك ولو مؤقتًا، وعلقت آثاره بك. وهنا تبدأ الفصول الأخيرة التي غفرنا فيها لغايمان حين أدركنا أنّه نجح في خداعنا لندخل الآن في الرحلة الحقيقيّة التي ستنتهي نهاية سعيدة طبعًا. طبعًا؟ لسنا متأكدين لا نحن ولا كورالاين برغم هدوئنا النسبيّ وعودتنا إلى الرتابة الجميلة ورفض طلباتنا.
صحيحٌ أنّ والديها صارا ألطف وأكثر حنانًا، وصحيحٌ أنّها حظيت بقطٍّ جميل رافقها في مغامراتها بين العالمين، وصحيحٌ أنّها باتت أقرب إلى جيرانها الذين أدركوا نطق اسمها الصحيح (كورالاين لا كارولاين من فضلك!)، وصحيحٌ أنّها صارت تتقبّل أشياء ما كانت تتقبّلها قبل مغامرتها، كأن تأكل بيتزا رديئة أعدّها أبوها، ولكنّ الكابوس لم ينته تمامًا (لا، كابوس آخر غير البيتزا الرديئة)، أو على الأقل لا نعلم إنْ كان قد انتهى حقًا، لأنّ الخيال موجود. وطالما أنّ الخيال موجود فهذا يعني أنّ الخيارات مفتوحة كلّها. ولعلّ هذا ما تريد نوڤيلا «كورالاين» أن تقوله: هناك أحلام وهناك كوابيس بالمقابل، هناك «لا» وهناك «نعم» بالمقابل، وهناك أبواب، أبواب كثيرة تُفضي إلى عوالم كثيرة. أيّها أفضل؟ ليس مهمًا طالما أنّ بوسعك أن تهرب حين تشاء وتعود حين تشاء وتَقْبل حين تشاء. 
     

Share:

Friday, June 12, 2020

ليديا أفيلوفا: تعال وخذ حياتي






سنقترف مجازفةً محفوفةً بالمخاطر لو انزلقنا إلى مماهاة الكاتب بشخوصه. يصدق هذا على معظم الكتّاب، ولكنّه يصدق بشدّة على أنطون بافلوفتش تشيخوف. لدينا ما يقارب 600 قصة، وما يقارب 20 مسرحيّة مختلفة الطول تضمّ آلاف الشخصيّات، ومن الطبيعيّ أن نجد شخصيّات عديدة تتشابه مع شخصيّته بهذا القدر أو ذاك، ولكنّ هذا لن يفيد تشيخوف ولن يفيدنا. ليس لنا إلا اللجوء إلى المصادر التي تناولت سيرته وحياته، وهي مصادر شحيحة بكل أسف ولكنّها تقدّم شخصيّة متناغمة على اختلاف كتّابها ومدى قربهم من تشيخوف: طيّب، متواضع، لطيف، ذكيّ، ساخر، غاضب بحقّ حينما يستلزم الأمر، وصموت حينما يستلزم الأمر. تزوّج في سنّ متأخّرة نسبيًا عام 1901 بالممثلة المسرحيّة أولغا كنيبر زواجًا من دون بهرجة ومن دون حبّ عاصف، إذ واصل قضاء سنوات مرضه الأخيرة في يالطا فيما واصلت حياتها المهنيّة في مسارح موسكو إلى حين وفاته عام 1904. كان هذا التفصيل الأخير محلّ جدالٍ دائم بشأن علاقات تشيخوف النسائيّة: هل واصل علاقاته العابرة التي كان مولعًا بها قبل زواجه أم استكان لعزلته من دون علاقات؟ ليس لدينا أدلّة حاسمة، باستثناء أمرين: قصّته العظيمة «السيّدة صاحبة الكلب» التي ماهى نقّاد كثيرون بين بطلها غوروف وكاتبها تشيخوف، ولكن لا ينبغي أن ننسى أنّ القصة نُشرت عام 1899 قبل عامين من زواجه بصرف النظر عن مدى تشابه الشخصيّتين؛ ومذكّرات الكاتبة الروسيّة ليديا أفيلوفا «تشيخوف في حياتي» التي صدرت أخيرًا عن دار «فواصل» بترجمة نوفل نيّوف.
تتمحور المذكّرات حول علاقة الحب التي عاشتها أفيلوفا مع تشيخوف، أم لعلها علاقة حب عاشاها معًا طوال عشر سنوات؟ تؤكّد أفيلوفا على الاحتمال الثاني بطبيعة الحال، ولكنّها واجهت وستواجه مخالفين كثيرين يعتقدون أنّها تخيّلتْ أو بالغت في أحداث كثيرة بحيث «أرغمت» تشيخوف على أن يكون بطلًا في قصة حب لم يعشها، أو – على الأقل – لم يتعامل معها يكونها قصة حب. كان لدينا عشرات الرسائل المتبادلة بينهما، تخلّصت أفيلوفا من معظمها، وبذا لم يبق لدينا إلا رسائل قليلة ليست فيها أدنى حميميّة، ولدينا أقوال أفيلوفا، فقط. تشيخوف عاجز عن الرد بطبيعة الحال لأنّ المذكّرات نُشرت بعد وفاته، ولم يُعثَر على رسائل شخصيّة بين أوراقه تضمّ ما يتجاوز علاقة معرفة لا تصل إلى مرحلة صداقة عميقة. كيف نقرأ الكتاب إذن؟ لدينا احتمالان: إما أن نقرأه بوصفه كتابًا مُتخيَّلًا، وبذا سنضمن قراءة شديدة الإمتاع، والتقاطات ذكيّة من المؤلّفة لمظاهر بعينها من مظاهر شخصيّة تشيخوف؛ وإما أن نتعامل معه بوصفه شهادة واقعيّة صادقة، ولا بدّ لنا حينئذ من مقارنة المعلومات التي فيه مع المعلومات الني نعرفها من المصادر الأخرى التي تضمّ أدلّة أكثر وأصدق، ولكن لن تكون النتيجة لصالح المؤلّفة قطعًا.
تنقسم المذكّرات إلى قسمين يحضر تشيخوف في القسم الأول منها بوصفه الكاتب المُرشِد المتواضع أكثر من أيّ صفة أخرى؛ لا نجد في الحوارات أو الرسائل أو اليوميّات ما هو أكثر من نصائح بشأن الكتابة يقدّمها الكاتب الأكثر خبرة للكاتبة التي تحاول شقّ طريقها. سنجد تلك العبارات التشيخوفيّة الثاقبة حين يتحدث عن أنواع الكتّاب وعن الزاوية التي يفضّل أن يرى الحياة والكتابة منها، وسنجد نصائح لا يمكن التشكيك بمدى تشيخوفيّتها أبدًا كما حين يشير إلى أنّ على الكاتبة ألّا تكتب «وإنّما أن تطرّز الورقة بحيث يكون العمل شديد الدقة والبطء». ولكن حين ننتقل إلى الصعيد الشخصيّ وإلى المحاورات الحميمة التي كتبتها أفيلوفا، لن يكون بوسعنا الركون إلى أقوالها وحدها لأنّها تكتب عن تشيخوف مختلف عن ذاك الذي نعرفه؛ يبدو تشيخوف أفيلوفا مستهترًا، مزاجيًا، وينطق بعبارات حمقاء متناقضة لا تشبه عباراته الدقيقة التي عرفناها من مصادر أخرى، تلك العبارات التي لا فرق فيها بين النطق وبين الكتابة، عبارات مُصاغة ببراعة من عقلّ ألمعيّ حتى حين يخاطب أبسط الأشخاص. أما في القسم الثاني الأجمل نجد أن تشيخوف الكاتب قد تلاشى تقريبًا وحلّ محلّه تشيخوف العاشق كما تصرّ أفيلوفا، مع أنّ الرسائل المرفقة بالمذكّرات لا تضمّ ما يومئ إلى هذا العشق، بل لا تعدو كونها رسائل عاديّة بتوقيع شبه رسميّ. وأخيرًا نقع على فصل مفرط الرقة في علاقة جميلة حين توصي أفيلوفا على تعليقة ذهبيّة على شكل كتاب حفرت على وجهها الأول اسم تشيخوف وعنوان أعماله، وعلى الوجه الآخر رسالة مرمّزة برقم صفحة من أعمال تشيخوف، تضم العبارة التي تودّ أفيلوفا إيصالها إلى تشيخوف: «إذا ما احتجتِ يومًا إلى حياتي تعالي وخذيها». وسنجد هذه العبارة ذاتها على ميداليّة مماثلة مع أرقام صفحات مختلفة على لسان تريغورِنْ في مسرحيّة «النورس». لحظة الاكتشاف وانغلاق دائرة الترميزات الشفيفة لحظة مدهشة لو كانت قد حدثت حقًا، ولكنْ – مرة أخرى – لا سبيل إلى التأكد لأنّ أفيلوفا تشير إلى أنّ الأرقام الجديدة التي وردت في المسرحيّة تشير إلى عبارة أخرى تخص الحفلات التنكريّة من أحد أعمال أفيلوفا، بما أنّها حضرت مع تشيخوف حفلةً تنكّرية قبل فترة وجيزة من عرض «النورس». لعل هذا ليس مهمًا، سواء صحّت رواية أفيلوفا أم لا، إذ ستبقى هي وروايتها لهذه الحادثة مرتبطةً بالمسرحيّة كلّما قرأنا أو شاهدنا ذلك المشهد، وهو أحد أجمل مشاهد المسرحيّة، على الأخص حين نتذكّر إشارات نقديّة عديدة تقول إنّ تشيخوف رسم صورة ساخرة من نفسه في شخصيّة تريغورِنْ.
يقول غوركي في عبارته الشهيرة عن تشيخوف: «يُخيَّل إليّ أنّ كلَّ من يكون في حضرة تشيخوف يشعر برغبةٍ لاواعيةٍ في أن يكون أبسط، وأصدق، وأقرب إلى حقيقته». لعلّ أفيلوفا هي الاستثناء لهذه القاعدة الغوركيّة، أو لعلّها لم تُحسن الاستفادة من درس تشيخوف إذ لا تبدو أبسط وأقرب إلى حقيقتها، ولا نعلم ما إذا كانت أصدق. لا نجد تشيخوف في هذه المذكّرات، بل نجد صورة مختلفة له. ربما كانت صورة أجمل بالنسبة إلى أفيلوفا، ولكنّها ليست صورة تشيخوف. ربما تكمن المفارقة في أنّ أكثر أعمال أفيلوفا تخييلًا هو مذكّراتها التي تروي حكاية أحد أعظم من رسم الواقع من دون أن يتخلّى عن براعة التخييل. ولعل هذا هو الدرس الذي استمدّته أفيلوفا من تشيخوف وأتقنته: الواقع لا يهم، اكتب حياةً أقسى من الواقع وأبهى منه في آن.        

Share:

Saturday, May 16, 2020

سعد الله ونوس: ذاكرة أقوى من الموت



لا نعلم سر سعد الله ونّوس الذي أفضى به إلى قلب كيمياء مسرحه كلّها خلال فترة صمته الموجزة الثانية (1990-1993) التي أنتج بعدها أعظم مسرحيّاته. وحتّى تلك المسرحيّات السّبع الأهم متباينة في ما بينها بدرجة مدهشة، ولكن لا بدّ من قاسم مشترك بينها حتمًا. ستختلف الإجابات باختلاف القراءات والتأويلات، ولكن لعل أهمّ سبب في هذه المرحلة الأخيرة الفاتنة هو أنّ ونّوس سمح لذاته بالتسلّل في دفعات متزايدة، سمح لذاكرته أن تنحت مسارًا لها داخل المسرحيّات. الجميل في الأمر هو أنّ ذات ونّوس كانت سرديّة لا مسرحيّة. تنامت جرعة السّرد بالتدريج لتحفر مسارًا تجريبيًا غاب عن أعماله الأولى، وأُلمح إليه إلماحًا طفيفًا في «الاغتصاب» (1989). تجريب فنيّ يتداخل فيه الدراميّ بالسرديّ بحيث لا تقتصر مهمّة السّرد بكونه مجرّد «جوقة» للتّعقيب والتّفسير، بل دخل السرد إلى جسد المسرحيّة نفسها: صارت الشّخوص تُعبّر عن أنفسها أكثر ببوح مونولوغيّ يصل أحيانًا إلى صفحتين أو ثلاث، وتشظّت الفصول والمشاهد التّقليديّة إلى منمنمات وتفاصيل بحيث بتنا أقرب إلى موزاييك أو مونتاج مسرحيّ لم يكن الشّكل القديم لمسرحيّاته الأولى يسمح به. اكتشفنا في التقاطاتٍ سريعةٍ ونّوس السّارد الذي كانت أعماله الأخيرة تعد بحضور أقوى للسرد، وهذا ما فعله حقًا حين فاجأنا بكتابه البديع «عن الذاكرة والموت» (1996)، وهو أحد أجمل الكتب السرديّة العربيّة.
كتاب «عن الذاكرة والموت» عصيّ على التصنيف كما هي حال مسرحيّاته الأخيرة وأكثر. يضع ونّوس على الغلاف تصنيفًا محايدًا: «نصوص»، ثم نجد الكتاب مقسومًا إلى قسمين: «نصوص قديمة ومهملة» أقرب إلى القصص القصيرة من دون أن ينطبق عليها التّعريف بدقّة؛ و«نصوص جديدة» فيها نص واضح هو مسرحيّة «بلاد أضيق من الحب»، ونصان/متاهتان قريبان من السيرة الذاتيّة وبعيدان منها في آن: «ذاكرة النبوءات» أقرب إلى اليوميات، ولكنّ نص «رحلة في مجاهل موت عابر» لا مثيل له عربيًا (ربّما نتذكّر هنا كتب حسين البرغوثي بوصفها أقرب مثال مشابه): يوميات، تأملات، پاروديا، نص ميثولوجيّ قصير، ونص دراميّ يكاد يكون مسرحيّة، أحلام، كوابيس، ونصوص قصيرة قريبة من جوّ القسم الأول من الكتاب، ولكنّها موحّدة في ثيمة واحدة: الذباب. يشير ونّوس هنا بين الهزل والجد إلى أنّه يودّ لو أدخلَ نصوص الذّباب في قسم (بعنوان «ذبابيّات») في المجلد النظريّ من أعماله الكاملة، ولكنّه فضَّلَ تركها في كتابه السرديّ، وأدخلها ببراعة بحيث نجدها حلقةً من حلقات تأمّلاته الهذيانيّة بفعل آثار الجرعة الكيميائيّة التي كادت تودي به، ولكنّها أكثر بكثير من مجرّد هذيانات.
يتكون كرّاس «ذبابيّات» من نصين/قصتين، يليه تداعيات ذاكرة وتأملات في عالم الذباب، ويختتمه بملحق عن علاقة الذباب بالإنسان، أو بالأحرى مظاهر علاقات الذباب بالإنسان وهي كثيرة حقًا. يلفتنا في النصوص الذبابيّة كلّها تكرار ونّوس لعبارة «لم أكن أعلم» التي توحي بندم لأنّه فوّت فرصة تأمّل هذا المخلوق العجيب، وتوحي من جهة أخرى بخيبته من مدى ضحالة معرفة الإنسان وضآلة وجوده. يروي ونّوس في نص «الذبابة الجائعة» قصة يوم واحد من حياة ذبابة، وكأنّه يكتب پاروديا للأعمال المسرحيّة الملتزمة بضوابط الوحدات الأرسطويّة الثلاث. يوم واحد لا يعني الكثير في حياة البشر إلا لو رواها سوفوكليس أو جويس، ولكنّه عالمٌ بأكمله بالنّسبة إلى ذبابة وحيدة جائعة تخوض مغامرتها الوجوديّة: «كانت الغرفة واسعة كالعالم. ... كان كل شيء عجيبًا ومدهشًا في الوقت نفسه. وإلى حزنها انضافت رعشة الرعب». رعب بسبب الإنسان طبعًا الذي لا يترك لها فرصةً للتأمل ويسحقها لتسقط على الأرض وينتهي وجودها من دون أن تكون قد عرفت شيئًا. هذا الجوّ الوجوديّ ليس بعيدًا من جوّ مسرحيّاته الأولى، ولكنّ النص الثاني «بعد ظهر دمشقيّ» يبدو بمثابة صلة وصل عجيبة بين العالم الوجوديّ القديم وعالم المسرحيّات الجديدة. الفارق هو أنّنا نتابع بعيني ذبابة تراقب مضاجعة رتيبة في ظهيرة رتيبة في مدينة رتيبة: «تطير الذبابة، وتحط على المصباح الكهربائيّ المتدلّي من السقف. تنظر من أعلى. ترتفع إليتا الرجل. تهويان. تشعر الذبابة بالتقزّز والحزن». تنتهي القصة فنشعر بخواء هائل، يمتزج بأسى حين يواصل ونّوس تأملاته في الفروق بين المضاجعة (التسافد؟) البشريّة وبين العمليّة الجنسيّة لذى الذّباب التي يمكن لعبارة «ممارسة الحب» الباهتة - التي نتحايل بها على الرقابة كيلا نسمّي الجنس جنسًا -  أن تنطبق على الذّباب ولكن ببعد جماليّ رهيف يقصد الحب في ذاته، لا بكونه مجازًا. يفاجئنا ونّوس باستخدام مفردات صوفيّة، وكأنّ الحب والجنس عند الذباب وَجْدٌ، لا محض ممارسة ميكانيكيّة: «حين يلتحم ذكر الذباب بأنثاه، يبدو وكأنّهما دخلا حالة من الوجد الغامض، وقررا ألا ينفصلا ما دامت فيهما قوة أو حياة. ... كان ينبغي أن أكبر، وأن أفشل في الحب مرات عديدة، كي أكتشف أنّ الإنسان يفتقر كثيرًا إلى الحساسيّة والجمال اللذين يتحابّ بهما الذّباب. وفي لحظات .. كثيرًا ما حسدتُ الذّباب على تلك القدرة على الطيران بأجنحة أربعة، وبشهوة تتدفّق في العروق متجدّدة ومديدة».
يشير ونّوس (في حواره مع ماري إلياس في مجلة «الكرمل» عام 1996) إلى أنّ هوسه بالذّباب قديم منذ أيام يفاعته في قريته حيث كان الذبابُ «الحاضرَ/الموجودَ الذي لا نعي وجوده إلا كعامل إزعاج، ولكنه في الحقيقة وجود يوازي وجودنا بشكل كامل، فلماذا لا نتبنى وجهة نظره من وقت لآخر؟». وبذا، لا تقتصر تأمّلات ونّوس على الجانب الجنسيّ من جوانب حياة الذباب، بل يواصل تداعياته ليروي لنا كيف يشهد الذباب انكسارات الإنسان، وكيف تتداخل حياته بحياة البشر في تفاصيلها كلّها. ويتكشّف له ولنا أنّنا ضئيلون حتّى بالمقارنة مع كائن نراه مقرفًا زائدًا عن الحاجة. ولكنّ قَلْب وجهات النّظر سيعني الكثير/ على الأخص حين يختم ونّوس «ذبابيّاته» بحادثة جعلته يربط الذّباب بالسياسة على الدوام، حين رأى لافتة كرتونيّة في كشك مخابرات على الحدود السوريّة-اللبنانيّة كُتب عليها: «الفم المغلق لا يدخله الذباب»، ويُجْمِل الحادثة في عبارة واحدة: «وبهذا المعنى فإنّ الصمت يجنّبنا الذّباب، ويجنّبنا أيضًا المتاعب السياسيّة». ولكنّ ونّوس لم يصمت حتّى في فترات صمته بل واصل إبداعه مسرحًا وسردًا في سباق مع العمر القصير، ونوَّع بين صراخ السبعينيّات وهدوء الثمانينيّات وهمس التسعينيّات، ليبرهن أخيرًا، في المسرحيّات وفي كتابه السرديّ على الأخص، على أنّ الذاكرة أقوى من الموت.     

Share:

Sunday, April 12, 2020

مقطع من مسرحيّة أنتوني وكليوپاترا




كليوپاترا:
هاتي ثوبي، ألبسيني تاجي.
فيَّ اشتياقاتٌ أبديّةٌ. وبعد الآن
لن تُرطّب عصارةُ عنب مصر هاتين الشّفتين.
هيّا، هيّا، إيراس الطيّبة! عجّلي! يُخيَّل أنّي أسمع
أنتوني ينادي: أراه ينتصب
ليُبجِّلَ فعلي النّبيل. أسمعه يهزأ
من نصيب قيصر، الذي تهبه الآلهةُ للرجال
كي تُبرّر غضبها اللاحق. – جئتُ يا زوجي!
لذاك الاسم شجاعتي تبرهن لقبي!
أنا نارٌ وهواء: وعنصراي الآخران
أهبهما لحياةٍ أحطّ. هل انتهيتما؟
تعاليا إذن، وخذا آخر دفءٍ من شفتيّ.
[تقبّلهما وتسقط إيراس ميتة]
وداعًا شارميان العذبة. وداعًا طويلًا يا إيراس.
هل الأفعى في شفتيّ؟ هل سقطتِ؟
إنْ كان لكِ أن تفارقي الطبيعة بهذا الرّفق،
فإنّ لدغة الموت مثل قرصة المحبوب
تُوجِعُ وتُشتهى. أتستلقين بلا حراك؟
إذْ تلاشيتِ هكذا، قولي للعالم
إنّه لا يستحق إيذانًا بالوداع.

شارميان:
تبدّدي أيّتها السّحابة الكثيفة، وأمطري، كي يسعني أن أقول
إنّ الآلهة ذاتها تبكي!

كليوپاترا:
هذا يبرهن أنّي دنيّة:
لو لاقتْ أنتوني ذي شعر الخواتم قبلي،
سيُبادرها، وسيُنْفِقُ تلك القبلة
جنّتي التي أريد. [تخاطب أفعى أخرى تضعها في صدرها] تعالي أيّتها البائسة المميتة،
بأنيابكِ الحادّة عقدةُ الحياةِ المتشابكة
ستُحَلُّ فورًا: أيّتها الحمقاء السامّة البائسة
اغضبي وأنهي عملك. آه، لو كان لكِ أن تنطقي،
كنتُ سأسمعكِ تنادين قيصر العظيم حمارًا قد غُلب.

شارميان:
يا نجمة الشّرق!

كليوپاترا:
صمتًا، صمتًا!
ألا ترين طفلتي على صدري
ترضع كي تُنيم المرضعة؟

شارميان:
انكسر يا قلب! انكسر!

كليوپاترا:
حلوٌ كالبلسم، عذبٌ كالهواء، رقيقٌ مثل ..
آه أنتوني! – [تخاطب أفعى أخرى] لا، سآخذكِ أنتِ أيضًا.
لمَ ينبغي لي أن أبقى ...

شارميان:
في هذا العالم الوحشي؟ إذن، وداعًا.
والآن تبجّحْ، يا موت، فلديكَ الآن
فتاةٌ لا مثيل لها. – يا نوافذ [العينين] أغلقي
ولن تُرى فيبي الذهبيّة [ الشمس] بعد اليوم
بعينين لهما هذا الجلال الملكيّ كلّه! – تاجكِ مائلٌ.
سأسويّه، وألهو من ثمّ ...

الحارس:
أين الملكة؟

شارميان:
أخفض صوتك ولا توقظها.

الحارس:
لقد أرسلَ قيصر ...

شارميان:
رسولًا بطيئًا.








Share: